تتناول المؤلفة روبن رايت هنا إرهاصات التغيير في المغرب، فتتحدث عن الديمقراطية وتلفت انتباه القراء إلى موضوع مهم ربما تنفرد به المملكة المغربية وهو ذلك التوافق أو التراضي بين أطروحتين رئيسيتين تتعلقان بالديمقراطية: الأولى نسمعها على لسان القادة وتقول إن الظروف السياسية والاقتصادية لا تزال غير ناضجة لتنفيذ التحولات الديمقراطية المطلوبة، والثانية نسمعها من قادة الحركات المعارضة والمثقفين وتقول إن الديمقراطية يمكن بل وينبغي أن تصبح ممارسة يومية تتجسد على أرض الواقع.
وترى المؤلفة أن العاهل المغربي حرص على إدخال إصلاحات ديمقراطية وهيكلية ترمي إلى تحقيق المصالحة والوفاق الداخلي وتجاوز أخطاء الماضي. وتتحدث روبن رايت كذلك عن المرأة في الإسلام الذي كفل لها حقوقاً تحفظ كرامتها، وتركز على دورها الأساسي في إحداث التغيير المنشود، ثم تنطلق إلى موضوع الإسلام السياسي في المغرب، حيث تلمس المؤلفة وجود وفاق أو تفاهم معين مع الإسلاميين من أجل العمل في إطار النظام القائم وبالتعاون مع الأطراف السياسية الأخرى الفاعلة. وتعتقد رايت أن الإسلام السياسي بصوره المختلفة سيكون المصطلح الدينامي للمعارضة في الشرق الأوسط لجيل كامل على الأقل.
من مطالعة الفصول العشرة التي يتكون منها هذا الكتاب، لا بد وأن نحسب للمؤلفة «روبن رايت» أنها لم تقصر حديثها في كتاب بشأن «الشرق الأوسط» على مصر وأقطار المشرق وحدها، ذلك لأن كثيرا من الباحثين في الغرب كثيرا ما يعمدون إلى استبعاد أقطار المغرب العربي الكبير حين يتناولون قضايا منطقة الشرق الأوسط، وهم عن قصد أو غير قصد يستعيضون عن تسمية الأقطار المغاربية بتسمية أخرى هي: «دول شمال أفريقيا». وهي تسمية قد تكون جغرافية صحيحة، لكن تتمثل المشكلة في أن يقتصر في قضايا الشرق الأوسط تناول أفكار المشرق العربي، وقد يضاف إليه - كما فعلت مؤلفة كتابنا - إيران.
من هنا كان اهتمامنا في عرضنا التحليلي والنقدي لهذا الكتاب بالفصل التاسع الذي أفردته المؤلفة للحديث عن المغرب، وقد اختارت له عنونا فرعيا من كلمة واحدة في الانجليزية ولكنها في العربية يمكن أن تؤدي معاني شتى كالتراضي، الحلول الوسط، التوافق، والتلاؤم.
يبدأ الفصل المغربي بحديث عن قضية الديمقراطية والمؤلفة ترى أن هذا الحديث ينقسم إلى أطروحتين رئيسيتين تردان معا في ثنايا الخطاب السياسي في المنطقة العربية بشكل عام وأيضا في المنطقة المغاربية على نحو خاص: أطروحة القادة التي تقول إن الأحوال السياسية من حيث الاستقرار والنضج، والأحوال الاقتصادية من حيث التقدم وبناء المؤسسات، قد لا تكون مهيأة بالكامل لمباشرة أو تنفيذ التحولات الديمقراطية المنشودة.
أما أطروحة الناس، الجماهير، المثقفين، الرأي العام، الأكاديميين والإعلاميين فتقول بضرورة أن تصبح الديمقراطية ممارسة واقعية وتجسيدا مؤسسيا بدلا من الاكتفاء بالكلام عنها.
واضح أن المؤلفة تطل على مثل هذه الثنائيات من منظور واقعي، وهي لا تحدد موقفها جامعا مانعا مع هذه الأطروحة أو تلك، بل هي تنادي بنوع من التوفيق، المواءمة بين الاتجاهين، بحيث يفضي ذلك إلى وضع من التراضي بين من يؤجل الديمقراطية ومن يطالب بها في الواقع الفوري، وهي ترى أن في ذلك ما قد يحقق حالة من الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي.
وكي لا تظل كلماتها أو أحكامها محلقة في أجواز الافتراض، فهي تحيل قارئها إلى ما شهدته العاصمة المغربية - الرباط في عام 2004 على وجه الخصوص، تقول روبن رايت (ص 341): أول حالة من حالات الحلول الوسط (القائمة على التوافق أو التراضي) شهدها المغرب في عام 2004. والمعروف أن ثمة قضايا ثلاثا باتت تهم الرأي العام في أنحاء تلك المنطقة وهذه القضايا هي:
السجناء السياسيون وحقوق المرأة والإسلام السياسي.
في أحد أيام عام 2004 تلقى الناشط السياسي المغربي إدريس بن ذكري دعوة من الملك محمد السادس لمناقشة قضايا حقوق الإنسان، حيث أحيط الناشط السياسي علما بأن حاكم البلاد قرر إنشاء لجنة للعدالة والمصالحة يعهد إليها مهمة التحقيق في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان.
في معرض التعليق تضيف مؤلفة الكتاب (ص 343): كانت فكرة غير مسبوقة على صعيد منطقة الشرق الأوسط، وكانت مطروحة على نموذج لجان مماثلة في بلدان أخرى أشهرها لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، فضلا عن لجان مماثلة شهدتها الأرجنتين وتشيلي في أميركا اللاتينية.
توضح المؤلفة كيف استغرقت اللجنة عامين كاملين من التحقيق والفحص والتقصي، إلى أن وضعت تقريرها الأخير الذي أوضحت فيه مهمتها قائلة: إنها قطعت شوطا واسعا من حيث تقصي الحقيقة ثم اقترحت تعويضات مالية لصالح الذين تعرضوا للحرمان مما يتمتعون به من حقوق الإنسان.
بل حرصت اللجنة في ختام أعمالها على التوصية بإنشاء هيئة جديدة (ص 346) يعهد إليها بمهمة متابعة أداء الحكومة ورصد أي مخالفات قد تمس حقوق الإنسان.
تواصل المؤلفة الحديث قائلة: في عام 2006 أعلن الملك محمد السادس قبول التقرير قائلا: إن علينا جميعا أن نستخلص الدروس المستفادة اللازمة من التقرير وبطريقة نحمي بلدنا من تكرار ما حدث. وتلاحظ المؤلفة أيضا كيف أن ملك المغرب ظل حريصا منذ توليه عرش بلاده على الحديث عن وعود التغيير وإدخال إصلاحات تفوق ما حدث في عهود سابقة.
وفي عام 2004، في عيد جلوسه الخامس، استخدم كلمة «الديمقراطية» 18 مرة في معرض وصفه لمستقبل المغرب.
من ناحية أخرى تعمد المؤلفة إلى التذكير بالنهج الذي سبق وطرحه ملك المغرب نفسه، في حديث مهم أدلى به إلى مجلة «تايم» الأميركية وكان ذلك في عام 2000 أي بعد سنة من توليه عرش بلاده: ليس للمرء أن يتصور أن أي جيل جديد يأتي لكي يقلب الأوضاع رأسا على عقب، وعلينا ألا ننسى أن العرف في بلادنا قوي للغاية، ومن الخطأ محاولة تطبيق نظام ديمقراطي غربي في بلد بمنطقة المغرب أو الشرق الأوسط، فلسنا ألمانيا أو السويد أو إسبانيا مع احترامنا لتلك البلاد، حيث ممارسة الديمقراطية أمر خضع لتطور طويل، ومن هنا أتصور أن كل بلد لا بد وأن يكون له ديمقراطية ذات خصائص تناسبه.
وإذ تتحول المؤلفة إلى قضية تحرير المرأة ومشاركتها في الشأن العام فهي تستهل حديثها بتسجيل حقيقة رسخت في المنطقة فتقول: بفضل كفاح المرأة ودأبها يمكن القول إن المرأة أصبحت بالفعل قوة مبدعة من أجل التغيير في منطقة الشرق الأوسط، بل إن هناك تحولات مذهلة في هذا المجال.
وهنا تسوق «روبن رايت» سيرة الدكتورة فاطمة مرنيسي التي أضافت سيرتها الذاتية وكفاحها لمواصلة الدراسة العليا في كبرى الجامعات مزيدا من المصداقية إلى مسيرة المرأة في الشرق الأوسط. في لقائها مع الدكتورة مرنيسي حكت لها المثقفة المغربية عن والدتها التي نشأت أمية لكنها قررت تشجيع ابنتها على أن تتعلم، لأن هذا ما أمر به القرآن الكريم. حكت أيضا عن نشأتها طفلة مع منتصف القرن العشرين تصغي إلى أخبار الدنيا من راديو القاهرة، وتشرع في قراءة كتاب «تحرير المرأة» للمفكر الرائد قاسم أمين.
وبعد الدراسة العليا بدأت فاطمة مرنيسي تكتب عن حرية المرأة المسلمة - العربية وهي تؤكد في اللقاء مع مؤلفة الكتاب: تجدين في القرآن الكريم مئات من الآيات التي تدعم وتعزز حقوق المرأة.
من هنا تعلق المؤلفة قائلة (ص 357): لقد جاء الإسلام بثورة في معاملة المرأة تمثلت في قوانين وأحكام جديدة، فقد أعطى الإسلام للنساء الحق في الإرث، وفي طلب الطلاق وفي إدارة الأعمال التجارية وفي حضانة الأطفال.
هذا الحديث عن عدالة الإسلام واستنارة التعاليم الإسلامية كان طبيعيا أن يصل بمؤلفة كتابنا إلى تناول القضية الثالثة التي تصدرت هذا الفصل الذي كرسته للحديث عن المشهد السياسي والاجتماعي في المغرب الشقيق، وهي قضية الإسلام السياسي.
أو هي كما تفسرها روبن رايت: قضية الوفاق مع الإسلاميين من أجل العمل في إطار النظام القائم وبالتعاون مع سائر الأطراف الفاعلة سياسيا في المجتمع. عند هذه الزاوية من التحليل تبادر المؤلفة بعبارات تقول فيها (ص 368): إن الإسلام السياسي، في صوره المختلفة وأشكاله المتعددة، سوف يكون المصطلح الدينامي للمعارضة في الشرق الأوسط على الأقل بالنسبة للجيل المقبل.
والمؤلفة ترصد الفصائل السياسية المختلفة التي باتت ترفع الشعار الإسلامي على اختلاف توجهاتها ما بين الاعتدال أو التشدد. ثم تضيف قائلة: ومن أهم تجارب التراضي أو التوافق تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب.
تنقل المؤلفة عن رئيس هذا الحزب سعد الدين العثماني قوله: نحن حزب سياسي ولسنا حزبا دينيا، ونحن أكثر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية اعتدالا في العالم العربي. وتعلق روبن رايت قائلة: حزب العدالة والتنمية في المغرب يحاول أن يلتمس لنفسه موطئ قدم على ساحة السياسة في الشرق الأوسط بوصفه حركة إسلامية لا تتسم بالتشدد أو التعصب.
ويفسر السيد العثماني هذه التوجهات قائلا في مزيج من العربية والفرنسية: بالإمكان مقارنتنا بالأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا. إنهم يحددون أهدافهم على أساس مبادئ عقيدتهم لكن دعوتهم تتركز على أسس مدنية وليست دينية.
عند هذه النقطة تحاول مؤلفة الكتاب أن تلقي نظرة تحليلية على أجندة الحزب وطموحاته السياسية فتقول أيضا: لقد عمد حزب العدالة والتنمية إلى التركيز على 3 قضايا جوهرية تتعلق جميعا بالتغيير الحقيقي في المغرب وهذه القضايا هي: الفقر المدقع الذي يعانيه أكثر من 10 ملايين من السكان، والفساد المستشري بين طبقة الصفوة من المشتغلين بالسياسة، والإصلاحات الدستورية التي من شأنها تمكين البرلمان من ممارسة دوره التشريعي والرقابي بوصفه هيئة مستقلة لا سيطرة عليها من هذه السلطة أو تلك.
وإذا كان ثمة إجماع لا يكاد يجادل فيه أحد على قضية القضاء على الفقر ومحاربة الفساد، فإن قضية الإصلاح الدستوري كانت بحاجة إلى مزيد من أضواء يلقيها مع المؤلفة المهندس عزيز رباح الذي تخصص من كندا في تكنولوجيا المعلومات وعاد إلى المغرب ليرأس تنظيم الشبيبة في حزب العدالة والتنمية، يقول: لا مشكلة لنا مع النظام الحاكم، ولكننا بحاجة إلى إيجاد التوازن بين السلطات الحاكمة في الدولة. ولهذا نحاول بدء حوار وطني بشأن قضية الإصلاح الدستوري.
المؤلفة في سطور
ـ مؤلفة الكتاب روبن رايت كاتبة صحافية واصلت تغطية الأحداث في كبريات الصحف الأميركية والبريطانية عبر سنوات جيل كامل.
ـ شملت تغطياتها الصحافية أكثر من 140 بلدا في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
ـ نالت العديد من الجوائز الأدبية وفي مقدمتها ميدالية الأمم المتحدة الذهبية كأحسن مراسل صحافي.
ـ عملت كزميل باحث في جامعات يال وديوك وستانفورد بالولايات المتحدة.
ـ أصدرت عدة كتب مهمة تعكس في مجموعها اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط ومن أهم هذه الكتب: الغضب المقدس (عن التشدد الإسلامي) وآخر الثورات الكبرى (عن إيران).
ـ تشارك في العديد من البرامج التلفزيونية كمعلقة على الأحداث في كبرى القنوات الإخبارية.
الصفحات: 464 (كبير)
الكتاب: مستقبل الشرق الأوسط
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: دار بنغوين ـ نيويورك ـ 2008

