تتحدث مؤلفة الكتاب عن فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ووصف الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين لذلك الانهيار بـ «الكارثة الأكبر» في القرن الماضي، وتأكيده في الوقت نفسه على استحالة العودة إلى الوراء. ولكن الكتاب يشير إلى أن روسيا تحاول، على ما يبدو، أن تعيد الصلة مع الطموح الامبراطوري، وتتساءل: هل هذه المحاولة واقع أم وهم؟

ما يتم تأكيده في الكتاب هو أن نقطة الانطلاق في محاولة الإجابة على هذا السؤال تتمثل في فهم العلاقة بين روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة التي استقلّت حديثا. وهذه العلاقة هي رهان إستراتيجي كبير في السياسة الخارجية الروسية. فقد اعتبرت روسيا في الفترة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق أنها تتحمل مسؤولية خاصة حيال مجموعة الدول المستقلة والتي كانت حتى الأمس القريب جمهوريات سوفييتية. ذلك أن نسبة كبيرة من الروس لا تزال ترى في استقلال هذه الدول نوعا من «الخيانة» . لكن الواقع وتطوراته بيّنا أن الدول المعنية تريد أن تؤكد سيادتها في مواجهة روسيا التي فقدت الكثير من «مواقعها» السياسية والثقافية في هذه البلدان، وهو ما دفع بوتين إلى تغيير الاستراتيجية وتبني سياسة جديدة.

عندما وصف فلاديمير بوتين انهيار الاتحاد السوفييتي أنه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين» ، بدا وكأنه يعلن عن مشروع إمبراطوري جديد. وعندما صرّح أن «أولئك الذين لا يأسفون لوقوع مثل ذلك الحدث -انهيار الاتحاد السوفييتي- لا قلب لهم، لكن أولئك الذين يريدون العودة إلى الوراء لا عقل لهم» .

هذان التصريحان قالهما بوتين في نهاية أبريل وبداية مايو من عام 2005. وترى آن دو تينغي، المشرفة على هذا الكتاب، فيهما اعترافا من قبل الرئيس الروسي السابق بالتطورات العميقة التي شهدتها سنوات ما بعد الحقبة السوفييتية في روسيا.

كما ترى أنه في الحالتين تكشف التصريحات عن قلق كبير حيال فترة ما بعد سقوط «الإمبراطورية» ، وهو قلق لا بد وأن يكون له وزنه في توجيه السياسة الخارجية في الوقت الذي تعيد روسيا صلتها بالطموح الإمبريالي.

من هنا يتم التأكيد على أن الإمبراطورية السابقة تشكّل رهانا إستراتيجيا كبيرا بالنسبة لروسيا اليوم. ولكي تكون «قطبا قويا» عليها أن تلقى دعم بلدان يمكنها أن تعتمد عليها.

وتتم الملاحظة هنا أن الخطاب الذي يتبنّاه الكرملين حيال بلدان المجال السوفييتي السابق بأنها تشكل «الأولوية الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية» يدل على أن البلدان المعنية تمثّل بنظر موسكو «نقاط الدعم» بل «الحلفاء الطبيعيين» لروسيا. كما يدل على أن القيادة الروسية تبحث في هذا المجال المحيط بها عن «القوة الإضافية» التي تعوّض عمّا فقدته مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

وكان من بين المهمّات الأولى التي حددها بوتين لنفسه عند وصوله إلى السلطة استعادة المواقع التي كانت قد اهتزت في ظل رئاسة بوريس يلتسين. وهنا تطرح الكاتبة السؤال التالي: هل كان بوتين يريد الحصول، بعد 11 سبتمبر 2001، على اعتراف الولايات المتحدة بمنطقة نفوذ روسية؟ وتجيب أن واشنطن لم تكن مستعدة لقبول ذلك ولم تستطع موسكو تعزيز نفوذها في الجوار. لكن الأمر تغيّر اعتبارا من 2003 ـ 2004.

في الوقت الذي كان فيه الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي يتوسعان نحو الشرق ويضمان بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة، جاءت الثورتان المسماة البرتقالية والوردية في جورجيا واوكرانيا كي تشكل منعطفا جديدا عبر تأكيد تفكك مجال كان موحّدا سابقا والحد من النفوذ الروسي.

رأى بوتين بذلك تهديدا لمواقع بلاده فتحرّك بصرامة وحزم. ووضع إستراتيجية جديدة اعتمدت أساسا على إعادة تعريف شروط الشراكة مع الدول المستقلة حديثا، مما استدعى تغييرا في طبيعة الروابط معها، أو مع بعضها على الأقل.

ولا يشكل المجال ما بعد السوفييتي رهانا للقوة فقط وإنما يشكل أيضا رهانا له علاقة بالهوية. ذلك أن روسيا التي «وُلدت من جديد» من رماد الاتحاد السوفييتي لم تكن قد تواجدت أبدا إلا كامبراطورية. وإذا كان الخروج من إمبراطورية صعبا دائما فإنه يكون أصعب في حالة استمرارها لفترة زمنية طويلة، فروسيا عرفت تطورا مستمرا في حدودها على مدى خمسة قرون وكانت تتقدم باستمرار عبر الدمج التدريجي للمناطق المجاورة لها.

وكانت روسيا قد أكّدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على أنها تتحمل «مسؤولية خاصة» حيال مجموعة الدول المستقلة حديثا التي تضم روسيا وأغلبية الجمهوريات السوفييتية السابقة. وكانت فكرة «الخارج القريب» في إشارة إلى الجمهوريات السوفييتية السابقة المحيطة بروسيا قد ظهرت في الخطاب الروسي منذ مطلع عام 1992 وتضمّنت، بشكل ما، عدم القطيعة تماما مع الماضي.

وشاعت لدى الجميع فكرة أن روسيا هي «استمرار» للاتحاد السوفييتي وكانت قد ورثت دون أي نقاش مقعده في مجلس الأمن الدولي.

ولقد ساد في الخطاب الروسي التأكيد على «المسؤولية الخاصة» لدى المسؤولين الروس على مختلف مستوياتهم. وترى فيه الكاتبة «كاشفا حقيقيا» لمدى الصعوبة التي يعاني منها الروس فيما يتعلق بـ ( طي) صفحة الماضي. ذلك أن «الخارج القريب ليس الخارج، وإنما هو منطقة نفوذ روسيا» .

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم موسكو بخصوص «مجموعة الدول المستقلة» التي قامت بتاريخ 8 ديسمبر 1991، لا يسهّل أيضا القطيعة مع الماضي. ويدل ميثاق هذه المجموعة الذي جرى تبنّيه في مطلع عام 1993 على أن «المجموعة هي مشاركة إرادية لدول ذات سيادة ومتساوية» ، ولكن الواقع لا يقول ذلك تماما.

مع ذلك يتم التأكيد هنا على أن البلدان الأعضاء في مجموعة الدول المستقلة لم تكن دائما «في مقدمة أولويات» السياسة الخارجية الروسية. فغداة زوال الاتحاد السوفييتي حدد الفريق المحيط ببوريس يلتسين «هدفه التاريخي» في اندماج «روسيا الجديدة» بالغرب، وبالتالي لم يكن يريد لـ «الخارج القريب» أن يكون عقبة أمام ذلك.

جرى التركيز آنذاك على النهوض الاقتصادي وعلى الاندماج مع «العالم الحر» كي تستعيد روسيا نفوذها الخارجي. من هنا بدت الجمهوريات السوفييتية السابقة بمثابة عبء بالنسبة للكثير من الروس. وبالتالي كان مطلوبا التخلص من «وزن الامبراطورية الثقيل» الذي دفع بروسيا إلى الخسارة. باختصار ارتفعت الأصوات من أجل بناء «دولة روسية قوية» .

وبقيت مجموعة الدول المستقلة مثل «قوقعة فارغة» إلى حد كبير وكرّست واقع «انفجار مجال كان موحدا سابقا» . ولم تصبح أداة للتكامل كما كانت تتمنّى روسيا، بل ولم تترجم في سلوكها ما جاء في ميثاق قيامها بأنها: «أداة لتنسيق سياسات الدول الأعضاء فيها» .

بل إن مثل هذا الهدف بدا باطلا ولا قيمة له أمام قرار حلف الأطلسي عام 1997 توسيع إطاره شرقا ثم عندما قرر في عام 1999 التدخل عسكريا ضد صربيا. لقد اتخذت الدول الأعضاء في مجموعة الدول المستقلة مواقف متباينة حيال ذلك، لاسيما وأنها لم تنتسب أصلا إلى المجموعة على أساس «برنامج مشترك محدد» .

في المحصلة لم تستطع روسيا أن تستعيد المبادرة في المنطقة المعنية. وبدا بعد 10 سنوات من قيام مجموعة الدول المستقلة أن وحدتها الاقتصادية والعسكرية-الإستراتيجية لم تتحقق. بل أكّد العديد من «شركاء» روسيا رغبتهم في التحرر و» الانعتاق» من الهيمنة الروسية.

وخاصة «استقلال» اوكرانيا التي رأى به الروس إلى حد كبير «اقتطاعا» لجزء منها، بل واعتبره المؤرخ ديمتري نورمان «خيانة» ذلك أنه «منذ قرون يرى الروس في اوكرانيا جزء لا يتجزأ من التراب الوطني الروسي» ، كما تنقل الكاتبة عنه.

وتنقل عن زبغنيو بريجنسكي، المستشار السابق للرئيس كيندي، قوله ان اوكرانيا تشكل «محورا إستراتيجيا» إذ «تتوقف روسيا في أن تكون إمبراطورية، إذا انسلخت عنها اوكرانيا».

وكانت روسيا قد رأت عام 1997 بقيام «منتدى» يضم جورجيا واوكرانيا واذربيجان ومولدافيا تحديا لها، وغدا التحدي أكبر بانضمام اوزبكستان لذلك «المنتدى» عام 1999. وقررت ثلاثة من هذه البلدان (اوزبكستان وجورجيا واذربيجان) في عام 1999 عدم تجديد انضمامها إلى «ميثاق أمن مجموعة الدول المستقلة» الذي أظهر عدم فعالية كاملة.

ولم يكن «تآكل» المواقع الروسية سياسيا فقط وإنما كان ثقافيا أيضا. فالدول المستقلة حديثا أكّدت كلها على «مكوّن الهوية» الخاصة في ثقافاتها الوطنية، كما أكدت في نفس الاندفاع القطيعة مع الماضي. وفي المحصّلة أكّدت التطورات التي استجدّت أن «الخارج القريب» يغدو تدريجيا «الخارج» ، بكل معنى الكلمة، بينما تتضاءل أكثر أكثر قدرة الجذب الروسية.

المؤشر الذي تقدمه الكاتبة على مثل هذا الواقع الجديد هو أنه في عام 1985 كانت نسبة 86 بالمئة من رحلات الطيران الجوية المنطلقة من روسيا هي باتجاه بلدان مجموعة الدول المستقلة، وفي عام 1997 تراجعت هذه النسبة إلى 34 بالمئة فقط.

في مثل ذلك السياق، ولكن بعد أن تحسّن كثيرا الوضع المالي لروسيا بفعل ارتفاع أسعار الطاقة غيّر بوتين من إستراتيجية بلاده. لقد تخلّى رسميا أولا عن هدف التكامل على صعيد مجموعة الدول المستقلة وأعاد تقييم دورها. ولم يتردد في التصريح عام 2005 أن «المجموعة» قد جرى إنشاؤها أصلا من أجل القيام ب» الطلاق الأكثر حضارية» بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

مثل هذه المراجعة نشّطت المجموعة عبر عدم إرغام جورجيا أو اوكرانيا على الاختيار بين انتمائهما للمجموعة أو للمجال الأوروبي-الأطلسي.

وبنفس الوقت لم يترك بوتين حقيقة «هدف التكامل» ، بل وطالب جميع سفراء روسيا أن «يدعموا بكل الوسائل مسيرة التكامل» . لقد تابع ذلك لكن في أطر أخرى مثل المجال الاقتصادي المشترك والمجموعة الاقتصادية الأورو-آسيوية وفي مجال الأمن مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

هكذا جرى التوجه نحو تبنّي «سياسة جديدة» تخص علاقة روسيا مع «إمبراطوريتها» السابقة. وذلك عبر مسارين أساسيين. المسار الأول يخص طبيعة علاقة روسيا مع شركائها بحيث أن تعترف روسيا أن «الخارج هو الخارج» وتتخلّى نهائيا عن «التقسيم بين الخارج القريب والخارج البعيد» ، أي بتعبير آخر إقرار مبدأ «المساواة» والتعامل مع كل بلد على «أساس المصالح الملموسة» .

والمسار الثاني يخص الانفتاح على القوى الخارجية الفاعلة لاعتبارات اقتصادية وأمنية. وذلك في منظور حل النزاعات التي لا تستطيع روسيا حلها وحدها. ولا يمكن حلّها أيضا عبر استبعادها. بهذا المعنى ينبغي تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. بالمقابل ينبغي على القوى الخارجية المعنية الاعتراف أنه لا يمكن الاستغناء عن التنسيق مع روسيا في مناطق اهتمامها.

المؤلفة في سطور

* هذا كتاب جماعي أشرفت على دراساته آن دوتينغي المؤرخة الفرنسية المختصّة بالعلاقات الدولية عامة، وبالسياسة الخارجية لروسيا وأوكرانيا بشكل خاص.

* تحمل دوتينغي إجازة الدكتوراه بالعلوم السياسية وتشرف على إدارة أبحاث في مركز الدراسات والبحوث الدولية بباريس وفي معهد الدولة للعلاقات الدولية بموسكو.

* قدمت العديد من الكتب حول السياسة الخارجية والعلاقات الدولية من بينها: «الولايات المتحدة- الاتحاد السوفييتي والوفاق» و«سنوات غورباتشوف، الاتحاد السوفييتي بين 1985 و1991» وانهيار الإمبراطورية السوفييتية و«اوكرانيا، قوة فاعلية جديدة في اللعبة الدولية».

* يساهم في هذا الكتاب أيضا ثلاثة باحثين آخرين هم فلاديمير بارانوفسكي، إيزابيل فاكون وانييس ماران.

الصفحات: 215 (وسط)

الكتاب: موسكو والعالم

الناشر: أوترومون ـ باريس ـ 2008

تأليف: اآن دو تينغي ـ عرض ومناقشة: محمد مخلوف