بقي العالم طوال قرون دون قوانين دوليةٍ ناظمةٍ لقواعد الحروب حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما أذن مؤسس منظمة الصليب الأحمر السويسري هنري دونان بإشارة الانطلاق الحقيقية لما سيعرف لاحقاً بالقانون الدولي الإنساني عام 1864 بما عرف ب«قانون جنيف» الذي أكد على حقوق الجرحى والمرضى من الجنود في الحروب دون تمييز، لتولد اتفاقيات جنيف من رحم قانونها في 12 أغسطس 1949 بعد أكثر من عقودٍ ثمانية. فما هي اتفاقية جنيف؟
تتكون الاتفاقية من أربعة فصول: الأول اختص بحالات الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في ميدان المعارك والثاني يتعلق بحالات جرحى وغرقى القوات المسلحة في البحار والثالث الذي تعلق بمعاملة أسرى الحرب. أما الرابع فاختص بحماية المدنيين زمن النزاعات. ألحق إليها ثلاثة بروتوكولات في يونيو عام 1977 يتعلقان بضحايا النزاعات الدولية وغير الدولية وآخر ثالث أضاف شارة المربع الأحمر لشارتي الصليب والهلال الأحمر عام 2005 ونص على احترام حامليها.
هدفت هذه الاتفاقيات إلى حماية المدنيين والأطباء ورجال الدين وعمال الإغاثة والجرحى والمرضى وأسرى الحرب. وحظرت التعرض للمدنيين وقتل أو جرح الجنود المستسلمين أو العاجزين عن القتال وبحقهم في أن يعاملوا معاملةً إنسانية وأن تحفظ كرامتهم وبتلقي العناية الطبية اللازمة من قبل الجانب المحتل وبوجوب حمايتهم من أية أعمال عنفٍ أو أعمالٍ انتقامية. وحظرت محاكمتهم أمام محكمة غير مشكلة قانونياً.
كما حرمت احتجاز الرهائن واستخدام الأسلحة التي من شأنها إحداث خسائر لا مبرر لها. انضمت إلى الاتفاقية 194 دولة حتى الآن من بينها دولة الإمارات العربية المتحدة التي صادقت عليها عام 1972.
أهم الخروقات لاتفاقيات جنيف:
العراق: نشرت وسائل الإعلام الأميركية عام 2004 صوراً كشفت قيام حراس أميركيين في معتقل أبو غريب العراقي بتعذيب محتجزين وتصويرهم عراة وذلك رغم إعلان واشنطن سريان اتفاقيات جنيف في العراق. وعنى ذلك بالتأكيد انتهاكاً لاتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة الخاصتين بحماية أسرى الحرب والمدنيين.
يذكر أن العراق شهد منذ سقوط نظامه السابق حالات انتهاكات خطيرة للاتفاقيتين الثالثة والرابعة تبادلتها القوات الأميركية مع الحركات المسلحة الناشطة بعد عام 2003 تمثلت باستهداف المدنيين واغتصاب النساء «كحادثة الفتاة عبير الجنابي»، وعمليات الخطف واحتجاز الرهائن وذبحهم.
غوانتانامو: يحتجز فيه مئات المسلحين الذين ألقي القبض عليهم خلال العمليات العسكرية في أفغانستان. تعلن الولايات المتحدة نفسها في حلٍ من تطبيق اتفاقيات جنيف لانعدام مفهوم الدولة خلال العمليات العسكرية وقبلها بحسب واشنطن.
وتؤكد أنهم مسلحون غير شرعيين وبالتالي لا يمكن اعتبارهم أسرى حرب عامدةً إلى محاكمتهم أمام محاكم عسكرية قبل أن تقر بوجوب تطبيق تلك الاتفاقيات إثر إعلان المحكمة الدستورية العليا الأميركية عام 2006 أن هذه المحاكمات تعتبر خرقاً لها.
إسرائيل: تميزت بخرقها للاتفاقيات الأربع والبروتوكولات الثلاثة مجتمعةً !!. ففيما يتعلق باتفاقية جنيف الأولى، سجلت حالات عمد فيها جنود إسرائيليون إلى قتل العديد من الجنود المصريين والسوريين الذين أصيبوا في ساحات المعارك في سيناء والجولان في حربي 1967 و1973. ومارست إسرائيل سياسات احتجاز وقتل منظمة لفلسطينيين على شواطئ قطاع غزة خلال عقود طويلة استمرت حتى بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه في انتهاكٍ للاتفاقية الثانية.
وبرز الانتهاك الإسرائيلي الفاضح لاتفاقية جنيف الثالثة في فضيحة تصفية 900 أسير مصري استسلموا خلال حرب 1967 حيث نصت المادة 130 على أن جريمة القتل العمد لأسرى الحرب تدخل ضمن «المخالفات الجسيمة».
هذا عدا عن عمليات تعذيب بحق أسرى عرب في معتقلات عسقلان والخيام. وأكملت إسرائيل مهمتها في اتفاقية جنيف الرابعة فبدأت بمجازر ضد المدنيين الفلسطينيين في دير ياسين (250 قتيلاً) ومدرسة بحر البقر (30 طفلاً) ومجزرة قانا عامي 1996 حينما استهدفت طائراتها مدنيين كانوا احتموا في مبنى قوات الطوارئ الدولية ومجزرة مخيم جنين عام 2002 التي سقط فيها 55 قتيلاً.
فضلاً عن إتباع سياسة الإبعاد لسكان قرى فلسطينية ولبنانية وسورية وإغلاق المعابر الحدودية (في خرقٍ للمادة 33 التي تحظر العقاب الجماعي) وسرقة مياه بحيرة طبريا (في خرقٍ للمادة 53 التي تحرم مصادرة الموارد الطبيعية) وإقامة الجدار العازل عن الضفة الغربية المخالف للمادتين السابقتين وهدم البيوت كأعمال انتقامية أو بغرض بناء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان وهو ما يعتبر في حد ذاته خرقاً للاتفاقية التي تمنع نقل المدنيين من الدولة المحتلة إلى الأراضي التي تحتلها.
وكما تعتبر عمليات التهجير والنزوح لملايين الفلسطينيين شاهداً لا لبس فيه على خرق إسرائيل للمادة (49) من الاتفاقية الرابعة التي نصت على حظر تهجير المدنيين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولٍ أخرى. وتمنع المادة الثامنة المرحلين قسراً من التنازل عن حقهم في العودة وتعتبر أي تنازلٍ لاغٍ وباطل.
الكويت: سجلت انتهاكات واسعة بحق المدنيين الكويتيين خلال احتلال العراق للكويت وصلت حد التمثيل في الجثث واغتصاب النساء مثل خرق للاتفاقية الرابعة بالإضافة إلى حرق آبار النفط الكويتية «البروتوكول الثاني الذي نص على حماية البيئة أوقات الحروب».
كما شهدت انتهاكات أخرى تمثلت في احتجاز القوات العراقية أكثر من 600 أسير من الكويت واستهداف القوات الدولية لأرتال الجيش العراقي المنسحب بعد استسلامه فيما عرف ب«طريق الموت». وقصف ملجأ العامرية عام 1991.
السودان: أدت الحرب الدائرة في إقليم دارفور السوداني منذ عام 2003 إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وسلب ممتلكاتهم وحرق بيوتهم واغتصاب النساء في هجمات تورطت فيها ميليشيا الجنجويد التي تتهم بتلقي الدعم من الحكومة السودانية ما يشكل انتهاكاً كاملاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر الهجوم على المدنيين.
لم يكن كل ما تقدم إلا غيضاً من فيضٍ لانتهاكات وخروقات اتفاقيات جنيف التي لو أردنا حصرها لاحتجنا إلى مجلدات كاملة ترصد تاريخاً مريراً من النزاعات في مشهدٍ عبثي تمضي لقطاته في ظل لا مبالاةٍ دولية، كنا فيه حيناً فاعلين وأحياناً كثيرة مفعول بنا.
دبي ـ رؤوف بكر

