مع موت الشاعر الفلسطيني محمود درويش فتحت ينابيع جوفية كثيرة لعدد من أساطين الثقافة في إسرائيل. وهؤلاء رثوه وسيرثونه بعد مع خروج ملحق السبت الذي سيخصص لذكره. كان محمود درويش شاعراً جيداً. تثير بعض أشعاره فيّ القشعريرة. ربما لو كنت في وقت آخر وواقع آخر لكنت أعجبت بشعره كثيراً أيضاً. لكن محمود درويش كان عدواً ألد أيضاً.

برهن شعره ألف مرة على ما نعرفه ههنا منذ وقت لكنه لم يتغلغل إلى وعي الإسرائيليين. وهو أن النزاع بيننا وبين عرب المنطقة على اختلافهم هو نزاع بين أسطورتين، ولن تعقد أي محادثات سلام عقلانية الجسور فوق الهوة العميقة بين الشعبين. هذا هو أيضاً سبب هوة الكراهية والاشمئزاز العميقة بين اليسار الإسرائيلي وسائر مواطني إسرائيل. فقد أصبح اليسار الذي يحتضن أشعار درويش ويراه حقيقة أصيلة في مقابلة الأدب العبري «المنقطع» عن الواقع، منذ وقت يميناً فلسطينياً ـ يهودياً.

ومع ذلك، وبخلاف الضجة التي ثارت مع اقتراح يوسي سريد عندما كان وزيراً للتربية إدخال شيء من شعر درويش في الخطة الدراسية، ينبغي لكل إسرائيلي أن يعرف درويشاً. ربما لو أدركنا فقط عمق الهوة بيننا، لاستطعنا أن نعود ونتحدث بلغة الأساطير القديمة لهذه الأرض، التي سكنها آباؤنا اليهود وأحبوها، وتمرغوا في ترابها، وطردوا منها وعادوا إليها، وعادوا إليها مرة أخرى وطردوا منها، وفي خلال ذلك أقاموا فيها هيكلاً ومملكة ومنحوا العالم سفر الأسفار، ولم يكفوا عن الشوق إليها في شتاتهم، إلى أن عادوا إليها، إلى أرض خراب انتظرت بنيها سنين طوالاً.

ومثل أم حفظت حليبها من أجل ابنها فقط بدأت هذه الأرض تزهر ليهودها العائدين، وجميع المحاولات لإنشاء تاريخ بديل ههنا ولتصويرنا كمهاجرين هي ثمرة تركة مثقفين مثل درويش. في قصيدة «زمن حصار» التي كتبها درويش زمن حصار عرفات في رام الله في فترة العمليات الكبيرة، عندما فجر شبان فلسطين أنفسهم في حافلات إسرائيلية أو في صفوف النوادي بل في مراكز شراء يقول درويش ما معناه: «ان الشهيد يبين لي انني لم أبحث وراء الأفق عن عذارى الخلود.

لقد أحببت حياتي على الأرض بين الصنوبر والتين لكن الطريق إلى حياتي كانت مسدودة وبحثت عنها بالشيء الوحيد الذي كنت أملكه وهو الدم في جسم اللازورد». يرى درويش أن «الفدائيين المسلمين فعلوا ذلك يائسين لأن طريق حياتهم كانت مسدودة».

هذه هي الرواية الواهنة لكثرة استعمالها التي يسوقها اليسار المتطرف هنا في إسرائيل وفي العالم كله. فالفلسطينيون هم يسوع أيامنا، الضحية الخالدة. هكذا أرادوا أن نعتقد فيهم. يجعل درويش بشعره القتل المتعمد لمواطنين أبرياء مسألة جمالية وبحثاً عن «الدم في جسم اللازورد». أتقل هذه الكلمات فتكاً عن خطبة واعظ قوماني في مسجد فلسطيني؟

بقلم: درور ايدار: (إسرائيل اليوم)