تتناول المؤلفة هنا العلاقة الروسية-الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) معربة عن اعتقادها بأن هذه العلاقة تتراوح بين نوع من الشراكة الحقيقية وحالة من التشوش والغموض حول العديد من الملفات.

فقد رفعت روسيا، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي شعارا «إستراتيجيا»، هو الاندماج فيما يُسمى ب«العالم الحر» عبر المجموعة الأوروبية-الأطلسية. وقد سادت تلك الفكرة في عهد بوريس يلتسين الذي تحمّس للغرب، وتحمّس الغرب له.وإذا كان فلاديمير بوتين قد حافظ على مثل هذا التوجه في بداية عهده فإن الحماس خفّ تدريجيا كي يحل محله نوع من تضاؤل الثقة والتشكيك بإمكانية الذهاب في التقارب إلى حد الوصول إلى اندماج حقيقي.وبشكل عام ساد في روسيا، منذ نهاية الاتحاد السوفييتي وحتى نهاية عهد فلاديمير بوتين، قبل فترة وجيزة، منطقان، أحدهما يقول بالتقارب بل والمساهمة في البناء الأوروبي عبر بناء العديد من المؤسسات المشتركة واتفاقيات الشراكة والتعاون وطموح الوصول إلى «مجال مشترك» في مختلف المجالات، ما عدا تلك المتعلقة بالقرارات السيادية. ومنطق آخر يدعو إلى «أخذ مسافة» والتأكيد على الخصوصيات الروسية بحكم التاريخ والثقافة والمسائل المتعلقة بالهوية الأوروبية-الآسيوية.

هل سيبقى فلاديمير بوتين في ذاكرة التاريخ بمثابة «الزعيم الروسي الذي فقد أوروبا»؟ بهذا السؤال تبدأ آن دو تينغي، المشرفة على هذا الكتاب، حديثها عن طبيعة العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي. وترى أن مجرد طرح هذا السؤال يدل على حالة «التشوش» التي اتسمت بها نهاية الفترة الرئاسية الثانية لفلاديمير بوتين فيما يخص علاقة بلاده مع أوروبا.

يشدد الطرفان، الروسي والأوروبي، على أنهما شريكان، لكن لا يبدو أن أيا منهما يدرك ماذا تعني هذه الشراكة، بل ليست الثقة هي الأرضية التي تقوم عليها علاقاتهما. هنا تثير الكاتبة العديد من النقاط حول الأسباب التي دفعت بروسيا إلى هذه الحالة، بعد أن كانت قد رفعت في مطلع عقد التسعينات الماضي، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، شعارا «إستراتيجيا» هو الاندماج في المجموعة الأوروبية-الأطلسية.

ونقطة ثانية تتعلق بمعرفة أسباب التحوّل عن فكرة أن تكون روسيا جزء من الغرب التي كان قد قال بها بوريس يلتسين وتبنّي توجّه مغاير إلى حد كبير. ونقطة ثالثة بصيغة سؤال: هل ما يجري له علاقة بالنقاشات الدائرة في روسيا منذ قرون حول مسألة الهوية؟

ما تؤكده الكاتبة منذ البداية هو أن مسألتي «الهوية» و«العلاقات الدولية» مرتبطتان عضويا في روسيا باستمرار منذ القديم وحتى اليوم. وكان القرن التاسع عشر قد عرف نقاشات حامية بين أولئك الذين يعتبرون أن روسيا تنتمي إلى أوروبا وأن الاقتداء بالبلدان الأوروبية يشكل الطريق نحو حداثتها وتقدمها، وبين أولئك السلافيين «المتزمتين» الذين يرون أن لروسيا تفرّدها وعبقريتها ورسالتها في العالم.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي رأت القيادة الروسية الجديدة في الأوروبيين «أصدقاء حقيقيين». لكن هذا الحماس «خفّ تدريجيا» لترجح الآن كفّة أنصار التأكيد على «الخصوصيات الروسية». لكن المفارقة هي أن فلاديمير بوتين حرص باستمرار على إظهار تمسّكه بعواطفه «الأوروبية».

هنا يتم طرح سؤال جديد هو: هل ينبغي تجاوز النقاش حول الهوية ورؤية أن التباينات هي ذات طابع ظرفي وأنه محكوم على روسيا والاتحاد الأوروبي بالتفاهم؟

الإجابة المقدّمة تقول بوجود «منطقين» متمايزين اليوم. منطق يقول بالتقارب والتشارك. ومنطق يقول بأخذ مسافة والتأكيد على الاستقلال ورفض القبول ب«الموديل» الأوروبي كمعيار.

مع نهاية فترة الحرب الباردة التي استمرّت عدة عقود، وتميزت بوجود استقطاب ثنائي دولي بين معسكرين: رأسمالي واشتراكي، أعلنت روسيا أنها سوف تتبنّى نهجا ديمقراطيا والاندماج مع اقتصاد السوق المعولم وأيضا نزع أية سمة إيديولوجية فيما يخص سياستها الخارجية. كان ذلك هو النهج الذي تبنّاه بوريس يلتسين.

على صعيد الواقع العملي تمّت ترجمة ذلك التوجه بالتأكيد على «أولوية العلاقات الثنائية وأولوية الشركاء التقليديين الكبار». وفي طليعة الشركاء الذين تقيم روسيا معهم دائما «علاقات خاصة» هناك ألمانيا. وعرفت هذه العلاقات دعما كبيرا في ظل رئاسة فلاديمير بوتين الذي يعرف جيدا ألمانيا التي عمل فيها لسنوات عديدة كضابط في جهاز الكي.جي.بي.

باختصار تمثل ألمانيا الشريك التجاري الأول لروسيا على الصعيد العالمي، ويتم النظر إليها من قبل الروس على أنها تلعب دور «القاطرة» في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. تتم الإشارة هنا إلى استطلاع للرأي يعود لشهر ديسمبر من عام 2006 دلّ على أن ألمانيا تحتل المرتبة الثانية (بعد بيلوروسيا) ك«بلد صديق وحليف».

ألمانيا ليست البلد الوحيد في أوروبا الذي تقيم معه روسيا علاقات وثيقة، بل لها أيضا شركاء تقليديون آخرون لكل واحد منهم «خصوصياته». فرنسا بالنسبة للروس هي بلد نزعة الاستقلال الديغولية والمؤهلة كي تعارض حليفها الأميركي. هذا ما أثبتته في موقفها المعروف المناهض للحرب في العراق عام 2003.

وكانت مواقف روسيا وفرنسا متقاربة في ظل رئاسة جاك شيراك حول العديد من المواضيع الأساسية بنظر موسكو، ومثل الاتفاق على تأكيد مفهوم «تعددية الأقطاب» في عالم اليوم وحيث تبدو فرنسا بمثابة «الحليف الطبيعي» لروسيا.

من جهة أخرى لعبت العلاقات الشخصية بين فلاديمير بوتين وسيلفيو برلسكوني دورا كبيرا في التقريب بين روسيا وإيطاليا التي أصبحت أحد الشركاء الاقتصاديين والتجاريين المتميزين لروسيا، وخاصة في ميدان الطاقة. أما العلاقات مع بريطانيا فقد كانت تقليديا محكومة بوجود «علاقات خاصة» بين لندن وواشنطن، وحيث تبدو «لندن» بمثابة جسر نحو واشنطن.

وتتم الإشارة إلى وجود العديد من رجال الأعمال الروس الأغنياء في لندن اليوم وإلى تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين حيث كانت المملكة المتحدة في عام 2006 هي المستثمر الأجنبي المباشر الأول في روسيا.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن روسيا نظرت لفترة طويلة ل(البناء الأوروبي) الموحّد بشيء من الريبة. ولكن هذه النظرة تغيّرت تدريجيا، وبالتوازي مع ذلك تعززت العلاقات أكثر فأكثر. وكان قد جرى توقيع «اتفاق شراكة وتعاون» دخل في حيّز التطبيق عام 1997. ومن الملاحظ أن روسيا لم تبد عدائية حيال توسيع إطار الاتحاد الأوروبي، مثلما فعلت حيال توسيع إطار الحلف الأطلسي.

واعتبارا من عام 2004، أصبح طول الحدود بين روسيا والاتحاد الأوروبي الموسّع آنذاك حوالي 2200 كيلومتر، وغدت روسيا هي «الجار الأكبر». وعلى أساس تزايد التداخل في المصالح جرى تأسيس «مجلس للشراكة المستمرّة». وكان قد جرى في شهر مايو 2003 إطلاق مشروع طموح لإقامة «مجال مشترك» في خمسة ميادين، تشمل الاقتصاد، والحريات، والأمن والعدل، والأمن الخارجي، والبحث والتربية. باختصار تبنّت روسيا توجّها يرمي إلى إقامة «شراكة إستراتيجية» مع الاتحاد الأوروبي.

ولا شك في أن الطاقة تشكل «حجر الزاوية» في هذه الشراكة الإستراتيجية. إن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لروسيا، إذ أنه يمثل أكثر من نصف مبادلاتها مع العالم الخارجي والمصدر المباشر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا. بالمقابل كانت روسيا تؤمن في عام 2005 نسبة 15 بالمئة من احتياجات الاتحاد الأوروبي من البترول و30 من احتياجاته من الغاز.

أكّد فلاديمير بوتين في مناسبات عديدة على انتماء بلاده للقارة الأوروبية وأنها «جزء لا يتجزأ من أوروبا تاريخيا وثقافيا». وبدا ضمن هذا المنظور أن المستقبل السياسي لروسيا لا يمكن فصله عن مستقبل أوروبا وأن علاقاتها مع القارة القديمة تشكل إحدى أولويات السياسة الخارجية الروسية.

لكن الكاتبة تفتح هنا قوسين كي تؤكد أنه إذا كانت روسيا قد قامت ب(خيار أوروبي) وأنها تشكل جزءًا من أوروبا، فإن هذا لا يعني أنها بلد أوروبي مثل بقية البلدان الأوروبية. ذلك أنه لها خصوصياتها التي أكّدتها أيضا مرّات عديدة. وهي خصوصيات تعود إلى تاريخها وإلى هويتها الأوروبية-الآسيوية وإلى ثقافتها وإلى مساحتها الشاسعة وإلى موقعها الجغرافي وإلى طموحاتها.

وعلى قاعدة هذه الخصوصيات لا يمكن للعلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي إلا أن تكون «خاصة» هي الأخرى. وكان القادة الروس قد حددوا بدقة موقفهم مرّات عديدة حول هذه المسألة، اعتمادا على النص الذي غدا مرجعية في هذا الإطار والذي حمل عنوان: «إستراتيجية تطوير علاقات الفيدرالية الروسية مع الاتحاد الأوروبي في منظور متوسط المدى (2000-2010)».

وكان فلاديمير بوتين نفسه قد قدّم هذا النص في شهر أكتوبر من عام 1999 عندما كان رئيسا لوزراء روسيا آنذاك، وذلك في هلسنكي أثناء القمة الرابعة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى يؤكد القادة الروس أن بلادهم ليست مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكان الرئيس الروسي بوتين قد كرر القول في شهر مارس من عام 2007 أن ما تريده روسيا هو «توطيد الروابط مع الاتحاد الأوروبي». وحدد القول انه يتبنّى جملة للمفوّض الأوروبي السابق رومانو برودي قال فيها عن علاقة روسيا بالاتحاد أنها «تشمل كل شيء باستثناء المؤسسات».

إن روسيا حريصة جدا على استقلالها وحريصة أيضا على تطبيق مبدأ «المساواة» في المعاملة، باعتبار أن هذا المبدأ يمثل مكوّنا جوهريا في الرواية الروسية لأوروبا وأيضا بالنسبة للمكان الذي تحتله روسيا فيها. وقد ذكّر بوتين مرارا أن إعادة توحيد أوروبا اليوم تعود بشكل رئيسي لروسيا.

ذلك أنه ما كان لمسيرة التوحيد من جديد أن تتم «دون الخيار السياسي للشعب الروسي، الذي سمح لزعماء ما كان يسمّى بالاتحاد السوفييتي اتخاذ قرارات أدّت إلى سقوط جدار برلين». كما يتم التذكير أن روسيا قد فعلت الكثير من أجل «الأمن الأوروبي».

ولم تكن روسيا بعيدة عن احتلال أوروبا لمكانة هامة في العالم بسبب ما تمتلكه من قوّة. وكان بوتين قد أكّد في خطاب له يعود إلى شهر سبتمبر من عام 2001 أنه يمكن لأوروبا أن تصبح «مركزا قويا للسياسة العالمية ومستقل حقيقة إذا نجحت في الجمع بين ما تمتلكه من قدرات مع قدرات روسيا». ثم أضاف أن الشراكة الروسية- الأوروبية هي التي سوف تسمح ل(أوروبا الكبرى) أن يكون لها صوت مسموع وأن يكون لها وزنها في العالم.

وتتم الإشارة هنا إلى أن علاقة المساواة و «الندّية» تعني أن أوروبا ثنائية الأقطاب. ذلك أن روسيا، البلد الأكبر بين بلدان مجموعة الدول المستقلة التي قامت مع جمهوريات سوفييتية سابقة، تمثّل «قطب الجذب» الآخر. كما تعني أن روسيا ليست في موقع من يطلب المعونة فسالاتحاد الأوروبي بحاجة إلى روسيا، وروسيا بحاجة إلى الاتحاد الأوروبي».

وفي الوقت نفسه يرفض الروس «الموقع الأدنى» بالعلاقة مع أوروبا، أي بمعنى أنه لا يحق لأحد أن «يلقنها» الدروس وأنها لا تستطيع قبول أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتحديد قواعد اللعبة معها.

هكذا قام في نهاية الفترة الرئاسية الثانية لفلاديمير بوتين ما تسميه الكاتبة ب«منطق أخذ المسافة» عن الاتحاد الأوروبي، وغدت الشراكة ممهورة بـ (نقص الثقة والتشوش). وبدا وأن هناك تعارضا بين «منطق التقارب والشراكة» وبين «منطق أخذ المسافة». وتنقل عن الباحثة «ارباتوفا ناديا» الأخصائية الروسية بالشؤون الأوروبية قولها: «إن الشركاء على مفترق طرق في علاقاتهم ولا شيء يضمن أنهم سوف يتابعون السير في نفس الاتجاه».

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن الشراكة في السنوات الأخيرة، باستثناء المجال الاقتصادي والتجاري، تشهد بعض العقبات. هكذا منع النزاع الروسي-البولندي الشروع في مفاوضات للوصول إلى «اتفاق-إطار». وكان هناك خلاف كبير بين روسيا والاتحاد الأوروبي حيال ملف استقلال كوسوفو الذي ترفضه موسكو بشكل كامل. وهناك تباين في وجهات النظر حول الملف النووي الإيراني. لقد ساد التشاؤم عامة لدى الخبراء الروس خلال السنوات الأخيرة حيال التقارب الروسي-الأوروبي.

وفي المحصلة دفعت «توترات» السنوات الأخيرة العديد من الخبراء الروس في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي إلى إصدار مجموعة من الانتقادات والاقتراحات في نهاية عام 2007، وفي مقدمتها التأكيد على «غياب رؤية إستراتيجية» لدى روسيا حيال أوروبا، وعلى أن النقطة الوحيدة الأكيدة هي أنها «ليست مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي».

الصفحات: 215 (وسط)

الكتاب: موسكو والعالم

الناشر: أوترومون ـ باريس ـ 2008

تأليف: اآن دو تينغي ـ عرض ومناقشة: محمد مخلوف