«إن طلب مني الرئيس البشير الدفاع عنه.. سأفعل».. عبارة أطلقها وزير العدل السابق والمحامي القطري د. نجيب النعيمي متحدثا عن الرئيس السوداني عمر حسن البشير، المطلوب دوليا للمثول أمام محكمة الجزاء الدولية. ليس لأن النعيمي ترافع في وقت سابق عن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين فحسب، بل لأنه ساهم في تأسيس محكمة الجزاء الدولية، ملما بخباياها، كالعارف بشعاب مكة.

وفي إجاباته عن تساؤلات «البيان» كان المحامي القطري واثقا مما يقول، لم يجد غضاضة في سرد تجربته في الدفاع عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بفخر جهوري. وفي ما يلي نص الحوار: التقيت بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين كثيرا، ما هو نوع الأحاديث التي كنت تتبادلها معه؟ بالطبع التقيت الرئيس صدام على مدى سنة كاملة من المرافعات، واستمرت هذه اللقاءات بين ساعة ونصف، إلى خمس ساعات لم تكن كلها عن المحاكمة وإنما كان ثمة مكان للحديث عن الشعر، وقلت له مرة ان يكتب قصة حياته، فلم يبد اهتماما.. وأجبته أن الهدف هو تأريخ الفترة التي عاشها.. فكان أن كتب مذكرات لا تتجاوز ثلاثا وعشرين ورقة. إلا أنه بدأ لاحقا يكتب أكثر عن مواضيع حياته الشخصية، ومواضيع أخرى لم أطلع عليها.

من الذي عمل على إقناعك بالدفاع عن صدام حسين؟ رغد ابنة الرئيس، وقبل رغد كان هناك وسطاء محامون لبنانيون، وعراقيون. بالإضافة إلى المحامي الأميركي رامزي كلارك. وبقيت على موقفي حتى وصلني خطاب بخط يد الرئيس صدام للمشاركة في الترافع عنه. رفضي لم يكن من منطلق دفاعي عن صدام حسين بحد ذاته، بل لقناعتي أن المحاكمة صورية. كنا «المحامون» نجلس معه لساعات، وكان يوزع علينا السيجار.

وهل كان صدام حسين مرتجلا في ردوده؟

لم نكن نوجهه بالمعنى الفعلي، كانت له شخصيته الخاصة، وكان قادرا على ضبط أعصابه، والسيطرة على نفسه سيطرة كاملة دون تدخلنا، وكنا ننصحه بعدم المواجهة مع القضاة، أو من سموا بالقضاة.

ما هي الأسباب التي أدت إلى تغيير رئيسي المحكمة، وأعني رزكار أمين، وسعيد الهماشي؟

جرى تغيير رئيسي المحكمة مرتين، رزكار أمين استقال نتيجة ضغوط، وتدخل حكومة نوري المالكي في الجلسات، فقد كان رزكار يدرك أن هذه المحكمة صورية، واستقالته كانت مفاجأة بالنسبة إلينا، وتم تعيين مساعده سعيد الهماشي رئيسا مؤقتا للمحكمة.

لكن ذلك لم يمنعهم من أن يشنوا على الهماشي حملة في سياق حملة اجتثاث البعث، باعتبار أنه كان منتسبا للحزب في السابق، وأتوا بالمدعو رؤوف عبدالرحمن والذي كان الرئيس صدام عفا عنه مرتين وإحدى المرتين كان حكما بالإعدام في قضايا أمنية، ومع ذلك كان يحمل قدرا كبيراً من الحقد، ويجب أن تعرف أن القضاة العراقيين في تلك المحكمة، من عبدالرحمن ومن تلاه هم قضاة مارسوا المهنة للمرة الأولى وأغلبهم كانوا محامين يعملون وفق أهواء مذهبية، وعنصرية، لهذا كان من المنطقي أنك لا تخاطب محكمة فعلية.

كيف تصف سلوك القاضي رؤوف عبدالرحمن وراء كواليس المحكمة؟

شن رؤوف عبدالرحم، حملة ضدي وبالتآمر، للأسف الشديد، مع أناس كانوا يعملون معنا بغية إبعادي عن المحاكمة، وجاءني رئيس القلم فيما كان يسمى محكمة في ذاك الوقت، ونقل لي رسالة من عبدالرحمن يقول فيها إنه سينظر في نصف المذكرة التي رفعتها وسيلقي بالنصف الآخر في القمامة، وقال نقلا ما نصه: «ابحث عن مكان تخطب فيه». علما أن مذكرتي لم تحتو على أية صياغة سياسية، وكانت قانونية صرفة، ونابعة من القانون والاتفاقيات.

هل لديك دراية بخبايا غير معلنة عن المحاكمة؟

من الخبايا أن المحاكمة كانت تدار بشكل كامل من قبل وزارتين أميركيتين، القسم القانوني في وزارة الدفاع الأميركية، والنائب العام بوزارة العدل الأميركية، وكلاهما شكلا إدارة خاصة أطلق عليها اسم «إدارة محاكمة صدام حسين»، وتضم من عشرين إلى ثلاثين مستشارا قانونيا، وقامت هذه الإدارة بتشكيل لجنة مشتركة بين المستشارين القانونيين بوزارة الدفاع، ونظرائهم بوزارة العدل الأميركية، وكانت اللجنة متخصصة في نصح القاضي في عملية إدارة الجلسة.

كما كان هنالك رجل أميركي في المحكمة يقوم بتنظيم الجلسات، وهو ضابط في القوات المسلحة الأميركية، الأمر الذي يتناقض مع النظام القضائي العراقي، كما أن رجال الأمن الأميركيين كانوا منتشرين في جميع أركان قاعة المحكمة، فضلا عن وجود كبير المستشارين القانونيين: أميركي يرافقه مترجم، وكان دائما يعمل على تصويب، وتوجيه رئيس المحكمة، وأركان المحكمة العراقيين. وبعد تسلم المالكي مهام عمله رئيساً للوزراء بدأ مكتبه يتدخل في شؤون المحكمة وبالتدريج تحولت من محكمة مدنية أميركية إلى عسكرية عراقية.

هل كنت تفضلها محكمة أميركية؟

نعم كان من الأفضل أن تكون مدنية أميركية.. والحقيقة أن القاضي رزكار كان يعمل وفق نظام المحكمة الأميركية، ولكن عندما زاد الضغط عليه من قبل حكومة المالكي تقدم باستقالته.

كيف كانت مشاعر صدام حسين طوال المحاكمة؟

كان رجلا يرى الموت، ويتصرف بشجاعة أمام ذلك، حتى أني اعتقدت أنه تلقى وعدا بشيء يحول دون إعدامه، ونفى صدام نفسه كل هذه الشائعات، وقال لي إنه لم يلتق أيا من المسؤولين الأميركيين. وعلى الرغم من أني قلت له إن المحاكمة صورية، ونحن لسنا أكثر من استكمال للمسرحية، إلا أنه أكد لي معرفته التامة بذلك، لكنه أراد أن يسمع صوته للعالم من خلال تلك الجلسات. وقال لي مرة أردت فيها الانسحاب، إنه يعتبرني مختلفا عن رامزي كلارك، وأنه يريدني في المحاكمة، لأن كلارك أميركي أما أنا فعربي.

هل أخبرك بتفاصيل اعتقاله؟

لم يتم اعتقاله في حفرة كما ادعوا، لقد كان صدام يقضي وقته في مخابئ تم تحديدها سابقا قبل الحرب، ومن بينها مزرعة يملكها أحدهم ممن قدم لهم صدام خدمات عديدة، لكن يبدو أن صاحب المزرعة تآمر مع الأميركيين، وعندما حضر إليه صدام الذي كان يتنقل وحده كان الأميركيون يحيطون بالمزرعة.

سمع صدام جلبة خارج المزرعة، وانطلق إلى نفق يقوده إلى ضفة تطل على نهر دجلة، يوجد أمام نهايتها خيل، ودراجة نارية، وقارب، ليختار أي منها للهرب، لكن الأميركيين كانوا متواجدين هناك كذلك واعتقلوه، ولما سألته لماذا لم يبادر بإطلاق النار عليهم، رد صدام، بأنه لا يقبل بأن يقتل على يد جندي.

باعتبارك متخصص في القانون الدولي، هل تعتبر فرضية محاكمة الرئيس السوداني عمر حسن البشير قانونية؟

اتبع مجلس الأمن نصوص معاهدة محكمة الجنايات الدولية، والتي شاركت في صياغتها على مدى خمس سنوات، اعتراضي الوحيد على هذه المحكمة كان حول تخويل مجلس الأمن الدولي إحالة قرارات المحكمة، كما حدث مع البشير.

لقد اعترضت على هذا البند اعتراضا كاملا، وكنت أمثل المجموعة الإفريقية-الآسيوية التي تضم 54 دولة، بالإضافة إلى تمثيلي دولة قطر، وقلت إننا بذلك نسلم مجلس الأمن حق الإحالة دون شرط وجود مصادقة من قبل الدولة على هذه الاتفاقية، وهكذا نكون وضعنا رقاب الحكام العرب في يد مجلس الأمن، لأن مجلس الأمن في هذه الحالة سيكون أداة سياسية أكثر من كونه أداة قانونية.

لذلك نراهم اليوم يحاولون الإبقاء على قضية البشير سياسية، تماما كما بدأت.. ورأيي أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن محاكمة الرئيس السوداني.

ولو طلب منك الدفاع عن الرئيس البشير.. هل ستدافع عنه؟

بالطبع، لو طلب مني سأدافع عنه، دافعت عن الرئيس صدام رحمه الله في أسوأ الظروف الأمنية ضدي، أما هذه المحكمة «الجنايات الدولية» فأنا من خبزها وعجنها.

تهديدات أمنية

أكد المحامي نجيب النعيمي خلال حديثه إلى «البيان» تعرضه للكثير من التهديدات، ومنها رفع أحد الأشخاص المسدس في وجهه خارج قاعة المحكمة، حيث جاء الحرس الأميركي واعتقل عددا من المتواجدين.

كما تحدث أيضاً عن تشاجره مرة أخرى بالأيدي مع مسلحي الميليشيات في مكان إقامتهم، وذلك خلال دفاعه عن شاهد الدفاع الذي ضُرب أمامه.

ولم يتحرك أحد لنجدته، حيث انقض عليه أربعة أشخاص لأخذ الهاتف النقال منه بعد تصويره للحادثة، وإعلانه أنه سيوزعها على وسائل الإعلام لفضح عنصرية الميليشيات، وعدم حيادية الجيش الأميركي الذي لم يحمه، أو يحم الشاهد الذي هدده رجال الميليشيات بخرق رأسه بالدريل «المثقب»، وهي الأداة التي كان يستخدمها رجال الميليشيات في عمليات التعذيب والقتل.

الوصفة الليبية

لنيل البراءة الأميركية

إذن، بات الزعيم الليبي معمر القذافي في نظر الولايات المتحدة الأميركية «يستحق الثناء والشكر على جهوده المتواصلة من أجل الاستقرار في إفريقيا»، بل وأكثر من ذلك «على صعيد الاستقرار والأمن في العالم» برمته.

هذا جزء من مضمون الرسالة التي سلمها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد وولش للزعيم الليبي يوم الأربعاء الماضي عشية التوقيع على الاتفاق بين ليبيا والولايات المتحدة الذي «أنهى كافة المشاكل العالقة بين الطرفين»، بعد صراع دام 25 عاماً، ولتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الليبية الأميركية «مبنية على الاحترام المتبادل والمصالحة المشتركة والتعاون في شتى المجالات» بحسب ما أعلن وولش.

وليس جديداً الحديث عن ماضي العلاقات الليبية الأميركية، إذ لطالما اعتبرت واشنطن نظام الزعيم الليبي أحد أكثر الأنظمة زعزعة لاستقرار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واتهمته بممارسة الإرهاب العالمي عبر دعمه الحركات المتطرفة. وبدون مبالغة، يمكن البدء وعدم الانتهاء في تعداد التهم التي وجهتها الإدارة الأميركية لقائد ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) الذي يحكم الجماهيرية منذ العام 1969.

ومن العاصمة الليبية طرابلس، أعلن وولش أن على إيران التخلي عن برنامجها النووي المثير للجدل، في إشارة إلى المكاسب التي حققها الزعيم القذافي منذ إعلانه «نبذ الإرهاب» و«السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل» في العام 2001. اليوم باتت ليبيا شريكاً في «إرساء الأمن والاستقرار والتعاون الدولي من أجل مكافحة الإرهاب، وهو العدو لنا جميعاً»، والحديث لوولش أيضاً.

وليس بعيداً عن الحدود الليبية، وبالتزامن مع توقيع الاتفاق، كان الرئيس السوداني عمر البشير، الذي لا يزال يعتبر أحد ألد أعداء واشنطن، يؤكد أنه بصدد زيارة تركيا، في أول رحلة له خارج حدود السودان، منذ تحرك المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بالإبادة الجماعية في دارفور. ويرى المحامي القطري الخبير في القانون الدولي د. نجيب النعيمي أن قضية البشير «سياسية بامتياز»، وستظل كذلك طالما لم ينفذ المطلوب منه أميركياً، ويتوقع أن «لا تتراجع الولايات المتحدة عن محاكمته».

قد يبدو رأي النعيمي صائباً إذا ما تم قياس الأمر على الطريقة «الصدامية»، على اعتبار أنه كان أحد أبرز محامي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلا أن النموذج الآخر بات حاضراً بقوة في العالم العربي بعد تجربة الزعيم القذافي، الذي استطاع أن يثبت نفسه كلاعب قوي في الساحة الإفريقية بعد أن كان على شفير المواجهة مع الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر.

وأكثر من ذلك، بات يستطيع تقديم الدروس في ضرورة الانحناء أمام العاصفة، كما فعل قبل بضعة أيام حين انتقد من تونس موقف إيران بشأن ملفها النووي ووصفه بالموقف «المكابر»، وتوقع أنها «لن تصمد» و«ستنهار أمام هجوم غربي» و«سيكون مصيرها مماثلاً لمصير العراق». مبروك لليبيا صك البراءة الأميركي.

الدوحة ـ أيمن عبوشي

فراس كيلاني

feraskilani@hotmail.com