أجهض الرئيس الباكستاني برويز مشرف إجراءات الإقالة التي كان يعدها الائتلاف الحاكم لتنحيته عن منصبه وبادر، في خطوة مفاجئة، إلى إعلان استقالته عن منصبه بعد تسع سنوات من حكم مضطرب، وهي خطوة قوبلت بأفراح في الشارع الباكستاني رغم الغموض الذي يكتنف مستقبل البلاد وخاصة بالنسبة لدورها في ما يعرف بالحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية التي كان مشرف أكبر حلفائها.
وأعلن مشرف في كلمة متلفزة امس انه قرر الاستقالة وذلك لتجنب مساءلته في البرلمان بهدف عزله. وقال إنه «بعد دراسة الوضع واستشارة المستشارين القانونيين والحلفاء السياسيين، وبعد نصيحتهم قررتُ الاستقالة». وأضاف: «اترك مستقبلي في أيدي الشعب». ودافع مشرف، في الكلمة المتلفزة التي استمرت ساعة، عن حكمه الذي استمر نحو تسعة أعوام، وأشار إلى انه سيسلم استقالته إلى رئيس مجلس النواب بحسب الدستور. ورفض المزاعم الموجهة ضده وقال ان الاتهامات الموجهة له في اطار المساءلة لن تثبت عليه ودافع عن فترة حكمه. واكد على أنه «لا يمكن إثبات أي تهمة في اطار المساءلة ضدي، لا يمكن إثبات أي تهمة ضدي لأنني لم افعل أي شيء مطلقا لمصلحتي الشخصية بل كان كل شيء من اجل مصلحة باكستان».
وقال ان القانون والنظام يسودان البلاد الآن وحقوق الإنسان والديمقراطية تحسنت، وأصبحت باكستان دولة مهمة على الساحة الدولية. وتابع القول إن باكستان باتت «دولة مهمة بفضل الله على خريطة العالم». واكد مشرف على انه قاد البلاد على الدوام «بنية حسنة» خصوصا في مواجهة المشاكل الاقتصادية وتهديد المتشددين الإسلاميين، وقال ان خصومه وجهوا «اتهامات خاطئة» له. وقال: «لقد كانت فلسفتي هي باكستان أولا». وتابع: «لكن لسوء الحظ وجه بعض العناصر الذين يتصرفون بدوافع من المصلحة الخاصة، إليّ اتهامات خاطئة وضللوا الناس.. ولم يفكروا في الضرر الذي يمكن ان يحدثه ذلك على البلاد».
وتراجعت شعبية مشرف كثيرا العام الماضي عندما حاول إقالة رئيس القضاة الباكستاني، وكذلك خلال موجة التفجيرات الانتحارية التي نفذها مقاتلو طالبان وأدت إلى مقتل أكثر من ألف شخص من بينهم رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو.
وفرض مشرف حالة الطوارئ في نوفمبر من العام الماضي لتكريس انتخابه لفترة رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات من خلال المحكمة العليا، إلا ان حلفاءه السياسيين منيوا بهزيمة في انتخابات فبراير. وتمكنت احزاب الائتلاف التي فازت في انتخابات فبراير بقيادة حزب الشعب الباكستاني الذي كانت تتزعمه بوتو من التغلب على الانقسامات التي استمرت اشهرا واتفقت على توجيه الاتهامات بانتهاك الدستور وإساءة التصرف إلى مشرف بهدف إقالته.
وقال مسؤولون ان مساعدي مشرف اجروا محادثات مع الائتلاف بوساطة السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا للسماح لمشرف بالاستقالة مقابل سلامته الشخصية. ونفى الناطق باسم مشرف خلال الأيام الماضية أنباء عن نية مشرف الاستقالة، إلا ان غياب دعم الجيش لمشرف الذي تنازل عن قيادته في نوفمبر الماضي، جعل خيارات أخرى من بينها حل البرلمان أو إعلان حالة طوارئ أخرى، امرا مستحيلا.
وتزايدت التكهنات بشأن مصير مشرف ليل الأحد الاثنين عندما صرحت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ان الولايات المتحدة لا تفكر حاليا في منح مشرف اللجوء السياسي. وتعرض مشرف الذي استولى على السلطة في انقلاب ابيض في العام 1999، لضغوط هائلة من الائتلاف الحاكم، لتقديم استقالته قبل بدء أول إجراءات مساءلة في تاريخ باكستان منذ استقلالها قبل 61 عاما.
وبعد إعلان مشرف، شهدت مدن باكستانية عدة احتفالات، ورقص الناس في الشوارع رغم ان مستقبل البلاد السياسي ودور باكستان في «الحرب على الإرهاب» التي تخوضها واشنطن، اصبحا غير معروفين. ورحب المستثمرون في أسواق المال الباكستانية باستقالته وقالوا انها تنهي الغموض السياسي، رغم أنهم أشادوا بفترة حكم مشرف التي شهدت حتى العام الحالي تشجيعا للمستثمرين. وارتفعت أسهم البورصة الباكستانية أربعة في المئة بعد إعلان مشرف الاستقالة.
وكانت صحيفة «فاينانشيال تايمز» نقلت الخميس عن مسؤولين بالحكومة الباكستانية ان مشرف سيفضل الاستقالة على المساءلة في البرلمان. ونسبت الصحيفة إلى عضو بارز بالحكومة الباكستانية لم تذكر اسمه قوله انه تم التوسط في اتفاق بين مشرف وأعضاء الحكومة الائتلافية المنتخبة حديثا. ونقلت عن المسؤول قوله إن «الرئيس لن يواجه مساءلة كما انه لن يلاحق قضائيا بأي اتهامات. سيحاول البقاء في باكستان»
وتوقعت صحيفة الأسبوع الماضي ان يعلن مشرف قرار التنحي في عيد الاستقلال الذي وافق الخميس. وبدلا من ذلك فإن الرئيس الباكستاني وجه دعوة إلى المصالحة التي قال انها أساسية للتغلب على المشاكل الاقتصادية المستفحلة والتشدد الإسلامي.
لكن نداء مشرف لم يفلح في وقف محاولات الحكومة الائتلافية لإجباره على التنحي وطلب مسؤول رفيع من حزب الشعب الباكستاني الشريك في الائتلاف الحاكم الأحد من مشرف أن «يحزم حقيبته ويرحل» في الحال.
وقال السيناتور رضا رباني من حزب الشعب «فقد مشرف تفويض الشعب وينبغي أن يقدم استقالته». واتهم زعيم حزب الشعب آصف علي زرداري ورئيس الوزراء السابق نواز شريف الأسبوع الماضي مشرف بارتكابه انتهاكات دستورية وبسوء التصرف.
بعد الاستقالة
بعد إعلان برويز مشرف استقالته أمس السؤال هو ماذا سيحدث من إجراءات لاختيار خليفته؟ وهنا بعض التفاصيل عما يحدث عندما يستقيل رئيس:
* وفقاً للدستور فان رئيس مجلس الشيوخ محمد ميان سومرو سيصبح قائماً بأعمال الرئيس.
* سيجرى انتخاب رئيس جديد خلال 30 يوما لقضاء فترة تستمر خمس سنوات.
* تنتخب هيئة انتخابية مؤلفة من أعضاء مجلسي الشيوخ والجمعية الوطنية وأربعة مجالس محلية الرئيس.
* عادة في باكستان كان الرئيس منصبا شرفيا في حين كان يتمتع رئيس الوزراء بمعظم السلطات الا أنه أثناء حكم مشرف أصبح الرئيس أقوى بكثير.
* احتفظ مشرف بسلطة لإقالة البرلمان وتعيين كبار المسؤولين في الجيش والهيئة القضائية ولكن الشركاء في الائتلاف الحاكم تعهدوا بنزع هذه السلطات.


