تحاول روسيا في مختلف تحركاتها ونشاطاتها على الساحة الدولية التأكيد على مبدأ «تعددية الأقطاب» في المنظومة العالمية، وذلك بمواجهة مبدأ «أحادية القطب» الذي ينادي به المحافظون الأميركيون الجدد والذي لم ير به الرئيس الروسي السابق، ورئيس الوزراء الروسي الحالي، سوى التأكيد على وجود مركز واحد للسلطة ومركز واحد للقوة ومركز واحد للقرار، وفي كل الحالات يعود هذا المركز للولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.
وما يعيبه الروس على الأميركيين اليوم هو الإفراط في استخدام القوة من أجل تسيير قضايا العالم ومن دون الاهتمام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي. ومن هنا كان التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات الروسية - الأميركية في الحقبة ما بعد السوفييتية، باستثناء بعض الفترات القصيرة في عهد يلتسين وبداية عهد بوتين. وكانت الحرب الأميركية على العراق عام 2003 المنعطف الكبير في العلاقات الروسية-الأميركية والذي تزامن مع استعادة روسيا لصحتها «الاقتصادية» ونهاية العقدة الروسية حيال الولايات المتحدة، حيث بدأت روسيا بتبني مواقف مناهضة للسياسات الأميركية حيال العديد من الملفات الرئيسية مثل الشرق الأوسط والدرع الصاروخي المضاد للصواريخ وتوسيع حلف شمال الأطلسي واستقلال كوسوفو.
في فبراير 2007، وبمناسبة انعقاد مؤتمر ميونيخ حول السياسة الأمنية، ألقى فلاديمير بوتين خطابا شديد اللهجة حيال الولايات المتحدة الأميركية. وقد تساءل فيه: ماذا يعني إذن أن يكون هناك عالم وحيد القطب؟ وأضاف في معرض الإجابة: لقد جرت محاولات كثيرة لتجميل هذا التعبير، ولكنه لا يعني في نهاية المطاف سوى شيئ واحد، هو وجود مركز واحد للسلطة ومركز واحد للقوة ومركز واحد للقرار.
البعض رأى في هذا الخطاب، كما تشير إيزابيل فاكون، كاتبة هذه المساهمة، نوعا من «الوصية السياسية في ميدان السياسة الخارجية» للرئيس بوتين وبالتالي حدد الخطوط العريضة للمسار الدولي الروسي في الفترة اللاحقة. ولقد شدد الرئيس الروسي في خطابه على «التعددية القطبية» وقد عبأ بذلك جميع أولئك الذين يتمسكون بهذه التعددية وينتقدون السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة، كما يشجبون «اللجوء المفرط إلى القوة في تسيير القضايا الدولية» و«احتقار المبادئ الأساسية للقانون الدولي».
وفي الوقت نفسه أعرب المعلقون في الصحافة الروسية عن أسفهم لكون «العلاقات الروسية - الأميركية في أسوأ حالاتها خلال العشرين سنة الأخيرة»، ذلك أن السمة الغالبة عليها اليوم هي غياب الثقة المتبادلة. ووصل التدهور في العلاقات إلى حد إعلان رئيس مجلس الأمن القومي الروسي آنذاك «ايغور ايفانوف» أنه ليس هناك خطر قيام حرب باردة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة.
وفي واشنطن لم تكن التحليلات أكثر تفاؤلا. وتنقل الكاتبة عن المستشار الخاص السابق لوزير الخارجية الأميركية فيما يتعلق بالسياسة حيال دول الاتحاد السوفييتي السابق ستيفن سيستانوفيتش قوله: بالقياس إلى خمس سنوات خلت، تعرف العلاقات الروسية-الأميركية درجة أقل من الثقة المتبادلة، ومن التعاون.
وعموما يتم التأكيد على أنه منذ مطلع سنوات التسعينات كان التوتر هو السمة الغالبة في العلاقات الروسية-الأميركية إلا في بعض الفترات النادرة. وكانت تلك التوترات تترجم على الجانب الروسي صعوبة أن تقبل موسكو الزوال النهائي لثنائي القوتين العظميين الروسية والأميركية رغم الفرق الواضح الكبير بين القوتين.
ويرى الروس أن الولايات المتحدة قد قللت كثيرا من أهمية التنازلات التي قدمتها بلادهم منذ نهاية عقد الثمانينات، في ظل حكم ميخائيل غورباتشوف، ولم تر بها سوى مجرد تعبير عن الضعف وكـ «تنفيذ لشروط الاستسلام». وتنقل الكاتبة عن أحد المعلقين الروس قوله: إن مثالية فترة الإصلاح - البريسترويكا- والسنوات الأولى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ولّدت الوهم حول إمكانية قيام شراكة إستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، وأي هدف خادع يثير آمالا لا تقوم على أساس، كما يثير شكوكا، وبالنتيجة خيبة الأمل وفقدان الثقة.
وخلال عقد التسعينات كانت الولايات المتحدة مأخوذة برهانات أخرى مثل الصعود القوي للصين وبالتالي لم تولِ أهمية كبيرة لما كانت تنتظره روسيا منها فيما يخص المحافظة على علاقات ثنائية خاصة. وفي نهاية سنوات حكم بوتين ساد جو الأزمة بالأحرى بسبب محاولة الولايات المتحدة صياغة المجال الدولي تبعا لمصالحها ولقيمها. هذه المقاربة اعترضت عليها موسكو لاسيما بعد أن اكتسبت استقلالية أكبر على الصعيد الدبلوماسي بعد أن استعادت عافيتها الاقتصادية، وما ترتب على هذا من نتائج على الصعيد العسكري.
في البداية كان بوتين بحكم شبابه أقل تأثرا بفترة الحرب الباردة من مسؤولين روس آخرين مثل يلتسين وبريماكوف، ولذلك كان واقعا بدرجة أقل أيضا تحت تأثير ثقل «الحنين» إلى فترة سيادة الثنائي الروسي-الأميركي على الصعيد العالمي. هكذا حاول تعزيز العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة واستخلاص أكبر الفوائد من ذلك، مع أخذه بعين الاعتبار ميزان القوى «الواقعي» الراجح للكفّة الأميركية بوضوح.
وفي هذا السياق اقترح بوتين عام 2000 تقليص الأسلحة الإستراتيجية لموسكو وواشنطن إلى 1500 رأس بل وإلى أقل من ذلك، وأغلق في عام 2002 القواعد العسكرية التي كانت روسيا تحتفظ بها في كل من فيتنام وكوبا. وقد بدا ذلك بمثابة مؤشر على رغبة التخلص من رموز ماضية عرفتها العلاقات الثنائية أثناء فترة الحرب الباردة، وفتح الباب أمام علاقات متبادلة جديدة.
وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 مناسبة كبيرة لبوتين الذي أراد التأكيد على أن زمن المنافسات الجيوسياسية العقيمة مع واشنطن قد ولّى وانقضى. وقبل في ذلك السياق بنشر قوات حلف الأطلسي في آسيا الوسطى، بل وسمح بمرور الطائرات العسكرية الأميركية في الأجواء الروسية وأعطى الأوامر للشروع بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الأميركية حول كل ما يتعلق بالمنظمات الإرهابية وبالحركات المتشددة. وبتاريخ 13 نوفمبر 2001 أصدر الرئيسان بوش وبوتين تصريحا مشتركا حول «العلاقة الأميركية-الروسية الجديدة». وتعزز ذلك بتصريح آخر عام 2002 عند زيارة الرئيس الأميركي لروسيا نص على قيام «علاقة إستراتيجية جديدة».
في مثل ذلك السياق قامت الحرب الأميركية ضد العراق في ربيع عام 2003، دون أخذ آراء الآخرين، بما فيهم روسيا، بعين الاعتبار. ولا تتردد الكاتبة في القول أن ذلك شكّل منعطفا كبيرا، بل المنعطف الأساسي، إذ أعاد بقوّة إلى الأذهان عملية التدخل الأطلسي (الأميركي) في يوغوسلافيا السابقة عام 1999. لقد قرأت روسيا في الحالتين، اليوغوسلافية والعراقية، تشكيك واشنطن بمصداقية مجلس الأمن الدولي ولا مبالاتها بمصالح وآراء موسكو، كما قرأت فيه دليلا واضحا على الميل المقلق جدا لدى واشنطن باللجوء إلى القوة العسكرية من أجل حل المشاكل الدولية.
بعد حرب العراق عام 2003 ومحاولة الولايات المتحدة تعزيز مواقعها في آسيا الوسطى ودعمها لاوكرانيا وجورجيا من أجل الانضمام إلى حلف الأطلسي، دخلت السياسة الروسية حيال أميركا دورة جديدة من مقاومة «القوة العظمى الوحيدة». وكانت روسيا تمتلك، اقتصاديا، إمكانيات القيام بمعارضة فعالة.
حاولت روسيا أولا تأكيد استقلالها الدبلوماسي خاصة في مواجهة الشريك الذي استفاد بنظرها من مرحلة الضعف العابر التي مرّت بها. هكذا تبنّى الكرملين بإيقاع أكبر وبشكل ظاهر أكثر فأكثر مواقف مناهضة للمواقف الأميركية في القضايا الكبرى للسياسة الدولية مثل مستقبل كوسوفو أو قضايا الشرق الأوسط أو شبكات الدفاع المضادة للصواريخ. بل وبدا الكرملين وكأنه يعترض على كل ما يدل عن محاولة واشنطن صياغة المجال الدولي بصورة تخدم مصالحها.
كذلك أظهرت موسكو أنها لم تعد تريد أيضا الرضوخ أمام الضغوط الأميركية في مجال تجارة الأسلحة. هكذا لم تتردد تحت حجة عدم وجود أي قرار بحظر دولي، في بيع أسلحة لبلدان تعتبرها واشنطن «مارقة» مثل سورية وإيران وفنزويلا. وفي مواجهة الاتهامات الموجهة للكرملين بنشر التكنولوجيا الحساسة، بنظر واشنطن، قامت موسكو بشجب المساهمة غير المباشرة وإنما ليست الأقل أهمية، التي تقوم بها الولايات المتحدة في إعطاء القوة العسكرية دورا أكبر في الحياة الدولية. ويُنقل عن فلاديمير بوتين قوله: إن هيمنة عامل القوة سوف يدفع دولاً أخرى بالتأكيد إلى تأمل إمكانية التزود بأسلحة الدمار الشامل.
وبهذا المعنى أيضا بررت موسكو سياستها النشيطة في مجال صادرات الأسلحة عبر وصفها كمكون «مهم من سياستها الخارجية، خاصة على ضوء محاولات فرض أهمية متعاظمة للقوة العسكرية في العلاقات الدولية. هكذا يصبح من حق الدول تعزيز قوتها العسكرية من أجل الدفاع عن سيادتها كـ «حق مشروع يضمنه البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة».
وفي الوقت الذي تستعيد فيه روسيا قوتها أخذت تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها في «موقف ضعيف» نظرا للأوضاع القائمة في أفغانستان وفي العراق وأيضا بنظرة أشمل بسبب النقص في مصداقيتها على المسرح الدولي في نهاية الفترتين الرئاسيتين لجورج دبليو بوش. ويتم التأكيد هنا على أن الخبراء وأصحاب القرار الروس يلتقون جميعهم حول فكرة أن تهافت الدور الجيوسياسي للولايات المتحدة الأميركية لا يمكن تجنبه. وإذا كان هؤلاء لا يتمنّون جميعهم مثل هذا التطور وإذا كانوا يختلفون في التحليل حول النتائج المترتبة عليه، فإنهم بالمقابل يتفقون على أن أسبابه تكمن في التصرف الأميركي من جانب واحد وفي الجنوح نحو القوة العسكرية لدى واشنطن.
إن موسكو لا يبدو أنها تطمح إلى «اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها»، ولكنها تسعى من أجل الحد من «بصماتها» على الحياة الدولية. إنها تريد التأكيد على «تعددية الأقطاب» في العلاقات الدولية والاعتراض على «الإستراتيجية الأميركية الشاملة» التي تبنّاها المحافظون الأميركيون الجدد باسم «الانتصار في الحرب الباردة» وصحة وكونية «نموذجهم الليبرالي-الديمقراطي».
ويرى الكرملين أن المنطق السائد سيؤدي إلى تعميق الهوة بين روسيا والولايات المتحدة في الميدان العسكري والإستراتيجي. ولذلك ينوي القادة الروس جلب واشنطن إلى طاولة المفاوضات حول الأسلحة الإستراتيجية. وكان بوتين قد أعلن في مؤتمر ميونيخ حول الأمن في عام 2007 عن نيته تقديم مشروع لمعاهدة حول الوقاية من نشر الأسلحة في الفضاء.
مع ذلك، ورغم التوترات والمنافسات الحادة استمر التعاون الروسي-الأميركي لاسيما في مجال انتشار الأسلحة النووية ومكافحة الإرهاب. وكانت مجموعة العمل الروسي-الأميركي المشترك قد عقدت منذ تأسيسها عام 2002 وحتى مطلع عام 2007 خمسة عشر اجتماعا.
في العمق عرفت روسيا والولايات المتحدة ممارسة طويلة الأمد لعلاقات التعاون في إطار النزاع. وهذا ما كان عليه الوضع أيضا أثناء فترة الحرب الباردة حيث كانت القوتان العظميان الروسية والأميركية تقومان - كمتنافستين وإنما معا - بتسيير أمور العالم. هنا تكمن المفارقة إذ عبر تسيير التباينات والنزاعات هناك إطار «غير رسمي» يؤمّن قدرا من الاستقرار في العلاقات الثنائية بين البلدين. وفي إطار مفهوم «تعددية الأقطاب» الذي تدعو له روسيا تبدو واشنطن بمثابة الشريك «الثابت» الوحيد لروسيا الصاعدة.
وإذا كانت روسيا تُبدي ابتهاجها لبروز قوى سياسية واقتصادية جديدة يمكنها أن تساهم في إقامة نظام دولي متعدد الأطراف وديمقراطي فإن ذلك يثير قلقها أيضا. هذا لاسيما وأن «تطور» هذه القوى الجديدة، وعلى رأسها الصين، لا يزال «غامضا» حيالها. ويتم التأكيد هنا على أن أشكالا من القلق حيال تطورها ليست بعيدة عن الاهتمام الروسي الواضح في عدم دفع المواجهة مع الولايات المتحدة بعيدا. مثل هذا الاهتمام يبدو بدوره عبر تنظيم «لقاءات» بين قادة البلدين أثناء الأزمات.
إضاءة
«يبرد الغرب عندما ترتفع حرارة موسكو» عبارة تعكس إمساك روسيا بملف بالغ الخطورة بالنسبة لدول كثيرة في أوروبا من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والمجر وأوكرانيا فهذه الدول تعتمد على موسكو في نحو ربع وارداتها من الغاز الطبيعي بالغ الضرورة في الحياة اليومية.
وحول هذا الملف تدور المعارك الكلامية الناعمة أحياناً والخشنة أحياناً أخرى بين موسكو وواشنطن فبينما ترى واشنطن أن موسكو تستخدمه في ابتزاز وتأديب الدول التي تحاول الإفلات من فلكها مثلما حدث مع أوكرانيا سابقاً وجورجيا حالياً تنفي روسيا ذلك بشدة لكنها تقول إنها ليست مضطرة إلى مساعدة أصدقاء الأمس خصوم اليوم في مساعيهم للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي غريم روسيا الذي يتطلع بقوة إلى الالتصاق بخاصرتها.
ملفات عديدة إلى جانب الطاقة وتوسع حلف شمال الأطلسي والدرع الصاروخي المضاد للصواريخ شكّلت محاور لصراع يرى مراقبون أنه النسخة الصامتة من الحرب الباردة، فالخلاف الروسي مع الولايات المتحدة حول الملف العراقي قبل شن الحرب وبعدها معروف، وهو الخلاف الذي نجحت من خلاله موسكو في توظيف التقاء مصالحها مع اثنين من أعمدة المعسكر الغربي لتؤسس حلفاً ضم ألمانيا وفرنسا ووقف في وجه واشنطن ولندن حتى جرد حربهما من الشرعية الدولية.
الصفحات: 215 (وسط)
الكتاب: موسكو والعالم
عرض ومناقشة : محمد مخلوف
الناشر: أوترومون ـ باريس ـ 2008


