تخصص المؤلفة هذا الجزء من الكتاب للحديث عن لبنان، الذي ينظر إليه باعتباره المختبر السياسي لأحوال الشرق الأوسط، وترى أن هناك عاملين يؤثران على مسيرة التغيير في المنطقة وهما: عامل الهوية وعامل الشباب، وهذان العاملان يلعبان دوراً رئيسياً في مجريات الأحداث في لبنان.
وهي تبرز وجود تناقض في لبنان يختفي أحياناً ويظهر إلى العلن أحياناً أخرى بين الانتماء إلى طائفة معينة والانتماء للوطن، وتقول في الوقت نفسه إن مجرد تعايش الطوائف المختلفة في لبنان عبر تاريخه يعد معجزة بكل المقاييس في شرق أوسط يعج بالتقلبات. ولكنها تحذر من هشاشة هذا التعايش في الأزمات وترى أن المستقبل يعتمد على جيل الشباب الذي ينبغي أن يعمل على معالجة الانقسامات المذهبية والطائفية.تتحدث روبن رايت كذلك عن حرب يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل التي تصفها بأنها أطول حرب خاضتها إسرائيل مع العرب وانتهت بفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها وبتعاطف عربي جماهيري واسع مع المقاومة اللبنانية التي استطاعت أن تحطم الأسطورة التي طالما تغنت بها إسرائيل وهي أن لديها جيشاً لا يقهر.
الفصل الرابع من هذا الكتاب يبدأ بعبارة منسوبة إلى الكاتب المسرحي الفرنسي أونيسكو يقول فيها: إن الأيديولوجيات تفصل بيننا، ولكن الأحلام والمعاناة تجمع بين صفوفنا. ومن الواضح أن مؤلفة الكتاب استلهمت هذه العبارة في الفصل الذي وضعته عن لبنان، لأنها اختارت عنوانا فرعيا لهذا الفصل المتعلق بالشأن اللبناني وهو: الحالمون.
وتستهل الفصل بالتأكيد على اثنين من ديناميات الحركة ترى أن كلا منهما جدير بأن يؤثر على مسيرة التغيير في منطقة الشرق الأوسط.
العامل الأول هو عامل الهوية، بكل عراقته وبكل مؤثراته الأصيلة على مسار السياسة في هذه المنطقة بالذات. والهوية - كما تعرّفها مؤلفة كتابنا - ليست مجرد عامل واحد بقدر ما أنها حزمة متجمعة، ومتكاملة من عناصر شتى منها رابطة الأسرة وآصرة العقيدة الدينية ومنها الأصل العرقي، والروابط الخاصة التي تجمع بين الإنسان والأرض التي ولد وعاش على أديمها. وهي تخلص من هذا كله إلى أن تقول: إن تصادم الثقافات يبدأ أساسا ضمن حدود الشرق الأوسط.
أما العامل الثاني فيتمثل عند الكاتبة في الشباب، والتحديد في جيل طالع من القيادات الأحدث سنا، ومن ثم فهذه الأجيال لم تكبر لتضطلع بأدوار أهم مما ينتظرها في المراحل الراهنة والمقبلة على السواء. كيف لا والحقيقة الديمغرافية تقول ببساطة حاسمة: إن أكثر من 70 في المائة من سكان المنطقة الممتدة من طهران شرقا إلى الرباط في أقصى الغرب هم دون الثلاثين من العمر، ومن ثم فإن الشباب سوف يكون لهم دور أكبر مما كان لأي جيل سبق، لماذا؟
لأن معظم أبناء هذا الطالع الشرق - أوسطي إن شئت - يقرأون ويكتبون ومن ثم فهم أكثر تواصلا مع مجريات العالم الخارجي الأمر الذي يجعلهم غير راضين بالتالي عن الأحوال الراهنة في منطقتهم، وهؤلاء هم «الحالمون» كما تسميهم مؤلفة كتابنا.
هذان العاملان - عامل الهوية وعامل الشباب لهما الآن دور مؤثر على ساحة لبنان على وجه الخصوص. ولكن لماذا لبنان بالذات؟
الإجابة ببساطة لأن لبنان - كما يراه كتابنا - هو الساحة التي عرفت أكثر من غيرها ظاهرة التأكيد على اختلاف الهوية: العائلية، الطائفية، الطبقية، الولائية، إلى آخر عناصر هذه الحزمة التي تعرض لها سطور هذا الفصل. ولدرجة أن يحصي الفصل 17 طائفة عقائدية - دينية - مذهبية في لبنان تعيش على أرض ثاني أصغر بلد عربي من حيث المساحة.
وتحاول المؤلفة التدليل عمليا (ص 138) على هذا «الموزاييك» من الولاءات فتقول بطريقتها الصحافية: في أول أيام عودتي لزيارة بيروت، لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودات انتقلت فيها من مواقع حزب الله التي كانت حاشدة بصور الشهداء وذوي العمائم السوداء من رجال الدين إلى حيث تحولت إلى ضاحية مسيحية حيث طالعت عربة ضخمة ترفع صورة طولها 15 قدما للسيد المسيح على الصليب وفوق صهوتها ميكروفون تنبعث منه ترانيم كنيسة تبشر بحلول عيد الفصح.
ثم تعلق المؤلفة قائلة: إن مجرد تعايش هذه الهويات المتباينة في إطار مساحة محدودة، بشكل معجزة بكل المقاييس في شرق أوسط ينتفض بالتقلبات.
لكن المعجزة في لبنان ظلت باستمرار تعاني من الهشاشة أمام أنواء الأحداث، ولذلك بات مستقبل البلد مرهونا بالنوعية الجديدة من الأجيال الشابة التي لا بد وأن تتولى معالجة هذه الانقسامات المذهبية والطائفية، فما بالك ولبنان بلد لا يعرف التوسط أو الاعتدال بل ظل منذ عام 2005 يشهد لحظات من الأمل المرتجى مع لحظات من اليأس المرير.
تلتقي المؤلفة بزعيم مسلم شاب هو سعد الحريري الذي يقول لها (ص 139): أصبحت مشكلتنا تتمثل في كيفية تعزيز انتمائنا للبلد قبل الديانة (أو الطائفة) ولهذا ظللنا طيلة العام الماضي نتكلم عن المصالحة والوحدة ومع ذلك فما زالت الولاءات الطائفية في حال من الازدياد.
روبن رايت تصف هذا التناقض بأنه اللغز الذي يتعذر فهمه لدرجة أن هناك من يقول: معضلة لبنان هي أن سبب وجوده أساسا مرهون بتلك الهويات الطائفية.
وهنا تعود المؤلفة إلى متن التاريخ الحديث وبالتحديد إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وإلى سيطرة فرنسا على بلاد الشام (سوريا ولبنان) .
فيما ردت بريطانيا بالسيطرة على الدواخل إلى حيث الشرق والعراق ـ فلسطين والأردن، تتابع المؤلفة تطورات إقامة لبنان على يد فرنسا وعلى أساس «الميثاق الوطني» الذي أرسى قواعد القسمة الطائفية لمواقع الحكم بيد أن هذه الأوضاع السلبية من حيث التعريف نجمت عنها إيجابيات من حيث الممارسة: على رأس هذه الإيجابيات أن أصبح لبنان أول ديمقراطية يعتد بها رغم أي سلبيات في منطقة الشرق الأوسط وعندما جاء عاما 2005 و 2006 ظل لبنان يحتل أعلى مرتبة يصنف بها أي بلد عربي في المؤشر الدولي للحريات.
والطريف أن المؤلفة حين تمعن في أوضاع لبنان وتوجهاته التشريعية تكتشف جانباً مهمّاً تعرضه على الوجه التالي: من المفارقات أن لبنان يأخذ بالنهج العلماني (بمعنى عدم التداخل بين الدين والسياسة) فليس به قانون للشريعة الإسلامية ولا للأحكام المسيحية.
صحيح أن دستوره يقتبس كثيراً من بنود الدستور الفرنسي، إذ كانت فرنسا هي دولة الاستعمار في السابق إلا أن المادة التاسعة من الدستور اللبناني تنص على حرية المعتقد (الضمير) بشكل مطلق وعلى أن الدولة التي تؤمن بالله عز وجل تكفل الاحترام لكل الأديان والعقائد فضلا عن حماية الضمانات التي تكفل ممارسة الشعائر الدينية بغير استثناء.
والنتيجة - تضيف مؤلفة الكتاب - هو ذلك النمط البارز من التعددية التي جعلت من لبنان بمثابة المختبر السياسي لأحوال الشرق الأوسط منذ حصوله على الاستقلال في عام 1943. وفي هذا الإطار أصبح لبنان يحتفل بالشرق والغرب، وبالمسيحية والإسلام وبتيارات بعد الحداثة قدر احتفاله بالأعراف العتيقة الضاربة في تربة الزمن إلى زمن أسلافه من سادة البحار الفينيقيين.
وهي حقائق متفاعلة ومتداخلة يمكن أن يجسدها كازينو لبنان الشهير الذي تسوده رطانة اللغة الفرنسية بقدر ما يمثلها الشعار الذي تترجمه المؤلفة إلى قرائها إذ كان مكتوبا على قمصان الشباب بالعربية والشعار يقول: فكر كعربي واشعر كعربي ولكن عش كلبناني.
عند الطرف الآخر من المنظور السياسي تفرد المؤلفة سطور الفصل السادس لكي تتحول بالحديث من الأحلام إلى الظلال في لبنان: في هذا السياق تسهب السطور في عرض ما يدور في الضاحية (الجنوبية) من بيروت حيث التجمع الشيعي وقائده حسن نصر الله وتحرص روبن رايت على زيارة «الضاحية» وتحرص أيضا على إلقاء لمحة تاريخية يفيد منها القارئ - الغربي بالذات.
- حيث يطالع القارئ اسم الإمام موسى الصدر الذي عمد إلى تأسيس «حركة المحرومين» في عام 1974 بكل ما أسفرت عنه من تداعيات ونتائج تعرضها المؤلفة بإيجاز حين تقول: استطاع موسى الصدر أن يعطي للشيعة الفقراء (في لبنان) هوية سياسية فضلا عما أنجزه من بناء مدارس صغيرة ومراكز للأعمال الحرفية وعيادات طبية، وكلها بجهود لم تشارك فيها الدولة اللبنانية في ذلك الزمان.
وتضيف المؤلفة: استطاع موسى الصدر أن يتعاون مع أسقف الروم الكاثوليك في تأسيس حركة لبنانية للعمل الاجتماعي، وأنشأ تحالفات مع الآباء الروحيين المسيحيين في جنوب لبنان، ولكنه كان بدوره حريصا على حماية كيانه الخاص فقام بتشكيل حركة المقاومة اللبنانية التي حملت اسم «أمل».
حسن نصر الله كان مشدودا إلى شخصية موسى الصدر. وفي لقائه مع روبن رايت قال لها: كنت أحلم دائما بأن أصبح مثله وأنجز ما بدأه. وهنا تضيف المؤلفة ان حسن نصر الله كان يضع صورة الإمام موسى الصدر في حانوت والده الصغير، وفي سن الخامسة عشرة التحق حسن بصفوف أمل، وتزامن هذا الأمر مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أواسط السبعينات.
بعدها تطورت الأحداث إلى حيث أصبح نصر الله مع بدايات القرن الجديد قائدا لفصيل لبناني سياسي وعسكري يحمل اسمه المعروف «حزب الله» ورغم أن هذا الفصيل ظل يُعامَل بوصفه عنصرا ضمن لوحة الموزاييك اللبنانية المتعددة الأجزاء والألوان، إلا أنه أصبح محور اهتمام واسع النطاق سواء على صعيد الشرق الأوسط أو العالم حين طلعت شمس ذلك اليوم الصيفي الحار في 12 يوليو 2006 يوم بدء الاشتباك بين العسكرية الإسرائيلية وبين مقاتلي حزب الله اللبناني وهو ما أصبح يعرف في حوليات الشرق الأوسط تحت الشعار التالي: الحرب العربية - الإسرائيلية السادسة.
تحرص المؤلفة على استعراض ما أصاب المرافق اللبنانية من دمار، لكنها تحرص أيضا على أن تورد تعليق المحلل السياسي «رامي خوري» حين استعرض ما أصاب إسرائيل من جراء اشتباكها مع المقاتلين اللبنانيين وما أفضى إليه ذلك من تأييد جماهيري متحمس بالمظاهرات والشعارات في أنحاء الشرق الأوسط، وهنا يقول رامي خوري (ص 208): السبب لا يرجع إلى الإيديولوجيات بل إلى الحالة النفسية، إلى تلك الحاجة الأساسية (لدى الجماهير العربية) لاحترام الذات.
تحرص المؤلفة أيضا على أن تؤكد لقارئها الغربي أن رامي خوري مسيحي وليس من المتعاطفين مع حزب الله. ولكنه كتب في جريدة «دايلي ستار» اللبنانية بالانجليزية يقول: لقد تحملت ثلاثة أجيال من العرب شعورا مؤلما بالمهانة على يد إسرائيل ومن ورائها الغرب، أما الوعود الزائفة بالسلام فقد تبخرت بدورها وذهبت أدراج الرياح.
هذه الحرب السادسة تصفها المؤلفة مع نهاية الصفحات المخصصة للبنان فتقول: كانت أطول حرب خاضتها إسرائيل، وفي كل مراحلها كانت إسرائيل تخفض توقعاتها وفي النهاية ثبت أن هجوم الدبابات الإسرائيلية عاجز عن تحقيق السيطرة على منطقة حدودية فاصلة.
أخيرا تقول روبن رايت: في الحرب السادسة ثبت أن إسرائيل قوة يمكن التغلب عليها، وكان أن انقشعت الهالة التي طالما أحاطت بها نفسها بوصفها القوة التي لا تقهر في منطقة الشرق الأوسط.
حقائق
حرب يوليو بالأرقام
* خسر لبنان 1187 شهيدا و4080 جريحاً ونزح منه 974184 شخصاً خلال الحرب.
* دمرت وتضررت أكثر من 118963 وحدة سكنية وتم تدمير 91 جسراً
* قتل 116 جندياً و43 مدنياً إسرائيلياً بحسب بيان للجيش الإسرائيلي
* 500 ألف مشرد من شمال إسرائيل بحسب تقرير منظمة هيومان رايتس واتش.
* قدرت الأضرار المباشرة في لبنان بـ 5,2 مليار دولار بينما بلغت الأضرار في إسرائيل حوالي 1,1 مليار دولار.
* عدد دبابات «الميركافا» المحترقة في لبنان بلغ 118 دبابة محترقة، 46 معطوبة، فيما جرى إحراق 96 ناقلة جند وسيارة جيب وجرافة عسكرية.
* القوات الإسرائيلية على جبهة القتال استنفذت نسبة 90% من ذخائرها ما اضطر قيادة الأركان في الجيش الإسرائيلي لفتح مخازنها المغلقة منذ سنوات لاستعمال الذخائر والآليات.
* أطلق حزب الله أكثر من 4000 صاروخ على إسرائيل خلال الحرب.
* بلغ عدد الغارات الجوية التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي 12 ألف غارة جوية.
الصفحات: 464 (كبير)
الكتاب: مستقبل الشرق الأوسط
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: دار بنغوين ـ نيويورك ـ 2008

