حول الفلسطينيون جنازة شاعرهم الوطني الكبير محمود درويش (67 عاما) الذي تبنى قضيتهم في قصائده وعبر عن طموحاتهم الوطنية إلى ما يشبه الجنازة الرسمية في مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة أمس، وشيعوا الرجل الذي عبر عن الشتات والمقاومة والثورة، في جنازة وطنية عارمة.

وصل جثمان الشاعر الفلسطيني إلى رام الله حيث كان في استقباله آلاف المشيعين بعدما نقلته مروحية من الأردن قادما من الولايات المتحدة. وكان درويش قد توفي يوم السبت نتيجة مضاعفات عقب جراحة في القلب أجريت له بمستشفى في هيوستون بولاية تكساس الأميركية.

وكان في استقبال نعش درويش المغطى بالورد والعلم الفلسطيني الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعشرات من المسؤولين وكبار الشخصيات لدى وصوله إلى المقر الرئاسي في رام الله. وحمل ثمانية أفراد النعش من المروحية عبر الساحة بينما عزفت الموسيقى العسكرية. اثر ذلك وفي موكب جنائزي رسمي وشعبي مهيب، صعد سيل من البشر قدر بمئات الآلاف إلى قصر الثقافة أعلى مناطق رام الله، مودعين فقيد فلسطين الشاعر الكبير.

واصطف مئات الفلسطينيين على جنبات الطريق، من المقاطعة حتى قصر الثقافة، محزونون ليلقوا النظرة الأخيرة على جثمانه قبل أن يوارى الثرى، على تلة قرب قصر الثقافة، تطل على مدينة القدس التي عشقها، بعدما أطلق الحرس الرئاسي الرصاص الوداعي.

وانتظر عشرات الآلاف قرب قصر الثقافة وصول الجثمان، بينهم وفود من الجولان العربي المحتل رفعت الأعلام السورية، فيما التحم الفلسطينيون من الضفة ومن القدس ومن أراضي 1948 تحت ظلال العلم الفلسطيني الواحد. حضور رسمي تجلى بممثلي المؤسسات الرسمية والأهلية الفلسطينية من كل الوطن، وشخصيات سياسية وثقافية ودينية، مثلت كل ألوان الطيف الفلسطيني، تجسيدا للوحدة التي دعا لها الشاعر الكبير محمود درويش في حياته.

ملفوفا بالعلم الفلسطيني، ترجل جثمان درويش من العربة العسكرية، ليطل من على التل على مدينة القدس، محمولا على الأكف، وسط حضور جماهيري كبير، هو الأكبر حجما منذ تشييع الشهيد القائد الراحل ياسر عرفات. ومصحوبا بالموسيقى الجنائزية، ووسط هتافات آلاف الحناجر، سار الجثمان باتجاه مثواه الأخير، ووري درويش الثرى. وقالت النائب الفلسطينية حنان عشراوي ان «هذه خسارة للصوت الفلسطيني والرؤية الفلسطينية وان الفلسطينيين كانوا يشعرون انه مادام هناك (محمود درويش) سيبقى الخير والأمل وإمكانية الخلاص».

وقال رجل الأعمال الفلسطيني محمد سقف الحيط وهو يقف في الموقع الذي سيدفن فيه درويش «انه لم يمت لانه خلف وراءه إرثا من الشعر انه باق في قلوبنا». إلى ذلك، ينظم منتدى الأمة للتنمية، مساء اليوم الخميس «أمسية شموع» في ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة، لمناسبة رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

وقال المنتدى في بيان له أمس إن «أمسية شموع تأتي تضامنا مع الراحل الكبير محمود درويش، خاصة أن درويش قدم الكثير لهذا الوطن، ومن حقه علينا أن نقدم له على الأقل هذه الوقفة، التي يقودها العديد من الأطفال والشخصيات الثقافية والسياسية في غزة». وأوضح المنتدى، أن «التجمع سيكون الساعة الثامنة مساء في ساحة الجندي المجهول، داعيا المواطنين ومحبي درويش لحضور الأمسية».

في هذه الأثناء استقبلت سفارات فلسطين في الخارج وفودا أجنبية وعربية صديقة جاءت للتعزية برحيل الشاعر الكبير محمود درويش.فقد فتحت سفارة دولة فلسطين في قطر أبوابها لاستقبال جموع المعزين كما فتحت سجلاً للتعازي، حيث توافد أبناء الجالية الفلسطينية في الدوحة على مبنى السفارة، وأمّها السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي في الدوحة على مدار اليومين الماضيين.

وتقدم السفير منير غنام يتقدم أسرة السفارة في استقبال المعزين الذين أشادوا بالدور المميز الذي لعبه شعر محمود درويش في حمل قضية شعبه إلى كل أمم الأرض. وأجمع المعزون على وصف الفقيد الكبير بأنه إرث ثقافي أنساني وأن غيابه شكل خسارة كبيرة للأدب والثقافة العالميين.

كما أم سفارة فلسطين في كل من جمهورية سيرلانكا والمالديف وفودا شعبية ورسمية ودبلوماسية للتعزية بالشاعر الكبير محمود درويش. وقال د.أنور الأغا سفير دولة فلسطين لدى سيرلانكا والمالديف خلال حديثه في بيت العزاء الذي أقامته السفارة إن «الشاعر درويش استطاع بشعره أن يجسد القضية الفلسطينية في نفوس وعيون ملايين الناس حول العالم».

وأضاف «لقد لكان لشعره وحضوره الثقافي الإبداعي حضور في كل المحافل الدولية وساهم من خلاله في الحفاظ على القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية». وأشار الأغا إلى أن «رحيل الشاعر درويش يعد خسارة ثقافية وسياسية للشعب الفلسطيني وقضيته لكن إرثه الذي تركه لكل الفلسطينيين يمثل نورا يهتدي به ليواصل درب تحرره واستقلاله».

كما أقامت سفارة فلسطين في أوكرانيا بيت عزاء تخليدا لروح فقيد الشعب الفلسطيني الشاعر محمود درويش.وقد توافد إلى السفارة سفراء وممثلو السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى كييف، وكذلك أبناء الجالية الفلسطينية والعربية في أوكرانيا، لتقديم العزاء برحيل الشاعر درويش، وكان في استقبال المعزين د. خالد عريقات سفير فلسطين لدى أوكرانيا وطاقم السفارة.

وقام المعزون بتدوين كلمات التعازي الحارة، مشيدين بدور محمود درويش في إخراج القضية الفلسطينية من حيزها الجغرافي الفلسطيني إلى آفاق عربية وعالمية، وبالكلمة والشعر عبر عن معاناة الشعب الفلسطيني وتطلعاته للحرية والاستقلال.

حقائق

بدأت بلدية رام الله منذ يوم الاثنين في اعداد الموقع الذي أقيم فيه ضريح محمود درويش ودفن فيه الشاعر الفلسطيني الكبير على ربوة بجوار قصر ثقافة رام الله. وخلال ثلاثة أيام من الحداد الوطني على الشاعر الفلسطيني الكبير علقت صور درويش في شوارع رام الله إلى جانب مقولته الشهيرة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وكان درويش قد جعل من رام الله دارا له منذ عودته في التسعينات إلى الضفة بعد بقائه في المنفى سنوات طويلة.