وقع خبر غياب الشاعر الكبير محمود درويش كالصاعقة على كل الأدباء والمفكرين في كافة أرجاء العالم العربي الذين اعتبروا غيابه خسارة كبيرة، ليس لفلسطين فحسب وإنما للعالم بأسره، ألا أن اللافت كان ما نقلته مصادر مقربة من الشاعر الراحل عن طبيبه، أنه أصر على إجراء العملية رغم تحذير الفريق الطبي لدرجة أن الطبيب سأله: «لماذا تستعجل الرحيل هكذا».

في دمشق التي خصها درويش بأكثر من قصيدة، اعتبرت الناقدة خالدة سعيد أن «الخسارة عظيمة جداً» ووصفت غيابه بـ «الخسارة الكونية.. خسارة للشعر في العالم.. خسارة للضمير.. خسارة لأصوات الحق». وعبر الشاعر شوقي بغدادي عن صدمته العميقة، وأكد أنه لم يكن ليتخيل يوماً أن يطلب منه أن يرثي محمود درويش، بالقول «لم أكن لأتصور يوماً أنه سيموت.. كل الناس يمكن أن تموت إلا محمود درويش يجب أن يبقى على قيد الحياة.

كلنا بحاجة له»، وقال بغدادي بأن «من يقرأ شعر محمود حسب التسلسل الزمني لإصداراته يراجع فيها تاريخ القضية كاملة، من دون أن يكون التطابق بينها حرفياً، وإذ نراه أحياناً يختلف مع الخطة السياسية المرسومة ولكن من دون أن ينقلب عليها كما في ختام قصيدته المشهورة «مديح الظل العالي» حيث يقول: «ما أكبر الفكرة - ما أصغر الدولة!».

من جانبه قال الروائي خيري الذهبي إن محمود درويش حين خرج من عتمة الاحتلال إلى الساحة العربية وهو يهتف سجل أنا عربي، كان «ظاهرة متميزة في الساحة الشعرية والسياسية العربية»، وأنه «جعلنا فجأة نكتشف أن أولئك الرازحين تحتل الاحتلال ليسوا المتعاونين ولا الخانعين، بل ها هو وجههم الناصح يتألق مع قصيدة سجل أنا عربي».

ويرى الذهبي أن «درويش ذكرنا بالمتنبي.. وحتى حين حاول أن يتخلص من السياسي ليدخل في الشعري الكوني، ظل القارئ العربي لا يعرف محمود درويش إلا من خلال السياسي، وظل قدره أن يكون فلسطين أن تكون فلسطين محمود درويش لنصف القرن الأخير».

وفي القاهرة، قال الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي «إن محمود درويش كان قيمة شعرية كبيرة.. دائم العطاء.. وعبر عن القضية الفلسطينية بطريقة لم يستطع غيره أن يمثلها، وتعامل بشكل احترافي مع الحداثة بحيث إنه لم يجعلها تتغلب عليه». ولفت إلى أنه قابل خبر وفاة محمود درويش بحزن جديد لدرجة أنه لم يستطع التحدث مع أي إنسان يوم أول من أمس «وقت إذاعة الخبر» واحتاج يوما كاملا ليتمكن من التحدث عن الشاعر الكبير الراحل محمود درويش.

وقال الروائي المصري علاء الأسواني في تصريح ل«البيان» إن «هناك شعراء تصنعهم القضايا، ولو لم توجد هذه القضايا لما وجد هؤلاء الشعراء، لكن درويش يختلف تماما، فحتى لو تم حل القضية الفلسطينية سيظل درويش علما فلسطينيا وعربيا على الدوام». وشدد الأسواني على أن فلسطين وقضيتها كانت دائما في قلب وعقل ووجدان الراحل محمود درويش لدرجة أن آلاف الفرنسيين الذين كانوا يستمعون لشعره المترجم، كانوا يتأثرون به لدرجة كبيرة رغم أن الترجمة تفقد الشعر بعضا من معانيه.

ومن ناحيته كشف الناقد والشاعر أحمد الشهاوي أن درويش يكتب نصا إنسانيا يليق بشاعر فلسطيني، وليس نصا زاعقا أو مباشرا، وأشار إلى أن نص درويش كنص المتنبي عابر للزمان والمكان، وأنه سيبقى معمرا طويلا كأسلاف درويش، ليس بالعربية فقط، ولكن باللغات الأخرى، ويكفى أن يعرف الجميع أن شعراء العالم لا يعرفون من الشعر العربي الحديث إلا محمود درويش وأدونيس.

وفي عمان رثاه صديقه القديم زهير أبو شايب الذي قدمه في آخر حفل توقيع لكتابه «أثر الفراشة» بالقول إننا سنحتاج إلى ألف سنة أخرى لنجد قامة شعرية وثقافية لا تمثل او تقدم القصيدة فحسب بل تقدم الوجدان العربي بأكمله، مثل الشاعر محمود درويش. وأكد أبو شايب أن درويش لم يمت قبل موته بثانية وبقي متوقداً بكامل حيويته حتى آخر لحظة بالرغم من تعبه وإرهاقه لم يكن مطفأ.

كما رثاه صديقه الشاعر يوسف عبد العزيز بالقول: ظل هذا الشاعر يحدب على الشعر، ويقود به في المناطق الصعبة. لقد أصابتنا نحن الشعراء وفاة درويش بيتم كاسح ففي عصر الانحطاط. «لقد كان مشروعه الإبداعي بمثابة معجزة، فقد اشتغل على التفاصيل الدقيقة واليومية والحياتية للإنسان الفلسطيني والعربي وكل ذلك من خلال شعر محتكم ومتدفق وحار».

وفي فلسطين، قال مدير بيت الشعر الفلسطيني الشاعر مراد السوداني: « لقد خسر الفلسطينيون واحدا من سدنة الشعر الفلسطيني إن لم يكن رأس الحرب الثقافية.. ترجل فارس الفرسان وزين الشباب كما قال في ديوانه عاشق فلسطين. تحققت نبوءته حينما قال في جداريته:

سأصير يوما فكرة

سأصير يوما شاعرا

سأصير يوما ما أريد..

العواصم ـ «البيان»