من الطرائف والغرائب أن الرئيسة تشاندريكا بندرانايكا اختارت، والدتها الرئيسة السابقة لسريلانكا رئيسة للحكومة، في ظل نظام يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كبيرة.
وكان ذلك الاختيار، في حينه، موضوع جدل، لأن الأم كانت جاوزت الثمانين من عمرها. وكان يشارك في الحكومة، عندما زرت البلاد، ائتلاف حزبي يضم إلى جانب حزب الحرية (حزب الرئيسة): الحزب الشيوعي، والحزب التروتسكي، وحزبين يساريين آخرين، وحزباً إسلامياً حليفاً لليسار، اسمه حزب المؤتمر الإسلامي. أما أحزاب المعارضة فكانت تتشكل أساساً من الحزب الوطني الاتحادي، وهو ثاني أحزاب سريلانكا، الذي تولى رئيسه أكثر من مرة رئاسة البلاد، وحزب جبهة التحرير الشعبية، وهو حزب ماركسي قومي متطرف، إضافة إلى حركة نمور التاميل التي تكافح بالسلاح، منذ عقود، من أجل الاستقلال، من دون أن تصل إلى هدفها في الانفصال عن الجزيرة.
يتشكل سكان الجزيرة من قوميتين وثلاثة أديان: القومية الأكبر هي القومية السنهالية، أما القومية الثانية فهي التاميل وتشكل 16 في المئة من السكان. أما الأديان: البوذية، وهي الأكثرية، والمسيحية والإسلام، ويشكلان نسبة متساوية هي 8 في المئة لكل من الديانتين. مساحة الجزيرة تبلغ 37 ألف كيلو متر مربع. ويبلغ عدد سكانها 18 مليون نسمة.
أما ثروات الجزيرة، التي منها يتكون الدخل القومي، فهي: الشاي السيلاني الشهير، والأناناس، وجوز الهند، والموز، والباباي، والمانغا، وبعض الثمار الإستوائية الأخرى، والتوابل، وهي ثروة قديمة. تضاف إلى تلك الثروة الأحجار الكريمة. وتحتل بعض الصناعات الخفيفة التي تحاول سريلانكا أن تقلد بها، ولو متأخرة وبصعوبات كبيرة النمور الآسيوية جزءاً محدوداً من الثروة الوطنية.
إلا أن المثير للدهشة هو ما يؤكده أهل الجزيرة من أن الاغتراب يشكل مصدر ثروة كبيرة للبلاد. ويتمثل هذا الاغتراب في ذلك العدد الكبير من السريلانكيات اللواتي ينظم تسفيرهن إلى البلدان الأخرى للقيام بأعمال بسيطة أهمها خدمة البيوت. والسبب المباشر لتلك الكثافة في الهجرة، من الريف بشكل خاص، هو الفقر المدقع الذي يدفع أولئك المهاجرين إلى القبول بشروط صعبة جداً للعمل، وبأجور متدنية جداً.
يذكر أن مستوى التعليم في الجزيرة، في شكل عام، مرتفع بما في ذلك بين أولئك المهاجرين. ويؤكد ذلك، بحسب ما يجمع عليه الذين تحدثت إليهم من المسؤولين، أن الأمية في الجزيرة تكاد تكون معدومة. ولعب في ذلك دوراً كبيراً، ومنذ وقت مبكر، البوذيون، وتبعتهم وأكملت دورهم الإرساليات الدينية.
وبالعودة إلى الإنتماءات الدينية لسكان الجزيرة، أود الإشارة إلى أن علاقة الجزيرة بالعرب قديمة. وهي علاقة تعود إلى العصور السابقة للإسلام. واستمرت، بعد ظهور الدعوة الإسلامية. ويقول بعض العارفين من أهل الجزيرة إن الإسلام دخل إلى الجزيرة كدين في القرن الثالث الهجري. والغريب في هذا المجال، كما قيل لي، هو ان الأقلية الإسلامية تحتل الموقع الرئيسي في الحياة الاقتصادية. وعرفني صديقي المحامي مارلين إلى شقيقه قائلاً في لهجة يختلط فيها الجد بالمزاح: «أعرفك يا صديقي برفيق الحريري ذي الجنسية السريلانكية».
رأيت في سريلانكا نموذجاً من الديمقراطية مختلفاً عن نموذج الديمقراطية في بلداننا. إنه نموذج الديمقراطية الآسيوية، النموذج البديل من الاستبداد الشرقي القديم. هكذا بدا لي الوضع ولكثيرين سواي ممن أتيح لهم أن يزوروا هذا البلد، وسائر بلدان القارة الهندية. إنها ظاهرة تستحق الاهتمام والقراءة المعمقة.
كيف تأقلمت شعوب متخلفة ساد تاريخها الاستبداد بأشكاله كافة، مع ديمقراطية غربية عريقة، وكيف تحولت هذه الديمقراطية في وعي وممارسة هذه الشعوب إلى تقليد ثابت في حياتها؟ وما هي عناصر هذه الديمقراطية الآسيوية؟ لن أدخل في الأسباب التاريخية التي جعلت القارة الهندية تسير في هذا الاتجاه. ما يهمني هو أن أتوقف عند أشكال التعبير عن هذا التوجه الذي تحوّل إلى تقليد لدى شعوب المنطقة.
وتتمثل هذه العناصر، في الدرجة الأولى، بالإقرار بتداول السلطة، وبممارسة ذلك التداول فعلياً، ومن دون إعاقات. فالانتخابات النيابية والمحلية، تجري، بشكل دوري. ولا تعطلها أهواء السلطان. والناخبون يذهبون بكثافة إلى صناديق الاقتراع، من دون أن تؤثر في إقدامهم على الإدلاء بأصواتهم، وفي نتائج ذلك الاقتراع، محاولات من هنا ومن هناك، لتزوير إرادتهم.
وتدل التجارب بوضوح، في سريلانكا وفي الهند، وحتى في الباكستان وبنغلادش، ونيبال التي انتقلت حديثاً إلى النظام الجمهوري، أن السلطات الحاكمة في تلك البلدان تتغير، وتتبدل، ويأتي إلى مواقع القرار فيها أناس ويذهب آخرون. على أن من أهم دلالات ومعاني هذه الديمقراطية في الممارسة هي أن الشعب لا يتردد في انتخاب نساء مميزات لتولي مهام السلطات، في أعلى مواقع القرار.
وهو يكاد يصبح تقليداً، في تلك البلدان. وهو ما نشهده ليس في سريلانكا، وحسب، بل في الهند، وفي باكستان، وفي بنغلادش. وهو ما نشهده حتى في بورما، التي لم تعرف الديمقراطية حتى الآن، بخلاف كل جيرانها. إذ تقود المعارضة امرأة شجاعة قاومت، ولا تزال، كل محاولات القمع التي تمارسها دكتاتورية العسكر.
واستمرت في تصميمها، ومن ورائها جماهير غفيرة، في النضال للانتقال ببورما من عصر الدكتاتورية المقيم، إلى زمن الديمقراطية، أسوة بسائر بلدان القارة الهندية. وفي إندونيسيا معارضة من النوع ذاته تقودها امرأة هي ابنة الزعيم الراحل سوكارنو.
هنا تبرز مفارقة محيرة تثير الجدل والنقاش: ما العلاقة بين الدكتاتورية والتقدم الاقتصادي في بلدان النمور الآسيوية، التي شهدت تطوراً يشبه المعجزة، وبين الديمقراطية والتخلف اللذين تتميز بهما بلدان آسيوية أخرى، من بينها سريلانكا؟
المعادلة، بالطبع، مغلوطة، في أكثر من وجه. ومع ذلك فإن البعض يطرح السؤال بقوة، وبما يشبه اليقين. والجواب السريع، الذي يقدمه الفريق المعارض لهذه المعادلة، يستند إلى ما تشهده الهند من تطور ونمو متواصلين، يترافقان مع ديمقراطية أصبحت عريقة وراسخة، رغم كل ما يسود شبه الجزيرة العظيمة من نزاعات إثنية ودينية.
ويؤكد هؤلاء، بحق، أن التقدم ما لم يتلازم مع الديمقراطية، بمعناها السياسي والاجتماعي، بمعزل عن الأشكال والصيغ التي تتجلى بها، لن يدوم. بل هو سيؤدي إلى انفجارات متعددة الأشكال في وقت لاحق. إلا أن نموذج الصين هو نموذج فريد من نوعه فهي ليست من نموذج النمور الآسيوية، ولا هي من النموذج الهندي. وفي الحقيقة فإن لكل بلد تقاليده وأساليبه الخاصة به في شتى نواحي الحياة. وثمة تفسيرات قديمة وحديثة للظاهرة الصينية في العصر الجديد، يحصر بعضها انتصار الثورة فيها على المغامرات التي ارتبطت باسم ماوتسي تونغ وباسم نظرياته.
وهو انتصار أعطى للصين، في ظل نظام الحزب الواحد، الحزب الشيوعي، صورة مختلفة للصين عن عهودها السابقة، قبل الشيوعية وفي عهدها، المرتبط بماوتسي تونغ. إلا أن صورة الصين تختلف جذرياً عما كانت عليه في عهد ماوتسي تونغ. هنا يطرح سؤال جديد لم تتوفر بعد الشروط للإجابة عنه، وهو يتعلق بالظاهرة الصينية المعاصرة التي كان لدينغ هسياو بينغ، خليفة ماوتسي تونغ، الدور الأساسي بصنعها.
فالصين اليوم تتجه، بسرعة فائقة، إلى مستوى الدول الصناعية الكبرى، في ظل رأسمالية الدولة وسيطرة الحزب الشيوعي، وإيديولوجيته البراغماتية المفتوحة على احتمالات وتفسيرات شتى. وتشير التوقعات إلى أن الصين، في نهضتها الكبرى الراهنة، ستصبح معجزة القرن الحادي والعشرين.
على أن سريلانكا التي رفض حكامها، منذ بندرانايكا حتى الآن، أي تراجع عن الديمقراطية، بصيغتها الوطنية المحلية، تواجه تحديات جديدة، بعد نصف قرن من المراوحة الثقيلة الباهظة الثمن. وهي، إذ اختارت بعضاً من أساليب النمور الآسيوية في التطور فإنها ظلت تصر على التزامها الديمقراطية.
ولعل واحداً من الأسباب التي أدت إلى ذلك الركود المتمثل في الفقر والتخلف المترافقين مع الغنى، هو شكل التطور الذي استند فيه بعض قادتها الوطنيين، منذ البدايات، إلى التجربة السوفيتية، حين جعلوا هذه التجربة طريقاً لتطور بلدانهم، من دون تمحيص، ومن دون إبداع يزاوجون فيه بين دور ضروري للدولة في هذه البلدان وبين الشروط الموضوعية التي لا غنى عن مراعاتها في صيغة برنامج التطور، في كل ميادينه، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا على الأقل، ما استنتجته من قراءتي للتجربة في دولة سريلانكا الديمقراطية، برغم ما استجد من سياسات اقتصادية واجتماعية خلال تلك الحقبة من تاريخها.
لقد ناقشت خلال زيارتي الثانية (1994) مع الذين التقيت بهم من القادة السياسيين، ومن المثقفين والإعلاميين، كل تلك القضايا. وكانت لي لقاءات مع أمين عام الحزب الشيوعي، ومع نائب أمين عام حزب الحرية (حزب رئيسة الجمهورية) ومع نائب رئيس حزب مؤتمر العمال السيلاني، وهو أكبر تجمع عمالي.
يذكر أن معظم أعضاء هذا الحزب هم من التاميل العاملين أساساً في مزارع الشاي التي أسسها الإنجليز في الجزيرة منذ مطالع القرن التاسع عشر.
ولم أتمكن من لقاء قادة حزب جبهة التحرير الشعبية اليساري المعارض. ولم أتمكن من لقاء قادة الحزب الوطني الاتحادي أكبر أحزاب المعارضة لصعوبة الاتصال ولضيق الوقت. وبدا لي بوضوح، رغم كل الاختلافات القائمة في الشروط التاريخية بيننا كعرب، وبين الشعب السريلانكي، كم نحن بحاجة إلى أن نعرف مشاكل ذلك البلد والبلدان المجاورة، وكم نحن بحاجة إلى علاقة مع شعوب تلك البلدان، التي تواجه تحديات شبيهة بما نواجهه نحن من تحديات، رغم الاختلاف في طبيعة كل من أوضاعنا.
إن عالمنا المعاصر كبير وواسع. لكنه يصبح، بمعنى مختلف عن المعنى الرأسمالي المتوحش للقرية الكونية، عالماً صغيراً، قريبة فيه لبعضها الشعوب الطامحة إلى الحرية والتقدم والسلم والعدالة الاجتماعية. إن شكلاً جديداً متلائماً مع العصر وتطوراته وإنجازاته، شكلاً جديداً من العلاقات الكفاحية المستقبلية، لا بد أن يقوم بين الشعوب والأمم والحركات الوطنية، في شتى أنحاء العالم، دفاعاً عن الحياة وعن الإنسان وعن الطبيعة، في مواجهة عولمة الرأسمال المتوحش، الفالت من عقاله، التي في ظلها يجري تدمير منظم للبشر وللطبيعة وللحياة، على كوكبنا، وربما على الكواكب الأخرى التي يجري اكتشافها في أعظم إنجاز علمي يشهده تاريخ البشرية.
لا بد في نهاية هذه الجولة في عالم تلك الجزيرة الساحرة، أن نتوقف عند المشكلة القومية المستعصية على الحل، مشكلة التاميل. فما هي جذور هذه المسألة؟ ومن هم هؤلاء الذين تحفل بأخبار نشاطهم المسلح وسائل الإعلام العالمية؟
لقد أشرت في سياق هذه الانطباعات إلى أن التاميل في سريلانكا يشكلون 16 في المئة من سكان الجزيرة. ومكان وجودهم الرئيسي هو المنطقة الشمالية الشرقية الموازية لولاية مدراس الهندية. إلا أنهم، مع ذلك، ينتشرون في سائر أنحاء الجزيرة، وسط القومية السنهالية الأكبر. أما ديانتهم فهي بوذية وإسلامية ومسيحية. لكن منشأهم الأساسي هو جنوب الهند، رغم أن وجودهم في الجزيرة قديم جداً، كما يؤكد التاميلي نائب رئيس حزب المؤتمر العمالي السيلاني. والمسألة التاميلية موجودة في الهند قبل سريلانكا.
وتخصص أبناء هذه الإثنية، منذ القرن التاسع عشر، في ظل الاحتلال الإنجليزي، في العمل داخل مزارع الشاي، التي أصبحت، من الناحية العملية، حتى الآن، المركز الرئيسي لتجمعهم ولعملهم ولنشاطهم الاقتصادي. غير أن مطامحهم في الاستقلال وفي الانفصال هي هندية في تاريخها، لكنها انتقلت، فيما بعد بكل حدتها، في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر إلى سريلانكا. ويقال إن راجيف غاندي، الذي عارض فكرة استقلال مدراس ذات الأكثرية التاميلية قتل على يد المتطرفين التاميليين.
كما يقال إن زوج الرئيسة بندرانايكا قتل هو الآخر على يدهم، بسبب الحرب القائمة بين الحكومة وبين نمور التاميل. وتولت حركة نمور التاميل، مع الوقت، مهمة النضال من أجل الاستقلال، بكل الوسائل، بما في ذلك بالسلاح، وبالعنف الذي لا حدود له ولأشكاله ولاستهدافاته. وتمكنت الحكومة السريلانكية، بالتعاون العسكري في فترة معينة مع الحكومة الهندية، من القضاء على البنية التحتية لهذه الحركة.
فانكفأت إلى الأدغال الكثيفة. وحولت نشاطها إلى زرع عبوات ناسفة، حيث أمكن، وإلى اغتيالات، حيث طالت يد عناصرها العديد من خصومها المنتشرين في المدن. وقد أثارت هذه الأعمال الرعب إلى الحد الذي جعل المواطنين في العاصمة كولومبو يلجأون إلى منازلهم مع غروب الشمس. فتخلو الشوارع من الحركة، وتبدو المدينة في حالة سبات، يشبه الموت.
حاولت أن أعرف مصدر هذا الإلحاح على الاستقلال عند ثوار التاميل، وبهذا الشكل، وبهذه الطريقة من التطرف والتدمير. وحاولت أن أعرف مدى التضامن الشعبي مع هذا المطلب القومي. وطرحت الكثير من الأسئلة حول الإمكانيات الحقيقية للوصول إلى حلول سلمية لتلك المسألة. وتبين لي، من مجمل الأحاديث والنقاشات التي أجريتها، لا سيما مع نائب رئيس حزب المؤتمر العمالي، أن التاميليين حريصون على أن يتمتعوا بحقوقهم القومية، وأن يحافظوا على شخصيتهم المستقلة، وأن يكون لهم موقع في الجزيرة كأحد مكوناتها، على قاعدة هذه الحقوق وهذه الخصوصيات.
لكنهم ليسوا جميعهم من أنصار العنف. وليسوا جميعهم من أنصار الاستقلال والانفصال. وهم، جميعهم مستعدون في نهاية المطاف للقبول بصيغ تضمن لهم حقوقهم في إطار وحدة الجزيرة. وإذا كان ثمة تعاطف من التاميليين في الوقت الحاضر مع نمور التاميل فلأن الحل تأخر، وأن آلياته غير متوفرة، وأن عناصر هذا الحل المحتمل، رغم الإقرار المبدئي به من قبل الحكومة الائتلافية، غير واضحة وغير محددة، ولأن هؤلاء النمور، بنظر التاميليين، يكافحون ويضحون، ويستحقون العطف مقابل هذا النضال وهذه التضحيات، حتى ولو لم يجر التبني لوسائل نضالهم.
تلك هي بعض الانطباعات التي تولدت لديّ من زيارتي الثانية لتلك الجزيرة الساحرة، الزيارة التي كانت قد سبقتها زيارتي الأولى قبل 36 عاماً. ولقد أحسست في الزيارتين كما لو أنني أدور حول كوكب الأرض. هذه الانطباعات التي أنقلها متأخراً إلى القراء العرب تظل، برغم مرور الزمن، تستعصي على النسيان.
4 عقود والحال لم تتغير
انطباعاتي التي تولدت من الزيارة الثانية إلى سريلانكا في العام 1994 أن البلاد لم تتقدم كثيراً. بل لعلها راوحت مكانها، خلال تلك العقود الأربعة التي تفصل بين زيارتي الأولى والثانية. وعطلت تطورها، إلى حد معين، الصراعات السياسية والإثنية.
إلا أن ثمة أسباباً أخرى لهذا التخلف، لعلها الأهم في نظر بعض آخر، لا بد من اكتشافها. وهي أسباب لا تنحصر في سريلانكا وحسب. بل هي موجودة في بلدان أخرى مشابهة لها في الواقع وفي مستوى التطور، ومشابهة لها في التوجه الإيديولوجي للتغيير، إذا صح التعبير، في بلداننا العربية، وفي بلدان أخرى من عالمنا الثالث!
ورغم أن سريلانكا لم تسلك الطريق الذي سلكته بلداننا، طريق الاستبداد بكل صيغه، إلا أن عجزها عن حل معضلاتها القومية والاقتصادية جعلها تقع في ما وقعت فيه بلداننا من تخلف. لقد تعاقبت على الحكم في سريلانكا عائلة بندرانايكا أكثر من مرة. وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 1994 انتخبت ابنة الرئيس الراحل باندرانايكا رئيسة للجمهورية. والجدير بالذكر أن أهل الجزيرة يشاركون بكثافة في الانتخابات تصل أحياناً إلى حدود 80 في المئة من الناخبين.

