كان عام 2005 علامة فارقة لا سابق لها في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية، حين رسم المجتمع الدولي خطاً سياسياً فاصلاً بين الدولتين بواسطة القرار 1559 الذي دعا سوريا للمرة الأولى إلى سحب قواتها نهائياً من لبنان، في خطوة أدت إلى خلافات كبيرة بين بيروت ودمشق والى انقسامات عميقة بين اللبنانيين أنفسهم.

عامذاك، خسرت سوريا الكثير من نفوذها الاستثنائي في لبنان، حيث كانت قواتها تنتشر على أراضيه لنحو ثلاثة عقود. وانقسم اللبنانيون على بعضهم البعض، لا بسبب اعتراض أحد منهم على انهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، بل لأن كثيرين اعتبروا أنهم حققوا «انتصاراً» على ما كانوا يسمونه احتلالاً لبلدهم. بغض النظر عن صحة هذه التسميات أو عدم صحتها، أظهرت الأحداث اللبنانية الراهنة وكذلك السنوات الطويلة من التجاذبات بين اللبنانيين أن ثمة خللاً أصاب العلاقات اللبنانية السورية منذ أمد بعيد، وانعكس هذا الخلل مزيداً من الشقاق اللبناني، على رغم أن فرقاء النزاع في لبنان يتفقون على ضرورة قيام علاقات صحية وسليمة ومميزة بين دمشق وبيروت.

ولكنهم من دون أدنى وهم لا يتفقون على مضمون هذه العلاقة وطبيعتها. حالياً، هناك فريق يتهم الآخر بأنه يسعى إلى إعادة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل انسحاب القوات السورية في لبنان. وهناك فريق يتهم الآخر بأنه مسؤول عن استمرار تدهور الأوضاع مع سوريا، بسبب مناصبتها «العداوة».

لم تكن هذه المظاهر اللبنانية والسورية بنت لحظتها كما يقال، بل واحدة من تجليات الإشكالات التاريخية التي تحكم العلاقات المتشعبة بين البلدين.

فبحكم ظروف تاريخية لها صلة بانعدام الحدود الجغرافية في «بلاد الشام» حتى نهايات القرن التاسع عشر، لم تنشأ الكيانات المستقلة، ومنها لبنان وسوريا، بحدودها الراهنة إلا بعد زوال الإمبراطورية العثمانية على اثر الحرب العالمية الأولى بعدما حكمت المنطقة أكثر من أربعة قرون، وبعد انتهاء حقبة الاستعمار الفرنسي والبريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.

وبسبب تداخل العديد من العناصر العائلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الجغرافية، لم تنطبق العلاقات اللبنانية السورية يوماً على نموذج سائد وشائع بين أي دولتين مستقلتين عرفا في التاريخ المعاصر. وكانت لهذه العناصر آثار بالغة على الصلات التي تجمع أو تفرق بين هذين البلدين الجارين، اللذين عاصرا سنوات من العلاقات المميزة للغاية، وسنوات أخرى من التدهور إلى حد مناصبة العداء لبعضهما البعض.

طوال أكثر من 60 سنة من عمر استقلال البلدين، صدرت دعوات ومطالبات بأن يعيش لبنان، البلد الصغير، استقلالاً ناجزاً وتاماً عن جارته الكبرى سوريا، رغم اعتقاد كثيرين من اللبنانيين وغالبية السوريين بأن الصلات بين البلدين أعمق بكثير مما هي العلاقات بين دولتين مستقلتين. وفي التاريخ المنظور شواهد.

بالعودة إلى الماضي القريب في العلاقات اللبنانية السورية، يتضح أنه مع تسلم المصالح المشتركة في سوريا ولبنان من السلطات الفرنسية، كان موضوع الوحدة العربية بين الدول العربية موضوع بحث بين الزعماء العرب، ومنهم حكام لبنان الذين كان يسيرون على الخط القومي نفسه لحكام سوريا وغيرها من الكيانات العربية الناشئة.

كان هؤلاء من المؤيدين لقيام وحدة عربية شاملة تقوم على تبادل الود والإخاء. غير أن الخلاف دب بين الرئيس اللبناني الأول في عهد الاستقلال بشارة الخوري مع رئيس وزرائه رياض الصلح على هذه النقطة بالذات، مما حمل الأول على «وضع النقاط على الحروف»، داعياً إلى أن «يبقى لبنان مستقلاً». ولاحقاً عبر الصلح عن إيمانه بأن «السياسة التعاونية القومية في لبنان لن تقوم إلا ضمن دائرة احترام استقلال لبنان وسيادته وسلامة أراضيه الحالية».

في السنوات التي تلت استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي، توصل الطرفان الرسميان اللبناني والسوري من دون أن يكون هناك نص يحكم العلاقات بين البلدين، على أن المدخل السليم هو مبدأ الاحترام المتبادل للأمن الوطني لكل من لبنان وسوريا، وشاعت يومها المعادلة المشهورة، كما جاء في بيان الحكومة الاستقلالية اللبنانية عام 1943، أنه يجب ألا يكون «لبنان للاستعمار مقراً ولا لاستعباد الأشقاء العرب ممراً»، على أساس أن هذه دعوة يمكن أن يجمع عليها اللبنانيون ويمكن أن يقتنع بها السوريون.

لكن عبر التاريخ الحديث، شهدت العلاقات اللبنانية السورية مراحل مختلفة ومتأرجحة من التعاون تارة والتشنج طوراً مما أظهر جملة من التناقضات في العلاقة بين البلدين على رغم التلاصق الجغرافي الذي يفترض أن يكون عامل تقارب بين البلدين.

عندما أرسل رئيس الوزراء السوري خالد العظم عام 1951 مذكرة إلى نظيره اللبناني رياض الصلح يخيره فيها بين وحدة اقتصادية متكاملة أو الانفصال الجمركي بين البلدين، نشأ أول خلاف جدي يؤدي إلى «قطيعة» بين بيروت ودمشق، فكان بشارة الخوري أول اللبنانيين المطالبين بإيجاد تمثيل سياسي بين العاصمتين، معلناً رفضه لفرض الإرادة الاقتصادية السورية على لبنان.

وحصلت هذه الواقعة التاريخية على رغم ما سبقها من توقيع الرئيسين اللبناني بشارة الخوري والسوري شكري القوتلي على «وثيقة تفاهم» من أجل التخلص من الاستعمار الفرنسي، وعلى رغم أن القوتلي كان يحرص بشدة على توثيق العلاقات الأخوية ويحول دون التهديد بقطع الصلات الاقتصادية بين لبنان وسوريا، كما فعل خلفه الرئيس خالد العظم.

حين تحول لبنان ميدان حرب في العام 1975، كادت «القوات المشتركة» التابعة لخليط من أحزاب يسارية وعلمانية وإسلامية تحت راية الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع الفصائل الفلسطينية تسيطر على لبنان في المواجهة مع قوى الجبهة اللبنانية المسيحية اليمينية التي استغاثت بدمشق طلباً للحماية.

وهكذا دخلت قوات الردع العربية بعمودها الفقري من الجيش السوري بالإضافة إلى مشاركة رمزية من جنود دول عربية أخرى في العام 1976 إلى الأراضي اللبنانية بعد معارك مع الحركة الوطنية، لتنتهي انذاك «حرب السنتين» التي لم تكن إلا فصلاً أول دامياً من حرب لبنان.

جاء الفصل الثاني من الحرب بانقلاب الجبهة اللبنانية سريعاً على القوات السورية التي بقيت في هذا البلد على رغم خروج القوات العربية الأخرى منه. وتحالفت دمشق، التي خرجت قواتها من المناطق المسيحية، مع القوى الموجودة في المقلب الآخر. ولم تنته هذه الحقبة إلا بالغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، فخرجت القوات السورية من مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية وبقيت منتشرة في مناطق البقاع والشمال.

بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من منطقة تلو أخرى تحت وطأة ضربات المقاومة، عادت القوات السورية إلى بيروت الغربية في العام 1987 بطلب من القيادات الإسلامية هذه المرة مع استعار «الحروب الصغيرة» بين الأخوة الأعداء، ثم دخلت إلى بيروت الشرقية العام 1990 بطلب من الرئيس اللبناني الياس الهراوي، لإنهاء الحروب الصغيرة الأخرى بين الأخوة ـ الأعداء في المقلب الآخر ولإنهاء «تمرد» قائد العماد ميشال عون على السلطة اللبنانية الجديدة الوليدة من اتفاق الطائف الذي أرسى صيغة جديدة للسلام اللبناني.

بعد التوقيع على اتفاق الطائف في العام 1989، بدأ عصر الوصاية السورية على لبنان، ووقع البلدان على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991، ليتأسس المجلس الأعلى اللبناني السوري وتوقع العديد من الاتفاقات والمعاهدات والبروتوكولات الثنائية التي ترتدي طابعاً استثنائياً في العلاقات بين دولتين مستقلتين.

ثم جاء عام 2005، ليبدأ الافتراق اللبناني السوري على وقع حملة دولية على دمشق توجت بالقرار 1559 الذي أنهى، بمفاهيم القانون الدولي، عصر الوصاية العسكرية السورية على لبنان، لتبدأ من جديد حقبة مختلفة انطلقت شرارتها باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ولم تنته عملياً إلا بانتخاب رئيس الجمهورية الحالي العماد ميشال سليمان.

كانت كل هذه الأحداث مؤشراً إلى الخط البياني الواضح الذي سلكته العلاقات اللبنانية السورية منذ استقلال البلدين في النصف الأول من أربعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

أما اليوم، فمع الزيارة التي سيقوم بها الرئيس اللبناني لدمشق يوم الأربعاء المقبل كما هو مفترض ستبدأ مرحلة جديدة من العلاقات قد تؤسس لفهم أفضل للعلاقات الملتبسة تاريخياً بين لبنان وسوريا، على قاعدة أن لبنان يستفيد للغاية من العلاقة مع سوريا، خصوصاً بسبب حاجته الماسة إلى تصدير إنتاجه إلى الأسواق العربية عبر الأراضي السورية، وأيضاً على قاعدة أن لبنان سوق مهمة للصادرات السورية، فضلاً عن أنه يوفر العمل على أراضيه لمئات الآلاف من العمال السوريين.

غير أن العودة إلى السياسات التي استهلكت لدى كل من البلدين تعني عودة إلى الدوامة التي لا تزال تصيب بالدوار كل من يفكر بإقامة علاقات خارج الأطر المتعارفة بين الدول، قريبة كانت أم بعيدة. وفي التاريخ اللبناني السوري الكثير من الشواهد.

عيون

لبنان وسوريا .. زيارة وأهداف ومصير

تتجه الأنظار يوم الأربعاء المقبل إلى الزيارة التي سيقوم بها الرئيس اللبناني ميشال سليمان إلى العاصمة السورية التي لم تستقبل زائراً على هذا المستوى منذ العام 2005. الزيارة مهمة ولكن النتائج هي الأهم.

لا خلاف على أن علاقات سليمان مع القيادة السورية ممتازة، ولا أدل على ذلك من الأجواء التي سادت لقاءات باريس مطلع يوليو الماضي على هامش اجتماعات قمة الاتحاد من أجل المتوسط واحتفالات الاستقلال الفرنسي بين الرئيسين بشار الأسد وسليمان. واليوم أجمع كل المراقبين على أن تؤتي قمة دمشق ثماراً أكثر نضجاً مما التقط في ذلك اللقاء.

صحيح أن العلاقات بين سوريا ولبنان يلفها الكثير من علامات التساؤل، والريبة وعدم الاطمئنان فضلاً عن ملفات سياسية وأمنية عالقة إلا أن هوامش الاتفاق، إن أريد التركيز عليها، أكبر وأعظم تأثيراً.. ولا يمكن تناسي رحلات الأحد للبنانيين إلى العاصمة السورية لقضاء يوم الإجازة الأسبوعية في مصايفها ومشاتيها والعودة بمونة الأسبوع التالي أو الشهر حتى كانت البوابات الحدودية تغص بآلاف السيارات التي تنوء بأحمالها.

قديماً قالوا إن لبنان خاصرة سوريا، وهذا ما رأى فيه البعض تبريراً سورياً لتطويل وجودها العسكري في لبنان والبقاء.. لكن الوقائع الجيوسياسية تؤكد أن سوريا رئة لبنان.. فلا هذا يمكن أن يعيش، طبيعياً، عن ذاك ولا هذا يمكن ألا يكترث لما يحدث داخل بيت هذا.. وعليه لا يمكن لأي أجندات داخلية أو خارجية أن تفت عضد هذه العلاقة التي خلقتها الجغرافيا.

الحديث عن الروابط المشتركة: التاريخ المشترك، والعلاقات الاجتماعية المشتركة، والشراكة التجارية، تبقى كلاماً في الهواء ما لم تترجم على الأرض، ولا أمل في الوصول إلى هذه المرحلة إلا في الثقة، ومن الجانبين. وعليه فالمهمة التي يقوم بها سليمان ستكون صعبة لجهة الحصول على اتفاق لبناني على أهمية العلاقات مع دمشق، وان العلاقات مع دمشق، الندية والطبيعية، أهم من العلاقات مع أي دول خارجية يغيب عنها عنصر التكافؤ، وفي كثير من الحالات المصلحة المشتركة طويلة الأمد.

ما يخطط للمنطقة كبير، ولا يمكن للدول الصغيرة أن تواجهه إلا بالتنسيق مع المحيط، ولبنان ليس إلا ثلاثة جيران: سوريا من الشرق والشمال، وإسرائيل من الجنوب، والبحر من الغرب. وعندها يبدو الخيار المنطقي محسوماً.

nidal@albayan.ae

بيروت ـ علي بردى ــ نضال حمدان ــ دبي