تعددت الروايات في الحديث عن أصل الحياة في جزيرة سريلانكا، وكان أكثرها إثارة وغرابة، هو ما جاء على لسان بعض الرحالة والمؤرخين والرواة العرب من أن سيريلانكا هي المكان الذي هبط فيه آدم، أبو البشر، من الجنة، بعد أن هبط منها. ولعل مصدر هذا الخيال والتخيل هو ما تتمتع به الجزيرة، في موقعها الجغرافي المتميز، من جمال وغنى في طبيعتها. فهي تمتاز بشواطئها وخلجانها الرائعة، التي تحيط بها من جميع الجهات. وتمتاز بجبالها الشاهقة، المطلة على آفاق لا حدود لها. كما تمتاز بغابات كثيفة شاسعة.
زيارتي الأولى لسريلانكا كانت في أواخر عام 1958، للمشاركة في اجتماع للجنة التنفيذية لاتحاد الشباب الديمقراطي العالمي التي كنت عضواً فيها، باسم شبيبة لبنان وشبيبة البلدان العربية. وكان اسم الجزيرة، في ذلك الحين، سيلان بالعربية، وسيلون بالإنجليزية. والانطباع الذي بقي عندي من تلك الزيارة هو أن البلاد جميلة، وأنها أقرب ما تكون إلى حديقة كبيرة تزدحم في أرجائها شتى أنواع الأشجار الاستوائية، المثمرة وغير المثمرة، وشتى أنواع الأزهار، وشتى أنواع النباتات المتعددة المنافع، في الأطعمة والعقاقير، على حد سواء.
لذلك فقد كنت شديد الشوق لمعرفة طبيعة التغيرات التي حصلت في الجزيرة خلال الأعوام الستة والثلاثين التي كانت تفصل بين زيارتي الأولى للجزيرة في عام 1958 وزيارتي الثانية إليها في عام 1994. وكانت تلك الزيارة الثانية بمثابة الامتحان لذاكرتي التي كانت قد بدأت تشيخ، وهي تختلط بصور الأمكنة وبتحولات الأزمنة. كما كانت تلك الزيارة امتحاناً، على أرض الواقع، لناتج الجهد، الذي بذله الأوائل من رواد النهضة الحديثة في الجزيرة، لإحداث التغيير في اتجاه الارتقاء بها.
لقد تمت تلك الزيارة الثانية في منتصف شهر يوليو من عام 1994، تلبية لدعوة شخصية من صديقين: الأول هو مناضل قديم من قيادة الحزب الشيوعي السيرلنكي، مقيم في القاهرة، ممثلاً بلاده في سكرتارية منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. أما الثاني فهو محام كبير، رئيس المركز الثقافي الإسلامي في سريلانكا.
والتقت رغبة الصديقين على أن يكون للزيارة طابع اجتماعي وسياحي، وسياسي وثقافي في الوقت عينه. ذلك أن الصديق المحامي كان يريدني أن أحضر حفل زفاف ابنتيه، وأن تكون المناسبة مجالاً لإعادة علاقاتي القديمة مع الأشخاص والأمكنة وأحداث التاريخ، ومع المستقبل، في آن.
وكنت مصمماً، منذ أن قبلت الدعوة، على بذل أقصى الجهد لمعرفة ما يجري في الجزيرة وفي جوارها، وفي القارة الهندية عموماً، في ذلك المنعطف التاريخي الكبير، في حياة المنطقة والعالم، وأن أسهم في تأسيس علاقة من نوع مختلف بين الشعب اللبناني والشعب السريلانكي، الذي يعيش ما يقرب من مئتي ألف من مواطنيه في بلادنا، داخل كل بيت وعائلة.
ويحملون همومهم الخاصة، وهموم عائلاتهم البعيدة، وهموم شعبهم، وهموم الناس، المختلفين في المواقع والظروف، الذين يعيشون معهم في لبنان. وتجربة السريلانكيات، خصوصاً، والسريلانكيين، وهم قلة، في لبنان، وربما في أماكن أخرى في العالم، تجربة مرة، حافلة بالمآسي، من جراء القهر، الذي انتهت بعض فصوله بجرائم قتل وبجرائم انتحار.
أسبوع كامل قضيته، في زيارتي الثانية تلك، متنقلاً داخل كولومبو العاصمة، وفي مدينة كاندي، المدينة الجميلة التي تبعد ما يقرب من مائة ميل عن العاصمة.
أول ما اكتشفته، منذ لحظة الوصول، في الطريق من المطار إلى العاصمة، هو أن الجزيرة باقية في موقعها. لم تزحزحها من مكانها التاريخي لا أمواج المحيط المتلاطمة من حولها، ولا الرياح والأمطار الاستوائية، ولا الأحداث الكبرى، وأعاصيرها وزلازلها. واكتشفت أن جمالها الطبيعي هو ذاته، وأن الحديقة التي كانت، منذ ستة وثلاثين عاماً، تحمل اسم سيلان، ازدادت اتساعاً، خلال تلك الأعوام، وإن عودتها إلى اسمها الأصلي سريلانكا ليس إلا مظهراً من مظاهر الانفجار الجديد لمسألة الهوية القومية لا أكثر.
بعض الأبنية الضخمة الجديدة، في العاصمة كولومبو، بدت لي وكأنها جسم غريب في غابة من الأبنية، الفقيرة منها والغنية، المزينة جميعها، من دون تمييز، بالأشجار من كل الأنواع.
ومصدر الغرابة، في نظري، في هذا العمران المحدد والمحدود، هو في أن تلك الأبنية المشار إليها، فنادق ومراكز تجارية وبنوك، لم تكن تشير إلى أن البلاد انتقلت من تخلفها المزمن إلى عصر الازدهار. فالجزيرة، بهذا المعنى، كانت لا تزال باقية في موقعها القديم، غنية في ثرواتها، فقيرة في مواردها، تراوح في النمو ولا تتقدم، خلافاً لما كان يطمح إليه أبطال مرحلة الاستقلال.
وفي مقدمتهم الزعيم الكبير باندرانيكا، شريك نهرو وشو آن لاي وسوكارنو وتيتو وعبد الناصر في خمسينات وستينات القرن الماضي في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي ولدت في أعقاب مؤتمر باندونغ الشهير، الذي عقد في عام 1955. أما مدينة كاندي، المدينة الثانية، فقد ظلت أكثر التصاقاً بتراث الجزيرة وبتاريخها. وهي مدينة جميلة خضراء، تتوزع فيها الأبنية السكنية والفنادق والمؤسسات الحكومية، وقصر العدل، ومجلس القضاء الأعلى، والجامعة، والمستشفى، تتوزع تلك الأبنية بين تلالها ومنحنياتها ووديانها الصغيرة.
وتقع، إلى جانب الوسط التجاري، بحيرة كبيرة، ومعبد بوذي مهيب، يقول أهل المدينة، وأهل الجزيرة، أنه من أكبر وأقدم المعابد البوذية في العالم، ومن أكثرها تميزاً. وكان المعبد ذاته، في الماضي، أيام الملكية القديمة، يحتوي على جناح كبير، في الطوابق العليا. وكان ذلك المعبد، بالضرورة الدينية والسياسية، المقر الرسمي لملك البلاد.
إذ، بموجب الديانة البوذية وبموجب التقاليد السنهالية، لا مكان للملك خارج المعبد. منه يستوحي ويستلهم، وفيه يمارس العبادة، ومن داخل جدرانه يضع القرارات، ويسيّر، بموجبها، شؤونه وشؤون البلاد والعباد. وغير بعيد من الساحة الرئيسية، في منحدر صغير، تقودك الطريق إلى حيث الحديقة النباتية، التي تشكل متحفاً حياً، مزدهراً بكل أنواع الأشجار والنباتات الموزعة إلى مناطق ومجمعات، تعبّر كل مجموعة، وكل منطقة منها، عن نوع معين من النباتات والأشجار والأزهار، تاريخها، وطبيعتها، ومميزاتها، وفوائدها.
في منتصف الطريق بين العاصمة كولومبو وكاندي تقع مزرعة التوابل، التي تتعدد أنواعاً وروائح وفوائد. وتشكل تلك التوابل، كما هو معلوم في التاريخ، ومنذ القدم، أحد أهم مصادر الثروة والدخل القومي للجزيرة. وتنتشر على امتداد الطريق الطويل، مزارع الشاي، وجوز الهند، والأناناس، والموز، وسواها من المزارع التي لا حصر لها ولأنواعها. ومن عجائب الموز في الجزيرة أن أنواعه المتعددة والمختلفة تصل إلى خمسين نوعاً.
ولقد فاتني لضيق الوقت، ولسوء استخدامه، وبسبب ضعف الذاكرة، أن أزور متحف أحمد عرابي، زعيم الثورة المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، الذي نفته سلطات الاستعمار البريطاني، بعد فشل ثورته، إلى سريلانكا. وقد اهتمت حكومة سريلانكا بالمتحف، واهتم به أهل مدينة كاندي. وهو المنزل الذي أقام فيه أحمد عرابي في منفاه. ويضم المتحف بعض مخطوطات وصوراً عن قرارات كان اتخذها ذلك الزعيم الثوري المصري، أبان ثورته، ومقطوعات من شعر محمود سامي البارودي، رفيقه في الثورة وفي المنفى.
ما شاهدته في الفترة الزمنية القصيرة التي قضيتها في كولومبو وكاندي، لم يكن كافياً لمعرفة ما ينبغي عليَّ معرفته عن الجزيرة، حاضرها وماضيها، واقعها الاقتصادي والاجتماعي، وثرواتها، ووتائر النمو فيها، وقواها السياسية، وصراعاتها، والقضايا والمشاكل التي كانت تواجهها، وآفاق التطور التي كان يحلم باندرانيكا، المؤسس لاستقلال الجزيرة، أن تسير في اتجاهه وترتقي إليه.
فكان من الطبيعي أن أستعين بأهل البلاد من أصدقائي وممن أتيح لي أن ألتقي بهم من رجالات السياسة، في الحكم وعلى هامشه. وكان عليّ، في الوقت ذاته، أن أعود إلى بعض المراجع التاريخية من هنا ومن هناك. ولست، في أي حال، في هذه الانطباعات، لأقدم معرفة كاملة وشاملة عن الجزيرة، إلا ما بدا لي ضرورياً تعريف القارئ العربي به.
استقلت سريلانكا في أوائل خمسينات القرن الماضي. وبرز اسمها مع اسم بندرانايكا في عداد الدول التي قررت سلوك طريق مستقل للتطور، في إطار حركة عدم الانحياز.
ولقد قاد بندرانايكا البلاد في ائتلاف وطني شارك فيه الشيوعيون وأهل اليسار منذ البداية، بأشكال وصيغ ونسب مختلفة. لكنه اغتيل على يد راهب بوذي في عام 1959، قبل أن يستكمل تحقيق برنامجه للنهوض بالجزيرة. لكن التهمة في اغتياله وجهت ، في ذلك الحين، إلى المخابرات الأميركية «سي.اي.إيه». إذ لم يكن الراهب البوذي سوى أداة.
واحتلت زوجة بندرانايكا المنصب والموقع اللذين كان يحتلهما الزعيم الراحل. وجاء ذلك من قبل الشعب اختياراً يحمل دلالتين في آن: الدلالة الأولى هي أن هذا الاختيار لزوجة الزعيم الراحل إنما جاء تقديراً للكفاءة وللشجاعة وللقرار المستقل، الصفات التي كانت تتمثل جميعها بتلك المرأة.
إذ هي لم تكن مجرد زوجة لقائد تاريخي، بل كانت زعيمة سياسية بكل المعاني. الدلالة الثانية هي أن الاختيار كان للحزب الذي تسلمت قيادته زوجة الزعيم الشهيد. كان ذلك تعبيراً عن الوفاء للرجل الذي أرسى، بكفاحه، وبمواقفه، وبقراراته، وباستشهاده، طريقاً جديداً لتطور البلاد. وكان ذلك الطريق يحمل، في حينه، أحلام ومعاني الاستقلال عن الاستعمارين القديم والجديد.
لؤلؤة المحيط المقدسة
أسبوع سياحي وتاريخي وثقافي وسياسي هو ذلك الأسبوع الذي قضيته، قبل 14 عاماً، في جزيرة سريلانكا.
ورغم أن زمناً قد مر على تلك الزيارة، فإن انطباعاتي عنها لا تزال حية في ذاكرتي. بل ان الوقائع السابقة لاتزال هي ذاتها، من دون تغيير جوهري. فماذا شاهدت في تلك الجزيرة الساحرة؟
إنها لؤلؤة المحيط الهندي. فتلك هي الصفة التي تطلق على تلك الجزيرة الواقعة في مدخل المحيط الهندي من الجهة الجنوبية للقارة الهندية، على مسافة 50 ميلاً من ولاية مدراس الهندية. ومدراس هذه المركز الأصلي لقومية وشعب التاميل (60 مليون نسمة) الممتدة جذورهم إلى سريلانكا، وطنهم الحالي، والموزعين في حركة اغتراب واسعة تشمل العديد من بلدان العالم.
إلا أن لجزيرة سريلانكا أسماء تعددت، عبر التاريخ، وحملت معاني ودلالات لا تتسم جميعها بالوضوح. اسمها الحالي هو سريلانكا. حملته بعد الاستقلال بعقدين من الزمن. في العام 1972.
وهذا هو الاسم الأصلي الذي عرفت به منذ أقدم العصور. وهو اسم مركب من كلمتين: لانكا وسري. أما «لانكا» فلها تفسيران منفصلان ومتحدان: الأول يشير إلى التقديس، والثاني يشير إلى الجمال. في حين أن «سري» هي صفة تعظيم تضاف إلى «لانكا»، والغريب هو أن العرب سموا الجزيرة باسم «سرنديب». وهي كلمة لم أستطع أن أعرف جذرها. لكن «سيلان» هو الاسم المعاصر الذي يمتد تاريخ علاقته بالجزيرة إلى بضعة قرون خلت. وبدأ استخدام ذلك الاسم، حسب الرواة السنهاليين (القومية الأكبر في الجزيرة)، مع الاحتلال البرتغالي للجزيرة، في أوائل القرن السادس عشر (1505).
واستمرت الجزيرة تحمل ذلك الاسم خلال الاحتلال الهولندي (1675)، ومن بعده الاحتلال الإنجليزي، الذي بدأ في العام 1802، واستكمل في العام 1815. ويقال ان اسم «سيلان» هو تحوير لاسم «لانكا».
كريم مروة
