ودع الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبومازن» أمس الشاعر الراحل محمود درويش بكلمة مؤثرة للغاية، أكد فيها أن شمسه لن تغيب، ونهره لن ينضب، من عطاء الخير والبشائر والأمل، مؤكدا انه «كان الإنسان فينا، وسيظل في كل مولود لنا»، داعيا الجهات الحكومية والرسمية المعنية بجبهة الثقافة، إلى إيلاء هذه الجبهة ما تستحق من تركيز واهتمام ورعاية وتوفير الإمكانات والموارد اللازمة لتمضي قدماً نحو تعزيز دورها ومكانتها والعبور إلى عهد جديد من الأصالة والتجديد.
وقال أبومازن في كلمته خلال حفل تأبين الشاعر الكبير في مقر المقاطعة في رام الله: «جميعنا اليوم نودع نجماً أحببناه إلى درجة العشق، بعد ما كان التاسع من أغسطس يوما فارقاً بتاريخ الثقافة الفلسطينية والإنسانية، عندما ترجل ذاك الفارس العنيد عن صهوة الشعر والأدب، ليترك فينا شمساً لا تغيب، ونهراً لا ينضب، من عطاء الخير والبشائر والأمل، فيضعنا أمام امتحان الصبر والقدرة على استمرار العطاء والإبداع، وإدامةِ تألق المشهد الثقافِي والإجابةِ على إشكالياته وتساؤلاته.
وليبقى المقرر في صياغة المستقبل، وتحديدِ مضامينهِ، وتبليغِ رسائلهِ، المعمدةِ بالحريةِ والعدالةِ، العابقةِ بالجمالِ والمحبةِ، البانيةِ للهويةِ والشخصيةِ الوطنيةِ المستقلةِ، المؤسسةِ للحلم والأماني، المنبعثةِ من الأمل الواثق بتجسيدها دولة الشعب الفلسطيني، حاضنة هويته وحريته وتطلعاته، ذات السيادة، والمستقلة، المساوية بين جميع أبنائها، ولجميعهم على شتى عقائدهم وانتماءاتهم، دولة القانون والمؤسسات والحكم الرشيد، الذي نذر محمود درويش نفسه يحلُم بها ويغني لها، ويمجّد نشيدها ويناضل لتجسيدها..
انطلاقاً من موقعه الذي اعتلاه باقتدار وجدارة، قائداً ريادياً، مُعلَّماً ومَعلماً، حصنا منيعاً عاليا بجبهة الثقافة والإبداع، الجبهة الأساسية في سيرةِ شعبنا النضالية، بطلاً، ملتزماً متفانياً مضحياً وقائداً في سائر جبهات الصمود والكفاح الأسطوري لشعبه، على امتداد زمن الثورة الممتد عبر العقود إلى إبرامِ عَقدنا الاجتماعي الجمعي، بتأسيس الدولة التي نَظَمَ وصاغ بنبض قلبه وروحه دستورَها، وثيقةً الشرف والعهد التي ارتضيناها أمانة تطوق أعناقنا، للشهداء، للأسرى، للأجيال، للمرأة حارسة نارنا المقدسة، والأطفال يكبرون بهدي مبادئها إلى المجد الذي أسس قواعدَه والأملَ الذي حدد عناصره».
وأضاف أبومازن «إنها أسطورةُ الشعب المجبولةُ بأسطورة محمود. بتبادليةٍ جدلية، هي الأكمل والأجمل يَنقُش بمهارةِ المبدعِ الخلاقِ، ليس فقط ملامح هويتنا بل جدارُ وعينا، ليكون فينا ومنا ولنا، ويكونَ لكلٍ منا فيه حصة أو نصيب كما هي مع شعبه وقضيته مع أمته وإنسانيته ليصبح ذلك الخيط الحريري المميز في قوس نصرنا ومنارة عزنا في صُلب نسيجنا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية وفي صلب صورتنا الإنسانية النضالية، يعلن جدارتنا وحقنا بالحرية والاستقلال».
وتابع: «لقد أوفى عطاءً بسخاء، زاد فينا طموحاً بالمزيد، لهذا لا نصدق أنه رحل، وعندما نوقن بالقَدَر ونستسلم للقضاء الذي لا بد منه وليس لنا فيه من مفر تزدادُ فاجعتنا ألماً وأسى وحسرة». وأضاف أبومازن «ومهما نحاول استجداءَ اللغة تَفر المفردات مذعورة كالعصافير، مع روحه المسافرة إلى بارئها وتتلاشى عند حدود الشفاه ويجفُ مِدادُ القلم فما أصعبَ الرِثاء، فكيف إذا كان لعزيز كمحمود، وكبير كمثله، بقامته وظله، يورفُ على فلسطين من أقصى الحدود إلى غاية الحدود».
وقال: «إذا كان سيدُ الكلمة والحكمة بذاك الرمز المعبر عن حسّنا الوطني، دستورِنا الإنساني،إعلان استقلالنا، فمن يوفيه جزءاً من حقه علينا بالرِثاء؟ ومن يملك القدرة فرداً أن يفعل؟..إنها أنشودةُ المناجاةِ والفجيعةِ، صامتةُ أبلغُ من القول، ولكنها أيضاً مسؤوليةُ جميعنا وجموعنا، تهب موحَّدة في تشييعه، والتفجعِ على رحيله، ولكنها بإرادة العزم والأمل الذي غرسه فيها ينمو ويكبر ويزهر».
وقال :«وهي إذ تعبر عن حبها وشكرها واعترافها بمكانة محمود، ودور محمود، أنما تجدد لروحه الطاهرة، لتراثه المجيد ومسيرته المباركة، مسيرتَها وتضحياتِها ومعاناتِها، مسيرةَ كفاحها المستمر والمتواصل إلى ذروة النصر».
وأكد أن «ذلك العهد المكين الذي نجدده اليوم لروح درويش، لكل شهداء شعبنا العظام، لأسرانا وجرحانا البواسل، أن تبقى وصيتُه أمانةً، أن تبقى الراية التي رفعها محمود بشعره وقامته وروحه عالياً خفاقةً، لتعلو كمآذن القدس وكنائسها، وأسوارها العالية، العاصمة الأبدية لدولتنا الفلسطينية الآتية قطعاً..إنه حلم محمود ورؤياه التي نُقسم على تحقيقها لتكون مثواه ومثوى شيخ شهدائنا، قائدِ مسيرةِ شعبنا ورمزِ قضيتهِ وكفاحهِ ياسر عرفات».
وقال «ومع جلال الحزن فان جمال الوفاء أقوى وأحق بهمة الرجال وعمق المسؤولية تجاه محمود وريثِ الأمجاد وحاملِ لواء الأجداد المجدد المبدع المعبر الموحد شعراً ثقافة وشعبا وهوية». وأوضح أبومازن: «وليكن رحيله مدخلاً لتجنيد كل طاقات المبدعين أفراداً وهيئات، بكل المستويات الأهلية والرسمية، ليس فقط لسد المنافذ أمام فراغٍ كبيرٍ نشأ برحيله، وإنما بالارتكاز إلى تراثه ومدرسته وإبداعه العظيم، ليكون موتُه الموجعُ إِحياءً تجديدياً لجبهة الثقافة، وإغناءً للمشهد الثقافي تأصيلاً وحضوراً وفعالية في قرار الوطن ومصيره وفي صورة الوطن وهويته، بل في عمقنا العربي والإسلامي ملاذنا وجوهر انتمائنا وتفاعلنا، مصيرِنا ومستقبلنِا ومُشارِكِنا في صياغة الوجدان الإنساني».
وأضاف: «وضمن هذا السياق فإنني أدعو الجهات الحكومية والرسمية المعنية بجبهة الثقافة المعقل الأساسي الأهم لنضال شعبنا وحفظ بقائه وأمنه القومي وهويته الوطنية أن تولي هذه الجبهة ما تستحق من تركيز واهتمام ورعاية وتوفير الإمكانات والموارد اللازمة لتمضي قدماً نحو تعزيز دورها ومكانتها والعبور إلى عهد جديد من الأصالة والتجديد.. فجبهة الثقافة والمبدعين هم ضمير الأمة ومحلُ رهانها ومحطُ أملها وعزِها وكلنا ثقة بأنهم أهل لهذه المسؤولية والمكانة».
وتابع «وإن كان مصابنا بمحمود مصاباً واحداً وعزاؤنا فيه واحداً فإن لعائلته الصغيرة والدته إخوانه وأخواته، ولأسرته الثقافية فلسطينية وعربية وعالمية حسن العزاء..أما إليك أيها الحبيب محمود الذي رفضت في الماضي مني ما سأقول، لتواضعك وحيائك المشهودين، أقوله لك الآن.. لقد وحَّدت فينا الفرح والأمل وكلَّ القيم النبيلة، كنت الإنسان فينا، وستظل في كل مولود لنا».
وقال: «يا أخي أحمد الزعتر.. لك كلُ المترادفات والأضداد، فأنت الحاضر الغائب، وأنت الغائب الحاضر فلم ترحل عنا إلا لنا ولن تتركنا لأنك فينا، فلم يسقط الحصان عن القصيدة وسيبقى الجموح والجمال في الحصان والقصيدة».
وتابع: «يا أخي أحمد العربي.. كنت التحولَ وكنت التطورَ فأصبحت الرمز، كنت جميعنَا والقاسمَ المشترك، في كل الحِصارات لم تدخل بيوت أبي سفيان، كنت ابن ثابت لأنك كنت من البداية حتى النهاية. عاديت مسيلمة، ولم تتردد لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة..على كل آلة موسيقية كنت النشيدَ والنغمَ، كنت النسمة والبسمة، كنت العطر والزنبق، كنت الندى، وكنت الضمير في كل منعطف، كنت الذاكرة والحاضر والرؤية».
وأضاف: «كنا نراك أجمل الناس لأننا نرى عمق البحر فيك وصفاء البئر في صحراء الظمأ. يا ابن خبزنا وزعترنا وأمنا والبرتقال لك الشموع تُضاء في يد أطفالنا الذين أشاروا لك بالبنان عندما رأوك واحتضنهم حنانُك عندما عانقوك، كبيرنا وصغيرنا علقوا صورتك في القلب قبل أن يروك، وحفروا محياك الجميل في الذاكرة بعد أن قابلوك.
إن البسطاء حفظوا أبيات شِعرك بالتشكيل والعروض فكانت رؤيتُك فلسفتَهم..ستظل معنا يا محمود لأنك تركت لنا ما يجعلنا نقول لك إلى اللقاء وليس الوداع، لأنك أنت العشق والعاشق لنا، وأنت المعشوق فينا.. لك الشموع تُضاء لأنك كنت الشمعدانَ فينا، لك دموع الوفاء، كيف لا؟ وفي كل مدينة وقرية ومخيم لك اسم ... الشوارع والمدارس ومراكز الثقافة وشهادات الميلاد، لك ملصقات الحائط، العَلَم، التقدم، فرقة الإنشاد، ومرسوم الحِداد».
وختم أبومازن كلمته بالقول: «وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا محمود لمحزونون.. اعذروني أيها الإخوة إن أطلت عليكم فإني أستبطئ رحيله إلى مثواه ويعز علينا فراقه فسلام على روحه حياً وشهيداً ومثواه الجنة، سلام عليكم وسلام لكم، وأحسن الله عزاءكم والشكر موصول لأمتينا العربية والإسلامية والأصدقاء في كل العالم الذين شاركونا مصابنا، وأخص بالذكر الشقيقة دولة الإمارات العربية التي بادرت إلى نقل الجثمان والشقيقة الأردن التي استقبلته وتفضلت بنقله في طريقه إلى أرض الوطن. (وإنا لله وإنا إليه راجعون).
رام الله ـ محمد إبراهيم

