بشهادة الأميركيين أنفسهم، صارت الولايات المتحدة على يد إدارتها الحالية التي تستعد للرحيل، في طليعة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. بل استحدثت تشريعات وقوانين جديدة أدى تطبيقها إلى ارتكاب جرائم حرب يعاقب عليها مرتكبوها من خلال محاكم دولية على رأسها المحكمة الجنائية الدولية. للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة يتم تدريب عناصر أميركية على تعذيب سجنائها جاعلة من التعذيب قانونا.

ولذلك لم يكن غريبا أن تعلن الإدارة الأميركية ـ والمقصود فقط إدارة الرئيس جورج بوش- انسحابها من معاهدة تشكيل المحكمة عام 2002. يومها برر وزير الخارجية الأميركي ـ آنذاك ـ كولن باول الانسحاب، زاعما أن الانضمام إلى المحكمة يحد من شأن السلطات القضائية الأميركية لأنه سيكون بمقدورها مراجعة الأحكام التي يصدرها القضاء الأميركي ضد أشخاص مثلوا أمامها. ولكن الحقيقة غير ذلك، فسبب الانسحاب من معاهدة المحكمة هو أن تتجنب الإدارة الأميركية

محاكمة أميركيين أمام هذه المحكمة مستقبلا بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وهذه الإدارة كانت على يقين تام بأن هناك من سيحاول إقامة دعاوى قضائية على الجنود الأميركيين المنتشرين في أماكن عديدة من العالم على رأسها العراق وأفغانستان.

ولا يمكن أن ننكر أن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، كان قد وقّع على المعاهدة في نهاية عام 2000، لكنه لم يعرضها على الكونغرس الذي كان ثائرا عليها. وما أن أتى الرئيس بوش وجيش المحافظين الجدد الذي يحكم الولايات المتحدة، حتى أعلن عن سحب الموافقة الأميركية على قانون المحكمة وعدم الاعتراف بتوقيع إدارة كلينتون عليها.

وعلى الرغم من أن أي متهم بارتكاب جرائم حرب لن يفلت من عقاب المحكمة الدولية، فلا أحد يجرؤ في ظل السطوة الأميركية على العالم أن يحاكم جنديا أميركيا ولا نقول رئيسا.

الولايات المتحدة بشهادة أميركيين، صارت الدولة الأولى في العالم في تبرير انتهاكات اتفاقيات جنيف التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية والتي تحتفظ وزارة الخارجية الأميركية بنسختها الأصلية في واشنطن. هذا ما تقوله الصحافية الأميركية جاين ماير في كتابها الجديد المثير «الجانب المظلم».

اتهمت من خلاله إدارة بوش بانتهاك اتفاقيات جنيف عبر ممارستها التعذيب في حربها على الإرهاب، تلك الحرب التي تحولت إلى حرب على المثل العليا الأميركية ( كما جاء على غلاف الكتاب). واعتمدت ماير في اتهاماتها على تقرير للجنة الدولية للصليب الأحمر التي التقى العاملون بها مع 14 معتقلا من المتهمين بالإرهاب.

والتقرير لم ينف ما به وتسلمته الاستخبارات الأميركية «سي.اي.ايه» التي رفعته بدورها إلى الرئيس بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. والكتاب تطرق على سبيل المثال إلى حالة أبو زبيدة ابرز قياديي تنظيم القاعدة الذي ألقت الولايات المتحدة القبض عليه وأقرت «سي اي ايه» بأنه اخضع لتقنية «الايهام بالغرق». وهو أسلوب من أساليب التعذيب حسب تأكيد اللجنة الذي حذر من أن هذا الانتهاك يشكل جريمة حرب تضع كبار المسؤولين في الحكومة الأميركية في موضع يمكن فيه محاكمتهم.

فالإدارة الأميركية اعتقلت سرا ومن دون توجيه اتهامات آلاف الأشخاص في معتقل غوانتانامو وسجن ابو غريب في العراق وسجون أخرى في أفغانستان أو سواها من الدول ومن بينها دول أوروبية . هؤلاء المعتقلون وبعضهم أبرياء تعرضوا للتعذيب مما أدى إلى خلق ما يشبه معسكرات «الغولاغ»، وهو اسم معسكرات الاعتقال الشهيرة في الاتحاد السوفييتي سابقا. وتداول الاسم بعد ظهور رواية الكاتب الروسي الكسندر سولجينتسين عام 1973 التي حملت اسم «أرخبيل الجولاج» إذ تحدثت عن المعتقلات السرية في زمن الاتحاد السوفييتي.

الجولاج الأميركي الذي يشمل مثلث الاعتقالات.. غوانتانامو بكوبا وأبوغريب بالعراق وباغرام بأفغانستان.. تضاف إليه ما سميت بالمعتقلات الطائرة. فقد تواطأت دول أوروبية في الرحلات السرية التي نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي اي ايه) لنقل معتقلين يشتبه بضلوعهم في الإرهاب.

والى جانب المعتقلات الطائرة، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في الآونة الأخيرة تقريرا على صفحتها الأولى، تحت عنوان «الولايات المتحدة متهمة باحتجاز متهمين بالإرهاب في سجون على متن السفن». كشفت عن قصة «السجون العائمة» التي تتخذ منها واشنطن معتقلات لمن تلقي عليهم القبض بعد أن تشتبه بارتكابهم أعمالاً إرهابية.

وينقل التقرير عن محامين يعملون في جمعيات ومنظمات لحقوق الإنسان قولهم إن الأميركيين سعوا لإخفاء عدد وأماكن تواجد هؤلاء المعتقلين.

ويقول هؤلاء المحامون إن المعلومات المتعلقة بهذه السجون العائمة، تكشفت عبر مصادر عدة، بما فيها بيانات صادرة عن البنتاغون والمجلس الأوروبي وهيئات برلمانية مهتمة بالموضوع، بالإضافة إلى شهادات السجناء أنفسهم.

ووفقا للتقرير المذكور، فإن الولايات المتحدة لربما تكون قد استخدمت 17 سفينة كسجون عائمة منذ عام 2001، حيث يتم استجواب المعتقلين على متن تلك السفن قبل أن يتم تسليمهم إلى جهة ثالثة لا يجري الكشف عنها.

ومن بين تلك السفن التي استخدمت كمعتقلات: «يو إس إس باتان ويو إس إس بليليو» و15 سفينة أخرى يُعتقد أنها أبحرت في المياه الإقليمية البريطانية في منطقة دييجو جارسيا في المحيط الهندي التي استخدمت كقاعدة عسكرية من قبل كل من البريطانيين والأمريكيين.

وكشف تقرير الصحيفة البريطانية عن معاملة الأميركيين لجون ووكر ليند، المعروف بطالبان الأميركي. فقد نشرت صورته وهو مجرد من ملابسه وعُصبت عيناه بإحكام وقُيدت يداه. وجرى التحقيق مع ليند في أفغانستان قبل أن يُنقل إلى السفينة «يو إس إس بليليو»، ومن ثم حكم عليه بالسجن عشرين عاما.

تقرير الجارديان يكشف أيضا عن أن عدد المعتقلين في الحرب الأميركية على الإرهاب ـ حسب الأميركيين أنفسهم- قد بلغ 80 ألف شخص.

منظمة العفو الدولية «أمنيستي»، بدورها أدانت إصرار الإدارة الأميركية على إضعاف حظر التعذيب ومواصلة الاعتقالات السرية ومنح الحصانة للشركات الأمنية في العراق، وقالت إن واشنطن تفوقت في تحدي القانون الدولي، وإنها أثبتت زيف دعوتها للديمقراطية.

المنظمة انتقدت رفض المسؤولين الأميركيين إدانة استخدام أسلوب (الإيهام بالإغراق) الذي ذاع صيته السيئ، وموافقة الرئيس بوش لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية )ةء( مواصلة الاعتقالات والتحقيقات السرية رغم أنها تُعد بمثابة جريمة دولية هي جريمة الإخفاء القسري.

ولم يكن غريبا أن تعقد في أواخر يوليو الماضي جلسة استماع بالكونغرس الأميركي، دعا خلالها نواب ديمقراطيون دينيس كوسينيش مرشح الحزب الديمقراطي السابق لانتخابات الرئاسة.إلى إقالة الرئيس جورج بوش من منصبه. اتهموه بارتكاب جرائم كبرى تبرر إقالته لأنه تلاعب بالاستخبارات وأجاز تعذيب الأسرى وتجاهل سلطات المراقبة من الكونغرس.

«أمنيستي» من جانبها، كشفت عن حصيلة سياسات بوش، وقالت إن أملها في الرئيس المقبل الذي سيخلف، إذ سيترتب عليه ترميم «السلطة الأخلاقية» الأميركية بإغلاق معسكر غوانتانامو ونبذ استخدام التعذيب.

إن حصيلة سياسات بوش سيئة، والأمل كما تقول «أمنيستي» في الرئيس المقبل الذي سيخلفه، إذ سيترتب عليه ترميم «السلطة الأخلاقية» الأميركية بإغلاق معسكر غوانتانامو ونبذ استخدام التعذيب.

العدالة الدولية مفقودة مادامت إسرائيل بلا عقاب

عندما نتحدث عن المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة مجرمي الحرب في لاهاي أو أية مؤسسة قانونية دولية.. فسنجد أن الأمم المتحدة التي من المفترض أنها الراعي الأول لشؤون المجتمع الدولي الذي يردع كل من تسول له نفسه الإضرار بالأمن والسلم الدوليين، عاجزة عن إحالة أي ملف يتعلق بجرائم إسرائيل إلى تلك الجهات القانونية التي ظهرت أمام العيان الآن بأنها سيف على رقبة الصغار، وخير دليل على ذلك معالجتها لقضية دارفور.

فمجلس الأمن الجهة العليا والرئيسية في الأمم المتحدة، هو الذي أحال تلك القضية إلى المحكمة الدولية، وفيما بعد طلب مدعيها العام اوكامبو من قضاة المحكمة إصدار أمر باعتقال الرئيس البشير بسبب جرائم ارتكبت في دارفور.

والمجلس الموقر.. رغم الضغط العربي والإفريقي.. يرفض من خلال من يعتبرون أنفسهم في داخله علية القوم، تنفيذ المادة 16 من قانون المحكمة التي بمقتضاها يمكن للمجلس أن يصدر قرارا يوقف تحقيقات المحكمة. السبب.. أنه السودان، أو غيره من الدول التي تصنف بأنها من فصيلة الفقراء والمحتاجين. ولذلك، صارت دارفور هي الشغل الشاغل للقائمين على شؤون المجتمع الدولي الذين ـ بلا حرج أو خجل ـ يطبقون سياسة المعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين.

أما إن كان الأمر يتعلق بإسرائيل.. فحدث ولا حرج. تصم الآذان لتتجاهل أنين المتضررين من جرائم الحرب الإسرائيلية التي لا حصر لها. مع أن من يجمع كافة التقارير التي بثتها منظمات حقوق الإنسان ـ وعلى رأسها العفو الدولية »أمنيستي« و»هيومان رايتس« الأميركية ـ سيجد أن لإسرائيل السبق والريادة في ارتكاب كافة أشكال جرائم الحرب التي تحدثت عنها المحكمة الجنائية الدولية وغيرهما من المحاكم التي أقامها الكبار وثبت أن الهدف منها معاقبة الصغار.

معظم الجرائم التي أتت بها المحكمة، ارتكبتها إسرائيل أمام أعين المراقبين.

هذه الجرائم التي تخضع لاختصاص المحكمة، هي: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجرائم العدوان. وكلها تنطبق على الدولة العبرية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني.

من هنا كان طبيعيا أن ترفض إسرائيل الانضمام للمحكمة. وراح وقتها المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية إلياكيم روبنشتاين يبرر ذلك، قائلا (إنها تحمل صبغة سياسية، وأن جهات متعاطفة مع الفلسطينيين ستقدم دعاوى قضائية ضد إسرائيل إزاء الهجمات العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جانب بناء المستوطنات).

ومع أن عدم الانضمام للمحكمة لا يمنع تقديم لوائح اتهام ضد إسرائيليين، وهو ما طبق مع السودان الذي لم ينضم للمحكمة، إلا أن تحريك دعوى من مجلس الأمن إلى المحكمة، سيظل مستحيلا، مادام هناك سلاح الفيتو الأميركي الذي يستخدم في الحال عندما يفكر أي عضو في المجلس معاقبة الدولة العبرية.

الجدار العنصري

نماذج من جرائم الدولة العبرية ضد الفلسطينيين

وفقاً لفتوى محكمة العدل الدولية قبل أربع سنوات، يعتبر الجدار العنصري الذي أقامه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون، انتهاكا لقواعد القانون الإنساني الدولي. والمستوطنات التي تحاصر الضفة الغربية وتبتلع مساحات شاسعة منها وهدم المنازل ممارسات تخالف اتفاقية جنيف الرابعة.

ونقاط المراقبة تنتهك أيضا اتفاقيات حقوق الإنسان التي تنص على حرية التنقل.

وحصار غزة وبعض المدن الفلسطينية من حين لآخر تشكل عقاباً جماعياً للشعب الفلسطيني. وعلى سبيل المثال استشهد 216 فلسطينيا من الجنسين في غزة، بسبب الحصار الذي منع سكان القطاع من السفر لتلقي العلاج بالخارج.

ويتهدد الموت قائمة طويلة من الحالات المرضية في غزة، بسبب الحصار وإغلاق المعابر ونقص العلاج اللازم نتيجة الحصار.

ويضاف إلى ذلك أيضا استخدام إسرائيل للرصاص المطاطي ضد الفلسطينيين وهو مخالف لقوانين الحرب.

الضمير الغائب عن الحق

ماداموا قد فتحوا ملف دارفور.. وأرضونا بفتح ملف سفاح الصرب رادوفان كارديتش حتى لا نغضب.. فلماذا لانفتح الملفات التي غابت عن ضمير حماة القانون الدولي الذين يتعامون عن رؤية الحق؟

لا يمكن إنكار أن هناك تجاوزات خطيرة حدثت في إقليم دارفور، ولابد من محاسبة الذين تسببوا في معاناة أبناء هذا الإقليم المنكوب. ولكن أليس من العدل أن تتساوى الرؤوس وتطبق العدالة الدولية بحذافيرها.. أم أن القائمين على شؤون المجتمع الدولي لا يريدون سوى رأس من لا يستجيب لسياستهم ويرفض أن يرضخ لطلباتهم.

نعم.. هناك معاناة في دارفور.. لابد من وضع حد لها.. ولكن ألا توجد معاناة في فلسطين؟

مأساة دارفور عمرها خمس سنوات.. ونكبة فلسطين تجاوزت الستين عاما وفصولها دامية على مر السنين بدءا من مذابح دير ياسين وكفر قاسم ومرورا بمذابح صبرا وشاتيلا (1و2) وقانا وجنين وغيرها من المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في وضح النهار أمام أعين العالم.. فصور القتلى بما فيهم الأطفال بثتها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام في كل مكان، في حين أن ما جرى في دارفور جاءنا عبر أقوال شهود، وضحايا المعارك في هذا الإقليم من الصعب التأكد من عددهم الصحيح.

نعم.. هناك انتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور.. لا سكوت عليها. ولكن أليست هناك ممارسات إسرائيلية.. كلها تندرج تحت أشكال الجرائم التي حددتها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة مجرمي الحرب في لاهور؟

معظم هجمات إسرائيل على الفلسطينيين موجهه ضد المدنيين. تعمدوا العدوان على المدنيين في صبرا وشاتيلا بلبنان عامي 1982و2006. وتحت مسمى عناقيد الغضب، أمر الرئيس الإسرائيلي الحالي شيمون بيريز الحائز على جائزة نوبل للسلام!!- بضرب الفلسطينيين في قانا.

وجرائم شارون وباراك لا حصر لها. وكلها تندرج ضمن جرائم الحرب التي نصت عليها المحكمة الجنائية الدولية في إحدى موادها التي تقول« شن هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين بصفتهم كذلك، أو ضد الأفراد المدنيين الذين لا يشتركون في الأعمال الحربية، يعتبر جريمة حرب».

أليس الحصار الذي فرضته إسرائيل طويلاً على قطاع غزة الذي مازال يئن من وطأة التعسف الإسرائيلي والذي شمل عدم السماح بوصول المساعدات الإنسانية، هو شكل آخر من جرائم الحرب؟ إن عدد المرضى المتوفين جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة بلغ 216 حالة آخرهم مواطن فلسطيني كان يعاني من مرض السرطان، ومنعته إسرائيل من السفر لتلقي العلاج بالخارج.

للأسف سيظل ملف جرائم إسرائيل مغلقاً، ولن يكون السبب وحده هو الولايات المتحدة التي تضمن الحماية الكاملة للدولة العبرية من أي عقاب دولي. وإنما المسؤول عن ذلك أيضاً هم أولئك الصامتين من العرب، الذين اكتفوا ببث بيانات تصدر فقط كلما اشتد الألم بالفلسطينيين. أما المخططات الإجرامية التي تنفذها إسرائيل وآخرها الجدار العنصري الذي أقامه شارون ويكمله زبانيته، فلا حراك عربي لإنقاذ ما تبقى من فلسطين. اكتفينا بأن قالت محكمة العدل الدولية قبل أربع سنوات إن الجدار غير شرعي. والتزمنا الصمت وكأننا نرضي إسرائيل التي تفرض الأمر الواقع تحت مظلة الصمت العربي.

حسن صابر