طالب كتاب ومثقفون وأعضاء كنيست عرب، ومؤسسات سياسية وثقافية من عرب 1948 بدفن الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مسقط رأسه، قرية البروة القريبة من قرية الجديدة في الجليل الفلسطيني. وحمل المطالبون بتنظيم الجنازة في البروة مقطعا من قصيدة «جدارية» لدرويش، التي يتحدث فيها عن جنازته حيث ولد في قرية الجديدة الجليلية:

فيا مَوْتُ! انتظرني ريثما أُنهي تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ، حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء، من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين، وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه الزمان وجيشِهِ . سأقول: صُبُّوني بحرف النون، حيث تَعُبُّ روحي سورةُ الرحمن في القرآن. وامشوا صامتين معي على خطوات أَجدادي ووقع الناي في أَزلي.

وقالت شيرين يونس وهي إعلامية من الداخل: «هذه أفضل وصية لدرويش يطالب فيها بدفنه حيث ولد». وأبدت يونس غضبا من إصرار السلطة على دفن درويش في رام الله. وقالت: «ماذا تعني رام الله، أهي عاصمة الفلسطينيين؟». واعتبرت «أن السلطة تكرس مبدأ أن رام الله هي العاصمة وليست القدس».

وترى يونس أن القضية إنسانية بالدرجة الأولى، ودرويش له أسرة صغيرة أصبح من حقه أن يعود إليها بعدما ظل مهجرا عشرات السنين. وتابعت: «القضية خصوصية أيضا، وتخص عرب الداخل ولها دلالات كبيرة.. هذا اللاجئ «درويش» يجب ان يعود الى وطنه». وأعادت الكثير من المواقع الالكترونية في الداخل نشر لقاءات صحافية مع درويش يحكي فيها عن علاقته بحيفا ورام الله.

وأرادت هذه المواقع القول إن رام الله لا تعني شيئا لدرويش. ونشر موقع عرب 48 المعروف، لقاء لدرويش، قال فيه «رام الله بالنسبة لي مكان للزيارة، مكان للمشاركة في صَوْغ الهوية الوطنية، أمّا بالنسبة لي شخصيا فلا معنى خاص لها.. لم أعرفها من قبل وليست لي فيها ذاكرة، وليس لي فيها تاريخ، تعرّفت عليها منذ عشر سنوات فقط، وفي مثل هذا العمر لا أستطيع أن أبدع ذكريات وعلاقات حميمة مع المكان...

لقد عشتُ في حيفا عشر سنوات كاملة، وفي حيفا عرفت كل أنواع التجارب الأولى: تجربة الكتابة، تجربة النشر، تجربة العمل الصحافي، تجربة السجن، الاعتقال المنزلي والإقامة الجبرية.. في حيفا ترعرعت شخصيتي الشعرية والثقافية والسياسيّة، أيضا، وبالتالي أستطيع أن أعتبر أن أكثر مكان موجود في نصّي الشعري وفي تكويني الثقافي هو حيفا، بدون شك. صحيح أنني لم أولد في حيفا، وحيفا ليست مدينتي، لكنها مدينتي بالتبنّي؛ تبنيتُ حيفا مثلما احتضنتني هي كواحد من أبنائها».

ويتضح من عدة نشاطات وبيانات صدرت في الداخل الفلسطيني أنهم غير راضين عن دفن درويش في رام الله. وقالت إحدى منظمي الجنازة وتدعى فداء حمود «مع أنّ القرار الرسمي جاء لترتيب الجنازة في رام الله، إلا أنّ مبادرتنا هذه تأتي لأننا نشعر بأنّ واجبنا الوطني يأخذنا إلى البروة».

وقال الكاتب والمحلل السياسي انطوان شلحت، الذي وقع عريضة مع عشرات الكتاب والأدباء والفنانين في الداخل والعالم العربي: «ان درويش يجب أن يدفن في أرضه الأولى، الجليل، إنها شهدت بداية تكوينه الأول»، وأضاف: «كل أحاديث محمود الصحافية قال فيها إن علاقته بالجليل وحيفا أعمق من علاقته بسائر المدن الأخرى».

وتابع «أيضا هناك معنى رمزي لدفنه بالجليل، انه صاحب حق هنا». ويرى شلحت انه كان على السلطة أن تطالب بدفنه في مسقط رأسه، «فان وافقت إسرائيل وعاد الشاعر إلى أرضه كسبنا المعركة، وان رفضت إسرائيل كسبناها أيضا».