تختتم المؤلفة كتابها بالحديث عن التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، ذلك الهدف الذي تطالب به شعوب المنطقة ولكن من منطلق مختلف عن النموذج الذي حاولت الولايات المتحدة الترويج له وفرضه بقوة السلاح كما حصل في العراق.
وهي ترى في فرض التغيير الديمقراطي مدعاة لإثارة غضب الشعوب، حيث آليات الفرض تتعارض بحكم التعريف مع الهدف الديمقراطي الذي يرتكز على أسس من حرية الاختيار بالدرجة الأولى ولا يقبل بداهة إملاء الديمقراطية بالعنف. وتدلل على خطأ الحسابات الأميركية بما آلت إليه الأوضاع في العراق بعد الغزو الأميركي من فوضى وقمع للحريات واضطرابات وعنف مازال حتى الآن يحصد أرواح الأبرياء في بلاد الرافدين. وتؤكد المؤلفة على أن التغيير يجب أن يأتي من الداخل وليس من الخارج على متن دبابة، وإلا فإن النتائج ستكون كارثية وبعكس الآمال، وهو ما حدث في منطقة الشرق الأوسط ككل بعد الحرب في العراق، حيث باتت الجماهير العربية على قناعة بأن المشروع الديمقراطي قد تراجع في المنطقة وأصبح هدفاً بعيد المنال بخلاف الوعود الأميركية بشرق أوسط جديد أكثر انفتاحاً وديمقراطية.
الفصل الأخير من الكتاب يتمحور حول هدف أساسي يرنو إليه سكان الشرق الأوسط ويتلخص في كلمة واحدة هي التغيير. وترى «روبن رايت مؤلفة الكتاب أن من حق الشرق الأوسط أن يتطلع إلى التغيير سواء بحكم وجود هذه المنقطة في قلب العالم، وأيضا لأن أبناء المنطقة يتطلعون إلى تغيير حياتهم ودفع خطى التنمية والتقدم بفضل ما تحفل به منطقتهم من ثروات طبيعية وقدرات بشرية. من ناحية أخرى ترى المؤلفة أن هدف التغيير في الشرق الأوسط قد يعوقه ذلك الارتباط الشديد بالماضي، أو بمعنى آخر تلك التركة - الميراث الحافل من التاريخ الذي تنتمي إليه منطقة الشرق الأوسط. كيف لا وقد كانت منذ فجر الإنسانية موئلا لحضارات باذخة ومدنيات عريقة، فضلا عن كونها مهد الأديان السماوية الثلاثة ومطمعا لصراعات القوى الإمبريالية الكبرى من الشرق والغرب على السواء.
من هنا لا تتردد المؤلفة في أن تقول (ص 382): إن التغيير سوف يقتضي في غالب الأحيان فرز الماضي ومراجعة فصوله أو على الأقل تجاوزه، والتغيير عند القوى الفاعلة الكبرى في العالم - بالذات أميركا- يرادف تحقيق الديمقراطية وأيا كان الرأي في هذا الترادف، فإن المؤلفة تحاول تطبيق حكاية التغيير الديمقراطي على «الحالة العراقية» وهي من ثم تكتب الفصل الأخير من كتابها تحت العنوان التالي: العراق والولايات المتحدة: ثورات الغضب. والمعنى أنها ترى في فرض التغيير الديمقراطي مدعاة لإثارة غضب الشعوب، حيث آليات الفرض تتعارض بحكم التعريف مع الهدف الديمقراطي الذي يرتكز على أسس من حرية الاختيار بالدرجة الأولى ولا يقبل بداهة إملاء الديمقراطية بالعنف فما بالك فرضها بقوة السلاح. ويلفت النظر في هذه النقطة بالذات أن تعمد المؤلفة إلى تصدير الفصل المتعلق بالعراق بعبارة منسوبة إلى السياسي السوري المخضرم «رياض الترك» يقول فيها: لا يمكن أن يؤتى بالديمقراطية على ظهر دبابة.
والمؤلفة ترى في العراق ساحة منتفضة بالحركة أقرب إلى معرض أو متحف حي لتناقضات الشرق الأوسط ولمستقبل التفاعل بين عوامل هذه التناقضات بالسلب وبالإيجاب تقول «روبن رايت» (ص 393): من المستبعد أن ينجح التغيير في الشرق الأوسط اليوم إلا إذا ساد الاعتقاد لدى كل اللاعبين الرئيسيين على ساحة المنطقة - من سكانها - بأن كل طرف له مصلحة يحققها من وراء النظام الجديد المنشود.
وكتابنا يرى أن الكثير من دول المنطقة مازال يفتقر إلى آليات مؤسسة الدولة الحديثة. وهي تسوق الأمثلة من حالة العراق، وتسرد في هذا الصدد أخطاء النظام الحاكم السابق في بغداد بقدر ما تبدي معرفة بالتاريخ العريق للعراق منذ مراحل ما قبل التاريخ إلى الازدهار في ظل الخلافة الإسلامية إلى الثلث الأخير من القرن العشرين حيث كان العراق قد حظي بثروة نفطية وكوادر بشرية.
وفي المقابل تسرد المؤلفة من واقع تجربتها المباشرة ككاتبة صحفية أخطاء النظام السابق، بكل ما أثارته من مشاعر السخط إلى الحد الذي ساد فيه التصور بأن العراق كان كيانا مفعما بالرغبة في التغيير، وهو نفس التصور الذي ساد دوائر الحكم الأميركية من البيت الأبيض، إلى البنتاجون أو وزارة الخارجية في واشنطن. وبصرف النظر عن النوايا فقد كان الشعار الأثير المرفوع فوق لافتة براقة هو: الديمقراطية.
هنا تحيل المؤلفة بالذات إلى التعريف الذي أدلى به وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي السابق في معرض تبرير الحرب على العراق إلى نيويورك تايمز وقال فيه: «إن العراق سيتحول ليصبح أول كيان ديمقراطي عربي»، وتحت هذه اللافتة البراقة اتخذوا ونفذوا قرار الحرب على العراق في يوم 20 مارس عام 2003 ولم يكن من المصادفات أن خلعوا على الحرب الاسم الجذاب التالي:
عملية «الحرية» العراقية
وهي نفس العملية التي ما لبثت أن ساخت أقدامها وسط بحار من الرمال الخداعة من سوء التقدير وخطأ المعلومات وعشوائية القرارات إلى درجة أعادت إلى الذاكرة الجماعية الأميركية مشاهد مستنقع فيتنام، ومن ثم كانت النتائج سلبية بالنسبة للأميركي داعية الديمقراطية وبالنسبة للجانب العراقي الذي توهموه ملهوفا على لحظة التغيير.
تعمد مؤلفة الكتاب إلى استعراض الوضع العراقي قبل قرار الحرب الأميركي وتقول في صفحة 400 ان العراق كان قد عانى على امتداد عقدين من الزمن (الثمانينات والتسعينات) من ويلات الحرب (إيران والكويت) ثم من العقوبات الدولية، الأمر الذي أوصل «الدولة» العراقية إلى حال من الوهن والتآكل.
وعندما وصلت الإدارة الأميركية لم يكن هناك جهاز أو مؤسسة يمكن الركون إليها لإدارة الأمور، فقد تبخرت كيانات 17 وزارة من بين وزارات الدولة العراقية الواحدة والعشرين، فإذا بالضياع يشمل كل شيء: الملفات، المستندات والوثائق، بل كانت المباني الحكومية في ثاني أكبر عواصم العالم العربي قد نهبت ودمرت بما في ذلك تركيبات الحمامات وتوصيلات المرافق ولمبات الكهرباء، لم يبق كرسي واحد يصلح للجلوس.
واستفحلت الفوضى لدرجة ضاقت معها المعايش واضطربت الأحوال وخاصة بعد أن ارتكبت الإدارة الأميركية في عراق ما بعد الغزو أكبر خطأين تجسد كل منهما في قرار فادح من حيث العواقب والآثار: القرار الأول اتخذه المبعوث الأميركي بريمر بعد 4 أيام فقط من وصوله إلى عاصمة العراق، البلد العريق في التاريخ، الأصيل في مضمار الحضارة، شديد التعقيد من حيث السكان بتعدد العقائد والمذاهب والمشارب والأعراق.
ففي مايو 2003 أصدر بريمر القرار رقم واحد بحل حزب البعث وبالتالي أصبح أعضاؤه من موظفي دواوين الحكومة ومرافق الدولة بلا عمل وبالأدق بلا مورد للرزق. وفي الأسبوع الثاني من إقامته في بغداد، أصدر بريمر الأمر رقم 2 ويقضي بحل وتسريح الجيش العراقي بأكمله.
تعلق المؤلفة في هذا الصدد فتقول: كانت قوات الجيش العراقي العاملة في البر أو في الجو أو البحر تساوي في الأهمية حزب البعث الذي كان حاكما على مدار عقود، ولم تكن هذه القوات العسكرية حارسا لأمن البلاد وحسب بل كانت أكبر مستخدم، أكبر رب عمل في طول العراق وعرضه، ولذلك كان يعتمد على رواتبها أكثر من 400 ألف من الأفراد العسكريين وبمعنى آخر كانت مصدر إعاشة لأكثر من مليوني نسمة من عوائل العراقيين، وكم كانت النتائج فادحة على العسكريين وعوائلهم حين وجدوا أنفسهم وقد فقدوا الراتب والمعاش التقاعدي ولم يكن في العراق قطاع خاص يمكنهم التعويل عليه كمستخدم بديل وموثوق.
وفي كل حال كان في هذه الأخطاء الجسيمة ما يشكّل درسا مستفادا ومريرا في آن وتلخصه المؤلفة حين تقول في صفحة 409 أنه من الأفضل أن يتم التغيير دائما من الداخل، إن تنمو بذوره في الأرض نفسها وليس من خارجها، حينئذ يصبح التغيير أكثر مشروعية وأكثر ألفة إلى نفوس الناس وأكثر قدرة على التكييف مع ظروفهم واحتياجاتهم وأكثر مدعاة للمساءلة ونصب موازين الحساب، ثم تواصل روبن رايت الحديث لتضيف: وها هي التجربة الأميركية في العراق ما زالت تقف شاهدا بالغ الدلالة على ما نقول.
ثم تمضي المؤلفة لتحكي عن رابع زياراتها إلى العراق في أكتوبر عام 2006 وكانت ضمن الفريق الصحافي الذي رافق كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية في زيارتها إلى العاصمة بغداد: أحاطوا الزيارة بسياج من السرية، لم يبلغوا الفريق الصحفي إلا قبيل الإقلاع بساعات قليلة وكانت التعليمات ألا يخبروا أحدا عنها ولا حتى رؤساء تحريرهم ولا أفراد عائلاتهم.
بدأ الطيران أولا إلى قاعدة عسكرية في غربي تركيا، وبعدها على متن طائرة شحن مزودة بمقاومات ضد الصواريخ طارت 90 دقيقة إلى العراق. حلقوا فوق مطار بغداد ساعة كاملة لزوم إجراءات الأمن لحظة الهبوط، سلموهم جوازات وسترات واقية من الرصاص لارتدائها خلال رحلتهم على متن الهليوكوبتر الحربية التي يطل من نوافذها رشاشات الحماية. ولم يكن ممكنا ركوب السيارات، فقد كان الطريق أبعد ما يكون عن الأمان.
تعلق المؤلفة على هذا كله بسطر بليغ يقول: مع كل جزء من الرحلة، كانت الأخطار تتسع وكانت الحريات تزداد انكماشا، ومع ذلك سلمونا كتيبات ومنشورات تحمل على غلافها تحية رقيقة هي: مرحباً بكم في العراق. ومن صفحتها الأولى توالت التعليمات بالاختباء فوق أول ساتر أو جدار حيث الخطر «حقيقي جدا وداهم في أي لحظة» على نحو ما ورد بالحرف في سطور حزمة التعليمات ومع ذلك، تظل اللافتات مرفوعة تقول «استمتعوا بإقامتكم في العراق».
ومرة أخرى تضيف المؤلفة في معرض التعليق قائلة: في عام 2006 كانت أميركا تنفق نحو ملياري دولار أسبوعيا على العراق، مما جعل العام المذكور يشكل نقطة تحول «كارثية» في مسار الأمور. وعندما زارت الوزيرة رايس بغداد كان طاقم مرافقيها شبه محاصرين داخل أسوار القصر الرئاسي (السابق) بأكثر مما كان صدام حسين نفسه محاصرا في الأيام الأخيرة من رئاسته.
وهكذا - تؤكد المؤلفة ص (410) - إن أكثر عمليات التدخل الأميركية طموحا منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت أفدحها من حيث التكاليف وأشدها جسامة من حيث النتائج ويكاد يلخص هذه النتائج الكارثية تلك العبارات التي رددها الأكاديمي الأميركي العربي الأصل البروفيسور شبلي تلحمي حين قال: إن أغلبية الجماهير في كل بلد عربي باتت تعتقد أن الشرق الأوسط أصبح أقل ديمقراطية مما كان عليه الحال قبل حرب العراق.
هكذا جاءت النتائج على عكس الحسابات والآمال، وبالتحديد أصبحت - بتعبير مؤلفة الكتاب (ص 415)- على الشكل التالي: ما برحت أميركا تتصدى لمحاولة احتواء الضرر الذي حاق بها من حيث السمعة والنفوذ والمكانة فلم يكن هناك من مبادرات للسياسة الخارجية ما هو أفدح تأثيرا على قيم أميركا ومصالحها ومكانتها في جميع أنحاء العالم من مبادرة الحرب.
حقائق
* يبلغ عدد القوات الأميركية المنتشرة في العراق حالياً 147 ألف جندي.
* بلغت الخسائر البشرية الأميركية في العراق منذ اندلاع الحرب: 4134 قتيل وأكثر من 58 ألف جريح.
* أكثر من 100 ألف جندي عادوا من الخدمة في العراق يعانون من اضطرابات نفسية.
* بلغت تكاليف الحرب حتى أبريل 2008: 600 مليار دولار ويتوقع أن تصل التكاليف الإجمالية للحرب 3 تريليونات دولار.
* زاد الدين الوطني الأميركي بمقدار 5,2 تريليون دولار منها تريليون دولار بسبب الحرب في العراق.
* تتضارب الأرقام حول الخسائر البشرية العراقية، وتفيد إحدى الإحصائيات بأن الرقم يراوح 2,1 مليون عراقي.
* هناك 6,4 ملايين عراقي شردتهم الحرب عن منازلهم، لجأ منهم 5,2 مليون إلى الخارج وأكثر من مليونين نزحوا إلى مناطق داخل العراق.
* هناك ما يقارب 30 ألف أسير عراقي في السجون الأميركية في العراق.
* فقد العراق مليارات الدولارات من ثروته النفطية خلال سنوات الاحتلال عبر عمليات نهب وسلب تورط فيها بعض المسؤولين العراقيين.
الصفحات: 464 (كبير)
الكتاب: مستقبل الشرق الأوسط
تأليف: روبن رايت ـ عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: دار بنغوين ـ نيويورك ـ 2008


