وقعت الولايات المتحدة وبولندا رسميا امس اتفاقا ينص على نشر عناصر من الدرع الاميركية المضادة للصواريخ على الاراضي البولندية بحلول العام 2012 مما سيزيد التوتر بين روسيا والغرب، وفيما اقترح وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي على موسكو الاطلاع على القاعدة الاميركية المقبلة لتتأكد من انها ليست موجهة ضدها .
في وقت اعتبرت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ان الاتفاق سيساعد حلف شمال الاطلسي (الناتو) وبولندا والولايات المتحدة على مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين. ووقع الاتفاق في مقر الحكومة البولندية وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي ونظيرته الاميركية كوندوليزا رايس، بحضور الرئيس البولندي ليش كازينسكي ورئيس الحكومة دونالد تاسك. وبهد الاتفاق ستتمكن الولايات المتحدة من نشر عشرة صواريخ اعتراضية يمكنها تدمير صواريخ بالستية بعيدة المدى في الجو، بحلول العام 2012. وسترفق هذه الصواريخ برادار سيركز في جمهورية التشيك. وتكمل هذه القطع نظاما اقيم اصلا في الولايات المتحدة وغرونلاند وبريطانيا.
واكدت رايس في مؤتمر صحافي « ان الاتفاق سيساعدنا على تطويق التهديدات الجديدة للقرن الحادي والعشرين، تهديدات صواريخ بعيدة المدى من دول مثل ايران او كوريا الشمالية»، مؤكدة انه «نظام دفاعي ليس موجها الى احد». ووصفت الاتفاق بأنه ميثاق صداقة وتعاون إستراتيجي بين الولايات والمتحدة وبولندا، وأعادت التأكيد بأن الدرع الصاروخية لأغراض دفاعية بحتة ولا يستهدف أي طرف، لكن هذا الكلام ليس مقنعا لروسيا التي تحتج منذ اشهر على المشروع.
وكان نائب رئيس الاركان الروسي اناتولي نوغوفيتسين قال ان «بولندا تعرض نفسها بذلك لضربة». فيما قال الرئيس ديمتري مدفيديف الاسبوع الماضي ان «اقامة قوى جديدة مضادة للصواريخ في اوروبا تستهدف الاتحاد الروسي». وكانت روسيا قد هددت اول من امس برد عسكري ـ تقني حال نشر الولايات المتحدة منظومة الصواريخ الدفاعية في دول الاتحاد السوفييتي السابق قرب حدودها.
وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية «ما من شك بأن اقتراب عناصر من الترسانة الإستراتيجية الأميركية من الأراضي الروسية.. قد يستخدم في إضعاف قدراتنا الرادعة». وتابع البيان: «من الواضح أن مثل هذا الوضع يحتم على الجانب الروسي اللجوء إلى تدابير مناسبة لمعادلة التهديدات على أمنها القومي.. إلا أن هذا ليس بخيارنا».
وذكرت الخارجية الروسية «أنه ما أن يصبح الاتفاق ملزماً بعد إجازة برلمان جمهورية التشيك له وبدء النشر الفعلي لأنظمة الصاروخ الإستراتيجي قرب حدود البلاد، فإن الرد لن يكون عبر الدبلوماسية بل بوسائل التقنية العسكرية». وكانت روسيا قد اقترحت إقامة منظومة صواريخ دفاعية دولية مشتركة تضم روسيا، والولايات المتحدة، وأوروبا ودول أخرى، إلا أن الولايات المتحدة قابلت المقترح ببرودة.
ونقلت صحيفة«التايمز» البريطانية إن الخطة، التي يعكف الكرملين على دراستها، يحتمل أن تتضمن نشر صواريخ باليستية في «كالينينغراد» - مقاطعة روسية تقع بين «ليتوانيا« وبولندا. وكانت «كالينينغراد» قد أعلنت منطقة خالية من النووي من اتفاق موسكو وواشنطن على خفض ترسانتهما النووية مع انتهاء حقبة الحرب.
ويبدو مكان القاعدة الاميركية بالنسبة الى موسكو عودة الى الحرب الباردة التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين. فقد اختار خبراء الاستراتيجية الاميركيون ريجيكوفو، البلدة الصغيرة التي تبعد حوالى مئتي متر عن جيب كالينينغراد الروسي، لنشر قطع الدرع. وكالينينغراد هي النقطة الروسية الاكثر تقدما غربا بين بولندا وليتوانيا.
ويؤكد القادة الاميركيون والبولنديون ان الدرع ليست موجهة على الاطلاق ضد روسيا، لكن توقيع الاتفاق في اوج الازمة الجورجية يبدو اقرب الى انذار. ووجه الرئيس البولندي ليش كازينسكي رسالة شديدة اللهجة إلى القيادة الروسية، التي تعارض اتفاقية نشر درع الصواريخ الدفاعية الأميركية على الأراضي البولندية قائلاً «إن لا أحد يملي على بلاده أفعالها». وذكرت شبكة «صوت وارسو»الإلكترونية أن كازينسكي قال عشية توقيع الاتفاقية بين الولايات المتحدة وبولندا لنشر شبكة صواريخ دفاعية في بولندا «لا يمكن لأحد أن يملي على بولندا ما تفعله. لقد ولّت هذه الأيام».
وأشارت الشبكة إلى أن جزءا من خطاب الرئيس البولندي كان يشكّل بوضوح رداً على روسيا التي تعارض الاتفاق الأميركي- البولندي. فيما كان وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي اكثر دبلوماسية واقترح على موسكو الاطلاع على القاعدة الاميركية المقبلة لتتأكد من انها ليست موجهة ضدها . ويؤكد الجانبان ان النزاع بين روسيا وجورجيا لعب دورا في الدفع الى انجاز المفاوضات التي بدأت قبل 15 شهرا. وقال سيكورسكي «لدينا اليوم وضع دولي جديد». ويؤكد البولنديون انهم حصلوا على ضمانات اضافية من الولايات المتحدة لامنهم.
وسينشر الجيش الاميركي اعتبارا من العام المقبل بطارية باتريوت مضادة للصواريخ في بولندا. وطوال تاريخها، اضطرت بولندا للوقوف في وجه جارتها الروسية وعانت منها. وقد كانت من الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي في عهد النظام الشيوعي من 1945 الى 1989.
وذكرت الولايات المتحدة رسميا بالتزامها الدفاع عن اراضي بولندا في حال تعرض هذه الاخيرة لهجوم، مع ان معاهدة حلف شمال الاطلسي الذي انضمت اليه بولندا في 1999 تنص على ضمانة من هذا النوع. وسمحت الازمة في جورجيا للحكومة «بالترويج»بشكل افضل للدرع الصاروخية التي لم تكن تلقى تأييدا. وكشف استطلاع للرأي ان 58% من البولنديين يوافقون على هذه الدرع مقابل 37% ضدها.وانهم يثقون في الضمانات المقدمة من قبل اميركا لبلادهم لتفادي هجوم عسكري روسي على اراضيها.
الى ذلك اعتبرت باريس امس أن نشر الدرع الصاروخية في بولندا «لا يهدد روسيا ولا يمس بالتوازن الروسي ـ الأميركي»، على حد وصفها في أول ردة فعل على توقيع الاتفاقية. وقال الناطق المساعد باسم الخارجية الفرنسية فريديريك ديزانيو «إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وبولندا، اتفاق ثنائي يهدف إلى تنفيذ مشروع أميركي بوضع عناصر من الموقع الثالث للدفاع الصاروخي في أوروبا»، وأضاف «من حيث طبيعته ومواصفاته التقنية وخاصة موقعه وعدد المطاردات المقرر نشرها، لا يبدو لنا أن بإمكان هذا المشروع تهديد روسيا أو المس بالتوازن الروسي ـ الأميركي».
