يستمد هذا الكتاب أهميته من أهمية موضوعه الذي يتناول وضع روسيا الراهن في العالم وسعيها لاستعادة مكانتها الدولية التي كانت لها قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. وهو يجيب عن أسئلة من قبيل: كيف يتم تحديد نهج السياسة الخارجية الروسية؟ وما هي الدوائر والمؤسسات المؤثرة في توجيهها؟ يشير مؤلفو الكتاب إلى أن الدائرتين الأساسيتين في رسم هذه السياسة هما الرئاسة الروسية في الكرملين ووزارة الخارجية الروسية. لكن هناك تيارين يشاركان في توجيه هذه السياسية أحدهما يحبذ التقارب مع التوجه الأطلسي الغربي، وآخر يؤكد على الخصوصية الوطنية والجيوسياسية.

ما يتفق عليه الجميع هو أن عهدا جديدا قد بدأ قبل سنوات في روسيا، وعادت إلى ساحة النقاش موضوعات كانت غائبة في عهد بوريس يلتسين. وفي مقدمة هذه المواضيع عودة روسيا إلى الحلبة الدولية ودور الاقتصاد في السياسة الخارجية، فروسيا هي قوة عظمى على صعيد الطاقة ووجود نظام قوي يشكل ورقة رابحة في السياسة الخارجية. وفي المحصلة استعاد الروس إيمانهم بالمستقبل في عالم كالغابة يتنافس فيها الجميع من أجل احتلال موقع متميز تبعا لتوزيع النفوذ في المجال السياسي الدولي. من الواضح للعيان أن الطريقة التي تحدد على أساسها روسيا موقعها في العالم قد تغيّرت خلال السنوات الأخيرة. التفسيرات المقدّمة لهذا التغيّر ومداه ونتائجه الممكنة عديدة ومتنوعة، في روسيا كما في خارجها.

بعض هذه التفسيرات وصلت إلى حد القول إن «حربا باردة» جديدة تلوح في الأفق القريب فالسياسة الخارجية الروسية قد عرفت منعطفا كبيرا في تعاملها مع الغرب. هنا يطرح فلاديمير بارانوفسكي، أحد المساهمين في تأليف الكتاب، عدة أسئلة مثل: هل يمكن الحديث فعلا عن أن روسيا قد تخلّت عن إرادة التعاون مع الغرب وتبنّت منطق المواجهة؟ والتبدلات الحاصلة، ألم تكن متوقعة؟ وما هي الروابط بين أشكال التجديد التي عرفتها السياسة الخارجية الروسية وبين مسار السياسة الدولية؟ وهل تريد روسيا تحدي هذا المسار أو التأثير عليه أو تحويله؟

الخطوة الأولى التي يقوم بها الكاتب تتمثل في محاولة توصيف الديناميات والعوامل التي يمكنها أن تؤثر على توجه السياسة الخارجية الروسية. ويحدد وجود «حلقتين» أساسيتين تقومان برسم السياسة الخارجية الروسية وهما السلطة الرئاسية (التي تجسّدها الإدارة الرئاسية) ووزارة الخارجية. هذا إلى جانب عدد من المصالح الحكومية التي يمكن أن تتدخل بصور شتى بحيث ان القرارات الملموسة للسياسة الخارجية الروسية تنتج عن التنسيق بين هذه «الحلقات» كلها. ويتم في هذا الإطار تحديد عددها بحوالي عشر مجموعات من بينها ثلاث ذات أهمية كبيرة تتم تسميتها عامة بالليبراليين والتكنوقراطيين والسيلوفيكي، وهذه كلمة روسية تعني المجموعة التي تنتمي إلى هيئات حكومية قوية مثل جهاز الأمن الروسي ووزارتي الدفاع والداخلية.

يقول الكاتب إن هدفه ليس الخوض طويلا في معرفة من يتخذ القرارات الخاصة بالسياسة الخارجية الروسية وإنما بالأحرى تحديد التيارات العامة التي تشارك في إعدادها. ويؤكد هنا على وجود عدة تيارات فكرية وسياسية تساهم في روسيا بالنقاشات حول الهوية الدولية للبلاد ومكانتها في العالم وتحديد مصالحها الوطنية وأهدافها.

هذه التيارات عديدة ويحدد الكاتب الأكثر أهمية بينها ب«الأطلسيين» الذين يعطون الأولوية للتوجه الغربي في تحديد السياسة الخارجية للبلاد وقد جرت العادة في تسميتهم من قبل التقاليد السياسية الروسية ب«ذوي النزعة الغربية». هذا التيار ممثل في «نسخته المعتدلة» بما يسمى «الوسطيين» الذين يجمعون بين التمسّك بالأفكار الليبرالية-الديمقراطية وبين المواقف النقدية، إلى حد ما، حيال سياسة الغرب.

وهناك التيار «الأوروبي ـ الآسيوي» الذي يركّز توجهه على ضرورة أن تنتهج روسيا طريقا «متفرّدا» يتم تحديده على أساس الوضع الجيوسياسي للبلاد من حيث وجودها في قارتين هما أوروبا وآسيا.

الخصوصية الكبيرة في النقاشات الروسية حول السياسة الخارجية يتم تحديدها بالتأثير الكبير الذي تلعبه العوامل الداخلية. وهذا ما يعبّر عنه البعض بالقول إن النظام القائم ربما لا يمتلك سوى سياسة داخلية هدفها الاحتفاظ بالسلطة ولها بعض الإسقاطات الخارجية.

وتتم الإشارة إلى أن مشاكل السياسة الخارجية لم تكن خلال السنوات الأخيرة موضوع نقاش عام إلا عندما تأخذ السلطات المبادرة في الشروع بذلك. ثم إن هذه السلطات لا تولي أية أهمية تُذكر للآراء التي تطلقها المعارضة في مجال السياسة الخارجية.

بنفس الوقت عادت ممارسة الرقابة الذاتية إلى الظهور. لكن الكاتب يرى فيها إحدى سمات النظام السياسي الحالي وسمات المجتمع الروسي بأكمله. وبالتالي لا ينبغي أن يتم النظر إليها على أنها خاصة بميدان السياسة الخارجية.

يشير الكاتب إلى وجود عدد من المؤسسات التي لها صوت ما في النقاشات الدائرة في روسيا حول السياسة الخارجية. وفي مقدمة هذه المؤسسات مراكز البحث والتحليل، والمقصود قبل كل شيء مراكز البحث العلمي المكرّسة تقليديا للاهتمام بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

هذه المراكز تتواجد بشكل أساسي في إطار أكاديمية العلوم الروسية حيث يهتم حوالي 12 معهدا بالإشكاليات الدولية. ومن بين الأكثر شهرة «معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية» و«معهد الولايات المتحدة وكندا» و«معهد أوروبا» و«معهد الدراسات الشرقية» و«معهد البحث حول الأمن الدولي»، الخ.

وهناك توجّه حالي في روسيا نحو إحياء تقاليد التكامل بين العلوم والتعليم العالي وتشجيع إنشاء كليات وأقسام للدراسات الدولية في الجامعات الكبرى بالبلاد، خاصة موسكو وسان بطرسبورغ. مثل هذا التقليد كان قد تم التخلّي عنه أثناء الحقبة السوفييتية.

إن هذه المؤسسات المزوّدة بإمكانيات مالية كبيرة أثبت البعض منها منذ فترة قريبة أنه يحتل موقعا هاما فيما يخص مجال البحث والاستشارات حول المسائل الدولية، وعلى رأس هذه المؤسسات «المعهد العالمي للاقتصاد» وهو عبارة عن كلية جامعية تابعة للدولة.

هناك أيضا مراكز بحث ظهرت في السياق ما بعد السوفييتي وهي تهتم ببعض المواضيع النظرية أكثر من اهتمامها بالعلوم التطبيقية. تتمتع هذه المراكز بإمكانيات مالية محدودة، ومن أهمها: «مركز الأبحاث الدولية» و«مركز الأمن الأوروبي»، و«مؤسسات الأبحاث المستقبلية والتوقعات».

يتم التأكيد هنا أن مؤسسات البحث، القريبة من السلطة، تستحق اهتماما خاصا ذلك أنها تتمتع بقدرة كبيرة في التأثير على مسيرة إعداد السياسات. وهي «على الحدود» بين القرب من السلطة والمشاركة فيها.

ويلعب عالم رجال الأعمال دورا هاما في النقاشات الروسية حول السياسة الخارجية. لكن هذا الدور يندرج في سياق منطق سياسة الدولة التي لا تسمح لأي رجل أعمال بـ «الاستقلال» كثيرا عنها. باختصار يبدو عالم رجال الأعمال بمثابة أداة بيد الدولة من أجل بلوغ أهدافها على صعيد السياسة الخارجية.

تتم الإشارة هنا إلى أن الطريقة التي يستخدم فيها الكرملين شركة «غازبروم» هي ذات دلالة في هذا الإطار. وينقل المؤلف عن أحد المحللين الروس قوله: غازبروم ليست فقط بنية يسيطر عليها الكرملين، إنها في الواقع هي الكرملين نفسه داخل دائرة رجال الأعمال.

وهناك دور أيضا تلعبه وسائل الإعلام. ومنذ البداية يشير الكاتب إلى أن دورها في المنظومة السياسية الروسية المعاصرة يختلف تماما عمّا كان عليه خلال العقد الأول في الحقبة ما بعد السوفييتية. التبدّل الذي حصل مردّه إلى وجود وسائل الإعلام هذه أمام خيار حاسم فإما تندرج في نهج السلطة وتصبح خاضعة للسيطرة أكثر أو إنها تحكم على نفسها بالتهميش.

باختصار لم تعد تستحق لقب «السلطة الرابعة» فهي تمارس كثيرا «الرقابة الذاتية» وتحديد هوامشها. لكنها بالمقابل تتابع القيام بمقتضيات مهمتها في إطلاع الرأي العام على ما يجري من أحداث مع بعض التحاليل بـ «الخطوط العريضة».

ومن بين المؤسسات التي يرى الكاتب أن لها دورها في النقاش حول السياسة الخارجية الروسية الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. فهذه الكنيسة لها تأثير كبير على الجسد الاجتماعي الروسي، لاسيما في ظل الإحياء الكبير للمشاعر الدينية بعد سقوط الإيديولوجية الشيوعية.

وكانت هذه الكنيسة قد عبّرت بوضوح، عبر بعض المثقفين الدينيين المعروفين، عن عدم إمكانية تطبيق المفاهيم الكلاسيكية الليبرالية للديمقراطية ولحقوق الإنسان في روسيا. وقد قدّمت بذلك «ضمانتها الأخلاقية» ضد محاولة فرض قيم «غريبة» على الروس. إن النزعة المناهضة للغرب في العقليات الروسية والنقاشات حول السياسة الخارجية وجدت صداها في الأفكار التي قدّمتها البنى الرسمية للطائفة الأرثوذكسية المسيطرة.

بالنسبة للسياسة الخارجية الرسمية تطرح المسألة الدينية بعض المشاكل المتأتية من مقولة إن الدولة علمانية ومنفصلة عن الكنيسة. لكن هذا لم يمنع واقع أنه في بداية عهد فلاديمير بوتين كان يتم التساؤل عن كيفية «استخدام الأرثوذكسية بفعالية كغطاء لمقولة إن بناء إمبراطورية أرثوذكسية كبيرة يخدم الفكرة الوطنية بالنسبة لروسيا».

واليوم يتماهى الحد الفاصل بين المصالح الخارجية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبين مصالح السياسة الخارجية للكرملين. بكل الحالات يتم التأكيد على وجود تعاون وثيق بين الكرملين وهذه الكنيسة في روسيا.

يعتبر العديد من المحللين والساسة الروس أن عهدا جديدا قد بدأ قبل عدة سنوات. البعض يبدي تحمّسه والبعض الآخر، الأقلية، قلقه حيال التوجهات الراهنة للسياسة الخارجية.

من أهم الموضوعات الجديدة المطروحة العودة إلى الحلبة الدولية. هذه «العودة» تشكّل إحدى المسائل موضع الاتفاق بين الجميع فيما يخص السياسة الخارجية الروسية. وينقل الكاتب عن «اندريو كوشينز» من مركز «كارينجي» الأميركي للبحوث قوله: «إن روسيا قد عادت إلى الحلبة الدولية واستعادت قواها بعد عقدين من الانحطاط. إنها أحد اللاعبين من جديد بعد زمن ميت جيوسياسيا وبعد الجرح القاسي لانهيار الاتحاد السوفييتي».

ومن الواضح أن روسيا تعود بقوة إذ نراها تقريبا في جميع «ملاعب» السياسة الدولية. تختلف التحليلات حول سرّ ذلك، إذ يراه البعض في حجم البلاد، ويراه آخرون في موقعها الجيوسياسي أو في قوتها العسكرية أو في ثرواتها الطبيعية الهائلة أو ربما في حضارتها أو في مكانتها السياسية الدولية المتميّزة في مجلس الأمن وغيره.

والموضوع الآخر يتعلق بكون روسيا قوة عظمى على صعيد الطاقة. مثل هذا الرأي يعطي الغلبة للاقتصاد الروسي في تحديد العلاقات الخارجية للبلاد. ويتفق المحللون الروس والأجانب على توقع مستقبل مزدهر للاقتصاد الروسي وبحيث يمكن أن تصبح روسيا هي القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا بأفق عام 2030.

كذلك يتم التأكيد على أن أحد العوامل التي كان لها تأثيرها على طريقة تصور روسيا للعالم المحيط وللخارج تمثل في التطور السياسي الداخلي للبلاد. وحيث يتم الإجماع على القول أن وجود نظام قوي يشكل ورقة رابحة في السياسة الخارجية.

وكانت روسيا قد شهدت في عهد فلاديمير بوتين منذ عام 2000 استقرارا سياسيا ملحوظا. وهذا سمح للسلطة أن تدافع عن مصالح البلاد وتعيد التوازن إلى السياسة الخارجية الروسية وتعزيز موقعها على الساحة الدولية. وبالإضافة إلى النقاشات حول أهمية وجود «دولة قوية» جرى الاهتمام أيضا بالطريقة التي يرى بها الشركاء الأجانب الإصلاحات السياسية في روسيا وضرورة الأخذ، أو عدم الأخذ، بالآراء المطروحة.

وهناك مقولة جديدة تؤكد على أن النخبة السياسية الروسية قد تغيّرت جذريا. فأولئك الذين لهم علاقة بالعالم الخارجي يحسّون بالثقة أكثر فأكثر بأنفسهم بعد زوال «عقدة الدونية» التي كانوا يعانون منها سابقا، وهذا ما يطلقون عليه «الإيمان بالمستقبل».

مع ذلك لا تزال النقاشات حول السياسة الخارجية في روسيا دائرة وحامية. ذلك أن فكرة وجود منافسة وصراع شرس من أجل «إيجاد مكان تحت الشمس» لا تزال تمثل إحدى المقولات السائدة في رؤية الروس للعالم.

المؤلفة في سطور

ــ هذا كتاب جماعي أشرفت على دراساته آن دوتينغي المؤرخة الفرنسية المختصّة بالعلاقات الدولية عامة، وبالسياسة الخارجية لروسيا وأوكرانيا بشكل خاص.

ــ تحمل دوتينغي إجازة الدكتوراه بالعلوم السياسية وتشرف على إدارة أبحاث في مركز الدراسات والبحوث الدولية بباريس وفي معهد الدولة للعلاقات الدولية بموسكو.

ــ قدمت العديد من الكتب حول السياسة الخارجية والعلاقات الدولية من بينها: «الولايات المتحدة- الاتحاد السوفييتي والوفاق» و«سنوات غورباتشوف، الاتحاد السوفييتي بين 1985 و1991» وانهيار الإمبراطورية السوفييتية و«اوكرانيا، قوة فاعلية جديدة في اللعبة الدولية».

ــ يساهم في هذا الكتاب أيضا ثلاثة باحثين آخرين هم فلاديمير بارانوفسكي، إيزابيل فاكون وانييس ماران.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف