خلال مراسم التأبين الرسمية لشاعر فلسطين الكبير محمود درويش في مقر المقاطعة في رام الله، دعا الشاعر الفلسطيني البارز سميح القاسم الراحل بأن يسامح الفلسطينيين على ضعفهم، ملقيا كلمة أشبه بجلد الذات، هاجم فيها الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومتسائلا بحزن وحرق.. من أين لنا يا محمود أن تتجلى فلسطين في فلسطين؟
وقال القاسم في كلمته «إنه كان لجثمان درويش أن يطلب الراحة الأبدية في مقبرة البروة الجليلة، لكن المستوطنين يصرون على تحويل مقبرة أجداده إلى حظيرة لمواشيهم. إنهم ينتقمون لأسلحتهم عن مواجهة قصيدتك، لكل البشر لكل الشعوب تحت رايات الحرية والسلام والإبداع». وأضاف: «ولأنك مسكون بالحنين إلى خبز أمك وقهوة أمك، فإنهم مسكونون بهاجس العبثية والزوال، ولأنك مفعم بحب شجرة الخروب التي على الطريق بين البروة وعكا، فإنهم ملغمون بالكراهية وشهوة التدمير والتدمير الذاتي، لأنهم لا يحبون الحياة والسلام بقدر ما تحب أشجار الخروب والسنديان في وطنك».
وقال: «إن البروة ورام الله والقدس ونابلس إنما تشكل أطرافا متكاملة في معادلة الوطن الواحد، أما بشأن الدولة فالأيام دول، والدول دول، ولا يبقى إلى وجه ربك. لنا أن نعتز بالانتماء إلى شعب لا يتقاسم أرغفة الحصار فحسب، بل يتقاسم قبور الشهداء والشعراء، دليلا على أنه شعب حضارة، لم يكن في حضارته وقصيدته ومقاومته شعب إرهاب كما يدعي شهود الزور والإرهاب من هواة العنصرية والعدوان».
وأضاف مخاطبا روح رفيق دربه الراحل درويش: «يا أخا لم تلده أمي لك أن تتجاذب أطراف الحديث مع رائد مسيرة الحرية الشهيد ياسر عرفات وتتبادل وجهات النظر مع رفاق درب أبو عمار، لكن صديقا ورفيقا طيبا كان يتمنى اختراق الحالة السريالية الراهنة، لمشاطرتك الحلم والأمل المشترك، إنه شهيد غربة وابن غزة معين بسيسو، يا شهيد غربة وابن البروة محمود درويش.
لا يستطيع معين، بسبب ما هو قائم هناك، عبور خط النار العبثية إلى رام الله، مثلما لا تستطيع أنت عبور خط النار العبثية إلى غزة، القدس قريبة بعيدة، وغزة». وتابع: «وإذا كانت غزة بفعل هؤلاء غير قادرة على الحلول في رام الله، ورام الله غير قادرة على التجسد في غزة، فمن أين لنا يا محمود أن تتجلى فلسطين في فلسطين؟».
وقال القاسم: ليس على الشعب الواحد أن يعيش بفكر واحد وأن يموت بنهج واحد، إن لم نكن شعبا واحدا، هل عدنا إلى الجاهلية؟ هل مسخنا قبائل تتخلى عن قيمها؟، سامحنا على ضعفنا. سوف تتشبث حتى الموت باليقين بأن شعبنا العربي قدم المنسوب الأعلى من دماء الشهداء، وهذا الشعب الصغير الكبير المدهش بقوة حياته وحيويته، يتقن فن إدارة المفاوضات، ويتقن فن إدارة الانتفاضات أيضا».
أما أحمد درويش شقيق الشاعر الراحل، فقال: «ها قد عاد إلى ثراكم، عاد أخوكم وصديقكم وزميلكم ورفيق دربكم إلى هذا المكان الرمز، عاد إليكم لغة وفكرا ونهجا وترابا، ومن أحق منكم وفاءً لهذه الأمانة، ومن أحق من هذا المكان القريب من القدس، وجار مثوى القائد الرمز المرحوم ياسر عرفات».
نبذة
ولد درويش في أراض هي الآن ضمن الأراضي الإسرائيلية وسجنته إسرائيل عدة مرات لنشاطه السياسي. وسافر درويش سنة 1971 للاتحاد السوفييتي السابق ثم تبعتها سنوات منفى قضاها في القاهرة وبيروت وتونس وباريس. وخلال سنواته في الخارج وصل إلى موقع مرموق في منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات وعاد إلى الضفة في التسعينات.
ثم استقال من المنظمة عام 1993 بعد وقت قصير من توقيع عرفات وإسرائيل اتفاقات أوسلو المؤقتة. ويقول أصدقاء درويش انه عارض أوسلو لأنها لا ترقى إلى مطالب الفلسطينيين بتحرير أرضهم. وأقيم ضريح درويش على ربوة قريبة من المكان الذي ألقى فيه آخر قصائده الجديدة «لاعب النرد» و«محطة قطار سقط عن الخريطة» في يوليو الماضي.
(رويترز)

