تفرد مؤلفة الكتاب في هذه الحلقة المساحة كلها للحديث عن مصر، حيث تتناول التحولات الجارية على الساحة السياسية المصرية وأبرز اللاعبين على تلك الساحة من الفئة الحاكمة وقوى المعارضة. ومن البديهي أن تركز المؤلفة على مصر نظراً لأهمية دورها ومكانتها في الشرق الأوسط، فلا يمكن الحديث عن مستقبل المنطقة من دون التطرق إلى مصر. وانطلاقاً من إدراكها لهذه الحقيقة، قامت المؤلفة بإجراء مقابلات مباشرة مع الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي المصري ولم تعتمد على المعارف المتراكمة لديها من المصادر غير المباشرة.
وترصد روبن رايت التحولات والحراك السياسي في مصر، وتسلط الضوء على سلك القضاء المصري الذي حافظ على قدر من الاستقلالية منذ القرن التاسع عشر، وتشير إلى حرصه على نقاء الممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية المصرية وانضمامه إلى جموع الحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تطالب بالتغيير. وتسهب في الحديث أيضاً عن الحركات السياسية المعارضة كحركة كفاية مع التفريق بينها وبين حركات أخرى تحمل الصبغة الدينية كحركة الإخوان المسلمين، ولا تنسى أن تقدم وجهة النظر الرسمية من خلال مقابلات أجرتها مع شخصيات مسؤولة في النظام الحاكم.
كان منطقيا أن يبدأ كتابنا بفصل أول عن الفلسطينيين أو القضية - اللغز المحير والمستعصي على الحلول في عرف روبن رايت مؤلفة الكتاب، ثم يتحول الاهتمام إلى مصر التي تحظى بفصلين من الكتاب، حيث تخصص لها المؤلفة الفصل الثاني بعنوان «نقاط التحول» ثم الفصل الثالث بعنوان «اللاعبون على الساحة».
وفي مقاربة هذا الفصل المتعلق بأحوال مصر، اتبعت المؤلفة نهجا يجمع بين المقابلة والسيرة الشخصية وبين هوامش اضافتها من واقع معارفها وخبراتها إلى متن الواقع السائد حاليا على مسرح السياسة المصرية من هنا يحفل الفصل «المصري» من كتابها بأسماء ناشطات في الحركة السياسية العامة في هذا المسرح منهم مثلا السيدة غادة شهبندر التي تقدمها سطور الكتاب بوصفها عضوا بالغ النشاط في التجمعات التي استجدت في السنوات القليلة الأخيرة مثل حركة «كفاية».
وحركة «شايفنكم» والمؤلفة تحرص بالطبع على إيراد هذه الأسماء في أصولها العربية فيما تعمد إلى إطلاع قارئ الانجليزية لكتابها على أصول واشتقاقات هذه الأسماء من واقع اللغة الفصحى أو الدارجة في الشارع المصري، ثم نلمح من أسماء الناشطات أيضا المستشارة نهى الزيني، التي تنتمي .
كما هو معروف إلى سلك القضاء، وهو المؤسسة التي تتطرق إليها المؤلفة (ص 89) في عبارات تقول فيها: إن للقضاء المصري تاريخا طويلا من الاستقلال يرجع إلى سنوات القرن التاسع عشر. ومن ثم فقد ظل السلك القضائي أكثر فروع الحكم في مصر احتراما وتوقيرا بصرف النظر عن شخصيات من حكموا مصر.
لكن هاهي المؤلفة ترصد ما طرأ من تغيرات على المجتمع والسياسة والشأن العام في مصر وإذا بها تتوقف مليا عند ما استجد من ظاهرة التفاعل بين القضاة وبين تطورات الأحداث على المسرح السياسي في البلاد، وخاصة عندما أصر القضاة على صيانة عملية الانتخابات الرئاسية التي تمت عام 2005 من أي شبهات التحيز أو العبث برأي الناخبين خاصة وقد تمت تلك الانتخابات على ضوء مبادرة إيجابية اتخذها الرئيس مبارك شخصيا وفتح بها المجال - لأول مرة في تاريخ الحكم المصري - لحلبة المنافسة على المنصب الرئاسي الأول في البلاد.
في هذا السياق - ومن خلال شهادات أدلى بها كل من الناشطة غادة شهبندر، المستشارة نهى الزيني، المحامي ناصر أمين، المستشار هشام بسطويسي - تحرص مؤلفتنا روبن رايت على أن تسرد حكاية وقفة القضاة - في القاهرة والإسكندرية - من أجل تعزيز الممارسة الديمقراطية وتطهيرها من شوائب العنف أو التلاعب بآراء الجماهير.
تقف المؤلفة مع القارئ بالذات عند تاريخ 17 مارس 2006 لتقول (ص 94): في هذا اليوم شهدت القاهرة تظاهرة جماهيرية غير مسبوقة في التاريخ، ضمت نحو ألف من رجال القضاة وهم يرتدون أوشحتهم الخضراء أو الحمراء جاءوا من كل أنحاء البلاد محتشدين في الشوارع المفضية إلى نادي القضاة في قلب القاهرة يطرحون مطلبا يتلخص في كلمة واحدة: التغيير. ويومها حظيت وقفتهم تحت وهج الشمس بتحية وتأييد جموع من حشود الجماهير.
وكانت «بهية» شاهدة وحاضرة في هذا كله - بهية كما تصفها المؤلفة هي «أهم مدونة إلكترونية تبث رسائلها على أثير الحاسوب فيما تتمتع المدونة بخبرة لا تخفى في أمور القانون. وبديهي أن بهية اسم منسوب في الحوليات الشعبية إلى مصر نفسها منذ أن كرسّته قصائد الشاعر الشهير أحمد فؤاد نجم.
كتبت مدونة بهية تقول: ها هم القضاة وقد أصبحوا في محور السياسة العامة وليس من المبالغة بأن لفيفا منهم قد بلغوا من حيث اهتمام الناس وحب الجماهير شأوا بعيدا. بل يمكن القول ان قضاة مصر قد تسلموا زمام القيادة بدلا من أن ينهض به جموع السياسيين.
واضح أن الساحة المصرية في اللحظة الزمانية الراهنة حاشدة بصنوف واتجاهات ومشارب وطروحات متعددة من حيث الأفكار والدعوات، وأيضا من حيث القوى واللاعبين.
هذا هو موضوع الفصل الآخر (الثالث من الكتاب) الذي خصصته المؤلفة أيضا لاستكمال الحديث عن مصر. ومن واقع قراءاتها استطاعت أن تقسم هؤلاء اللاعبين إلى 3 فئات أساسية، ينتهي اسم كل فئة منها بحرف التاء في الانجليزية وقد يقابله في عربيتنا حرف الطاء والفئات الثلاث هي:
أولا: الثيوقراط (بمعنى دعاة أصحاب الدعوات الدينية)
ثانيا: الديموقراط (دعاة التحولات والأساليب الديمقراطية)
ثالثا: البيروقراط (المتمتعون بمقاليد السلطة والمقاومون من ثم لحركة التغيير)
على طول صفحات هذا الفصل (77 صفحة) تحكي المؤلفة عن خطتها لكي تلتقي بأهم قيادات كل من تلك الفئات. عن الفئة الأولى تحكي روبن رايت عن لقائها مع محمد حبيب الرجل الثاني - كما تسميه - في حركة الأخوان المسلمين.
تصفه بأنه أستاذ جامعي في مادة الجيولوجيا، وقد تخصص في عملية استقاء البيانات الجيولوجية من واقع الصور - الملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، ولعل أهم ما فوجئت به المؤلفة قول الدكتور حبيب: أنا لست رجل دين، والواقع أن معظم من ترينه هنا هم من أهل المهن المختلفة، أطباء، مهندسون، أكاديميون، ومن في حكمهم.
بعدها تتوسع المؤلفة في متابعة عرضها لهذا الفصل (من أصحاب الدعوة الدينية في مصر)، فتوضح للقارئ كيف استطاعت حركة الأخوان أن تعود إلى الساحة السياسية منذ بواكير الثمانينات حين بدأ أعضاؤها ينفذون إلى تشكيلات النقابات والاتحادات المهنية ويفوزون بمقاعد القيادة فيها .
وبعدها تحولوا من خلال تحالفات مع أحزاب مشروعة إلى حيث فازوا بمقاعد عديدة ومواقع مؤثرة في البرلمان، كيف لا وهم يتوجهون بالدعوة التي تتوسل بالدين والشريعة إلى جماهير استقرت في أعماق ضميرها تعاليم الدين وأحكام الشريعة، في هذا السياق أيضا تقول مؤلفة الكتاب (ص 101): المصريون شعب عميق التدين سواء كانوا مسلمين أو كانوا أقباطا مسيحيين، إن الإيمان يزودهم بذخيرة المنطق وبشعور من السكينة.
وبما يعينهم على تحّمل وعثاء الحياة، ولقد ظلت القاهرة، لأكثر من ألف سنة هي أكبر حواضر الإسلام إذ كانت تضم الأزهر، أعرق جامعة للعلم الإسلامي، لا غرو أن تنتج القاهرة - كما تضيف المؤلفة (ص 102) اثنين من أشهر نجوم الدعوة المتلفزة على الفضائيات، وهما (الداعية) عمرو خالد والشيخ يوسف القرضاوي.
وفي معرض تفاعلها مع الفئة الثانية - وهم أهل الديمقراطية كان طبيعيا أن تشهد مظاهرات «كفاية» وخاصة تلك التي أعقبت حادثة غرق العبّارة المأساوية في مياه البحر الأحمر، وكان أكثر من طبيعي أن تستمع في غمار هذه التجمعات الجماهرية إلى شكاوى من ضيق المعايش، وارتفاع الأسعار، وانعدام تكافؤ الفرص، ثم تلتقي مع الناشط جورج أسحق الذي تصفه (ص 116) بأنه مؤسس كفاية الذي طالعت على مدخل مكتبه لافتة تحمل العبارة التالية: مركز الدراسات المصرية.
وهي تصف هذا «المركز» بأنه اسم مستعار للتغطية لأن «كفاية» لم تتمكن من التسجيل بوصفها جماعة مشروعة قانونا. وبمناسبة الأسماء واللافتات والمنظمات -تورد المؤلفة أيضا ملاحظة لمّاحة حين تقول إن حركة «كفاية» ألهمت قيام أطر أو تجمعات وليدة أخرى منها مثلا: شباب من أجل التغيير، وصحفيون من أجل التغيير ومدرسون من أجل التغيير وأطباء من أجل التغيير، فنانون.. محامون.. من أجل التغيير.
مع هذا كله فهي ترى أن «كفاية» نفسها ما برحت عاجزة عن اتخاذ الخطوة الحاسمة التي تتحول بها من حركة معارضة إلى بديل سياسي.
بنفس المنطق الموضوعي ـ كما نراه ـ تواصل المؤلفة من منظور خبرتها الطويلة في ميدان التحليل فتقول: على خلاف حركة الأخوان المسلمين، لم تعمل «كفاية» على طرح برنامج عمل ملموس ولا قدمت ـ أسوة بالإخوان - مرشحين في انتخابات الرئاسة أو للبرلمان.
هكذا ظلت المؤلفة تجول في دنيا المعارضة السياسية في مصر، حيث تتقافز أمام القارئ أسماء من قبيل نعمان جمعة (حزب الوفد) أيمن نور وزوجته جميلة إسماعيل (حزب الغد) تابعت بعضهم، والتقت بعضهم الآخر، لكنها حرصت بالطبع على أن تلتقي بالفئة الثالثة من الفصائل المؤثرة في المجتمع المصري، وهي فئة أهل الحكم وأصحاب السلطة، وقد أحالوها إلى أثنين من أهل «الانتيلجنسيا» الحاكمة كما قد تصنفهم:
الأول من صفوف الحكومة - الرئاسة وهو الدكتور أسامة الباز. الثاني من صفوف الحزب الوطني الحاكم ـ لجنة السياسات وهو الدكتور محمد كمال.
في مكتبه بمقر الرئاسة التقت أسامة الباز، حيث حدثها المستشار الرئاسي عن مرحلة التحول التي تجتازها مصر ولكن مع الحفاظ على الاستقرار، وحدثها أيضا عن مشاكل الاقتصاد وتشغيل خريجي الجامعات وتورم البيروقراطية الحكومية واضطرار النظام إلى اعتماد الإعانات لدعم أسعار السلع الأساسية كالسكر والبنزين والقمح، بحيث لا يبقى سوى القليل لاستثماره في مجال البنى التحتية والمرافق الأساسية.
عند محمد كمال ـ النجم الصاعد في لجنة السياسات وأصغر عضو ـ كما تؤكد المؤلفة بالتعيين في مجلس الشورى، كان الحديث سياسيا بالدرجة الأولى، وبالذات عن إيمان الدكتور كمال (وبالتالي لجنة السياسات بالحزب الحاكم) بنظرية المشروع الحر (الرأسمالية) ولكن مع إسناد دور ومسؤولية اجتماعية كما وصفها إلى الحكومة تجاه الناس، على نحو ما كان عليه تفكير كل من الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير.
المؤلفة في سطور
*مؤلفة الكتاب روبن رايت كاتبة صحافية واصلت تغطية الأحداث في كبريات الصحف الأميركية والبريطانية عبر سنوات جيل كامل.
* شملت تغطياتها الصحافية أكثر من 140 بلدا في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
* نالت العديد من الجوائز الأدبية وفي مقدمتها ميدالية الأمم المتحدة الذهبية كأحسن مراسل صحفي.
* عملت كزميل باحث في جامعات يال وديوك وستانفورد بالولايات المتحدة.
*أصدرت عدة كتب مهمة تعكس في مجموعها اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط ومن أهم هذه الكتب: الغضب المقدس (عن التشدد الإسلامي) وآخر الثورات الكبرى (عن إيران).
-تشارك في العديد من البرامج التلفزيونية كمعلقة على الأحداث في كبرى القنوات الإخبارية.
الصفحات: 464 (كبير)
الكتاب: مستقبل الشرق الأوسط
تأليف: روبن رايت ـ عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: دار بنغوين ـ نيويورك ـ 2008

