يستمد هذا الكتاب أهميته من حيوية موضوعه وجديته حيث يتناول أحوال الشرق الأوسط عند منعطف مرحلة زمنية فاصلة من مستهل القرن 21 وهي مرحلة التحولات نحو الممارسة الديمقراطية والتحديث التكنولوجي. وتستند فيه المؤلفة - كما يقول الناشر - إلى 39 سنة من عمرها كباحثة سياسية وكاتبة صحافية.

والكتاب كما يصفه النقاد هو أقرب إلى «جولة أفق» بمعنى مرحلة استطلاع فكري شاملة تجوب أنحاء الشرق الأوسط من إيران إلى مصر والمغرب العربي حيث تجمع الكاتبة بين التحليل السياسي وبين اللقاءات الميدانية المباشرة مع مختلف العناصر التي تمارس أدوارا مباشرة أو غير مباشرة على ساحة السياسة في المنطقة. بهذا يؤكد المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما أن الكتاب يقدم زادا هائلا من المعرفة بما يوضح مدى جسامة التغيير الذي يطرأ على مجتمعات الشرق الأوسط. وكانت الأمم المتحدة قد خلصت بعد استطلاع دولي تم إجراؤه في عام 2005 إلى أن منطقة الشرق الأوسط تواجه عجزا فادحا في الحرية، حيث أن معظم الشعوب العربية تعيش بين نارين: فلا شيء يتحرك إلى الأمام، وفي الوقت نفسه الكل يواجه المصير نفسه.

تكاد سطور هذا الكتاب تشكل في مجموعها متحفا نابضا بالحياة يعكس ما يعتمل في منطقة الشرق الأوسط من تطلعات وطموحات ومشكلات وإحباطات أيضا. على أديم الصفحات نتفق كثيرا مع مؤلفة الكتاب وقد نختلف أكثر وأكثر، ولكن لن نماري في أن «روبن رايت» كاتبة مقتدرة لأنها تعايش موضوعها ليس عن كثب وحسب، ولكن في قلب الميدان. وعلى الرغم من أن كتابها يتألف من عشرة فصول ضافية، تكاد تروي في مجموعها حكاية منطقتنا في مشرقها وأيضا في مغربها، ما بين فلسطين إلى لبنان وما بين العراق إلى مراكش - إلا أن في تصورنا أن فصل المقدمة الاستهلالي من الكتاب الذي يقع في 18 صفحة من القطع المتوسط يشكل بوتقة استقطرت فيها المؤلفة روح المنطقة وحاولت أن تعرض لأبعاد حاضرها واحتمالات مستقبلها، فلا عجب أن اختارت روبن رايت لفصل المقدمة التي تحكي بإجمال عن الشرق الأوسط العنوان التالي: الآفاق.

بل إن تواصلها الشخصي مع الشرق الأوسط يعكس بدوره جانبا رمزيا أو تاريخيا، كيف لا وهي تحكي عن أول يوم وضعت فيه قدمها - بوصفها صحفية وكاتبة وباحثة فتقول: كان هذا اليوم هو السادس من أكتوبر من عام 1973. وصلْت إلى بيروت في غمار الأحداث الفوارة التي واكبت اندلاع الحرب الرابعة في المنطقة. كان العرب قد شنوا هجوما مباغتا على إسرائيل ويومها انحنى سائح أميركي يهمس في أذني قائلا: لقد عبرت القوات المصرية قناة السويس. وتضيف المؤلفة قائلة: وهكذا أمضيت أكثر من 30 سنة وأنا أتردد على الشرق الأوسط ما بين الزيارة والإقامة وعندما خططت لوضع هذا الكتاب عاودت زيارة المنطقة أجول في أنحائها لأكتب عن أزمات التغيير التي بدأت تعيد تعريف الشرق الأوسط مع حلول هذا القرن الحادي والعشرين.

وأنا أعرف تماما أن هناك العديد من الكتب الصادرة عن الصراع العربي - الإسرائيلي، وعن التشدد الإسلامي وعن حرب العراق وعن الوضع في إيران. لكنني عمدت إلى الإطلال على أحوال المنطقة من منظور مختلف تماما، وكان هدفي هو النفاذ إلى أعماق مجتمعات الشرق الأوسط كي أرصد الأفكار المستجدة التي تنشأ وأراقب سلوك اللاعبين على ساحتها.

المؤلفة إذن ترى أن الشرق الأوسط منطقة زادت أهميتها مع مستهل القرن الجديد وهي تبرر هذه الأهمية قائلة: بعد صدمة هجمات 11 سبتمبر في أميركا وبعد حرب العراق، وعلى ضوء المرتقب من أزمات زادت أهمية الشرق الأوسط، وبالتحديد زادت أهمية أن نفهم الشرق الأوسط. وقد نسألها عن حكاية «الفهم» التي تؤكد عليها وهي تبادر إلى إجابة صريحة (ص 17) فتقول: لأن الخطأ الجوهري الكامن خلف تدخل أميركا في العراق ظل متمثلا في الجهل (من جانب واشنطن) بأحوال العراق وأهل العراق.

لقد نفذوا سياسة بعيدة عن الوعي والاستنارة، فقد جاء قرار أميركا بخوض الحرب في العراق مستندا إلى مجرد التعلل بالأمنيات وبتوقعات شاغلي المكاتب المكيفة والمقاعد الوثيرة. والنتيجة - تضيف المؤلفة - أن أميركا وحلفاءها لن يكون بوسعهم تكرار هذا الخطأ مرة ثانية، فما زال العراق يكبدهم تكاليف فادحة من الأرواح والموارد فضلا عن توتر العلاقات الإنسانية والسياسية، وتلك مغارم باهظة لم تجد حتى الآن من يجيد حسابها.

في كل حال، فقد حرصت المؤلفة على أن يعكس كتابها الواقع المعاش في المنطقة - بمعنى أصوات أهلها وسكانها وهو تعبير مباشر مستقى من الواقع اليومي بكل أبعاده ومشاكله، دون أن يكتفي الكتاب بآراء المحللين أو المعلقين أو أصحاب الجباه العالية كما قد نسميهم في أكثر من سياق.

وفي هذا السياق أيضاً تعاود روبن رايت استهلالها لمنهج هذا الكتاب قائلة: لقد حرصت على تغطية كل الساحة السياسية من كل أطرافها. دون أن أقتصر على دعاة الديمقراطية الجدد أو أبطال التغيير، لهذا عمدت إلى متابعة قادة الحركات المتشددة في فلسطين ولبنان، وعايشت النشطاء السياسيين الطامحين في كل من مصر والمغرب، وتقصيت أخبار دعاة الإصلاح الجسورين في سورية وإيران.

هكذا، وبعد أن بلورت مؤلفة الكتاب منطلقاتها الأساسية بدأت رحلتها - بفضول وعين الكاتب حيث اختارت للفصل الأول الموضوع المحوري في المنطقة كلها ويلخصه ببساطة مباشرة العنوان التالي: الفلسطينيون. من هنا جاء العنوان الفرعي للفصل المذكور، والمؤلفة تلخص هذه المحورية - الفلسطينية كما نسميها في عبارة موحدة تقول فيها: رغم ضيق مساحة الأرض ومحدودية عدد السكان - إلا أن الفلسطينيين ما برحوا يحددون أجندة العمل العربي منذ عام 1948.

ولهذا يدرك السياسيون العرب أن تطورات قضية فلسطين كفيلة بأن تخلف آثارا واسعة النطاق عميقة الوطأة في طول المنطقة (العربية) وعرضها. وكم كان بليغا ذلك المثقف الفلسطيني الذي عبر عن هذه الحقيقة في حواره مع مؤلفة الكتاب يقول: إننا «جرح» العالم العربي، ولذلك فكل فرد يرقب ما يحدث لنا.

والمؤلفة ترى أن ما يحدث في فلسطين - القضية والشعب والمصير- من متغيرات سيكون بمثابة وسيط التفاعل لاستمرار معادلة التغيير في أوضاع العالم العربي. وعندها فالتغيير ليس مجرد تفاعل يحدث في جزيرة معزولة مقطوعة الصلات عما حولها - وهي ترى، عن حق كما نتصور - أن التغيير يخضع لما يوصف في دنيا السياسة بظاهرة الدومينو - وهي سلسلة التفاعل المتواصلة الحلقات - ما أن يحدث في منطقة حتى تنتقل آثاره - مهما تغيرت الصور والأساليب والأنماط ومنطق التداعي مثل أحجار الدومينو إلى المناطق الأخرى.

تقول روبن رايت في هذا الخصوص(ص 21): ثمة عامل مشترك يجمع بين أنماط التغيير على مستوى العالم- ما بين زوال الشيوعية في شرق أوروبا إلى نهاية الديكتاتورية العسكرية في أميركا اللاتينية وانهيار نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا- وهو أن التغيير بدأ بكسر احتكار السلطة من أيدي مستبدة سواء كانت أيدي قائد أوحد أو حزب أو حكومة أو أيديولوجية.

صحيح أن الأمر قد يستغرق عقودا من الزمن، لكن ما إن تبدأ عملية التغيير حتى نرى استمراراً في حركتها وكأنها دولاب لا يتوقف عن الدوران. بيد أن التغيير الحق - كما توضح مؤلفة الكتاب - يتطلب توافر أمر أساسي تلخصه كلمة واحدة: التعليم، فهو الذي يخلق الوعي ويضيء المسيرة، ويؤدي إلى ترشيد الخيارات السليمة.

ومن عجب أن الشعب الفلسطيني - كما تراه المؤلفة - يتمتع بمستوى عال من التعليم ومن ثم بالقدرة على فرز الأمور والوقوف على الاختيار السليم. وفي حوار مع المؤلفة يقول المثقف الفلسطيني الدكتور خليل الشقاقي (خريج جامعة كولومبيا): كان التعليم مهما في تزويد الفلسطينيين بالقدرة على التعبير الحر عن آرائهم، ومن ثم يمكن أن تلاحظي ظاهرة تعدد الآراء والاتجاهات في دائرة الأسرة الفلسطينية الواحدة.

البروفيسور الشقاقي هو - كما تضيف المؤلفة - مؤسس أول مركز بحوث مستقل بمعنى الكلمة في العالم العربي وهو يواصل حواره معها فيقول إن الأراضي الفلسطينية المحتلة (في الضفة الغربية وقطاع غزة) شهدت منذ الستينات، ثم بعد عدوان 1967 بالذات - نشوء ونضوج قيادات ومؤسسات للمجتمع المدني تتصف بقدر ملحوظ من حسن الإدارة واستقلالية القرار. ومن ثم كان أسلوب العمل الديمقراطي والتوجه باستمرار نحو القواعد الشعبية معتمدة في ذلك على نفسها وعلى إمكاناتها الداخلية بمنأى حتى عن قيادة منظمة التحرير.

في كل حال شهدت الساحة الداخلية الفلسطينية ولعلها لا تزال تشهد - ظاهرة أقرب إلى التعددية من حيث الرأي والتوجه السياسي. ولا يقتصر الأمر - كما لاحظت مؤلفة الكتاب خلال إقامتها في الضفة والقطاع - على آحاد الأفراد من قواعد الشارع الفلسطيني بل يتعداه إلى الشرائح العليا من المجتمع الفلسطيني.

فالبروفيسور الشقاقي شخصيا يعمل أستاذا بالجامعة ورئيسا لمركز بحثي ويشرف على إجراء دراسات سياسية واستقصاءات إحصائية، لكن المؤلفة تحدثت أيضاً عن شقيقه الدكتور فتحي الذي تخرج من كلية طب الزقازيق في مصر العربية وأصبح من بعد واحدا من قيادات «حركة الجهاد الإسلامي» ذات التوجه الإسلامي المعروف.

تحدثنا المؤلفة أيضاً عن الأخوين الرجوب اللذين ينتميان إلى عائلة من 13 فردا، الأول جبريل ما زال من قيادات فتح والثاني نايف ينتمي إلى منظمة حماس الدينية الاتجاه. والطريف - تضيف المؤلفة (ص 43) - أن رجل الدين نايف الرجوب تعرض للاعتقال 4 مرات على يد أخيه شخصيا!

في السياق نفسه تورد روبن رايت ملاحظة لماحة بشأن الأصول - الواحدة بدورها التي صدرت عنها كل من «فتح» و«حماس» تقول: ومن المفارقات أن حماس وفتح لهما نفس الجذور. كلتا الحركتين نشأتا عن جماعة «الأخوان المسلمين» التي تأسست في مصر (عام 1928). كان ياسر عرفات عضوا في حركة الأخوان المسلمين أيام دراسته في القاهرة خلال عقد الخمسينات، فيما كان الواعظ الشيخ أحمد ياسين الذي جمع بين مشكلة الإعاقة وعمق التأثير هو رئيس شعبة الأخوان في غزة.

ومن المفارقات التي ترصدها المؤلفة أيضاً ما آل إليه الأمر في السنوات الأخيرة: لقد ظلت منظمة فتح تسيطر على ساحة السياسة الفلسطينية على مدار عقود طويلة لكن بعد فوز حماس في الانتخابات انتهى هذا الاحتكار.

هناك أسئلة مطروحة بإلحاح في هذا الصدد من قبيل: هل كانت الانتخابات هي نهاية مطاف إذن؟ أو بمعنى آخر: هل كانت الخيارات الديمقراطية (التي جاءت بحماس) هي الترياق الذي يوصل إلى حل القضية واسترداد الحقوق وتحقيق الآمال؟

المؤلفة تدور من حول هذه التساؤلات بقدر من التحوط والاحتراس الملحوظ تقول (ص 49): إن النتائج المرتقبة في الشرق الأوسط تحذر من أنه حتى الانتخابات الحرة والنزيهة قد لا تسفر بالضرورة عن ديمقراطية رشيدة يحسب لها حساب. فبعد عقود من الحكم الاستبدادي، يتعرج مسار السياسة لدرجة أن الخيارات المستجدة والفائزين في الانتخابات قد لا يكونون من عناصر الاعتدال المفطورة على التسامح أو المُحبة للسلام.

إن الانتقال والتحول من نظام شمولي إلى نظام ديمقراطي عملية غاية في الوعورة محفوفة بالمشكلات وتقتضي صبرا ومراحل زمنية يعتد بها، والأمثلة عديدة يمكن التماسها من حالة أقطار مثل روسيا وجنوب أفريقيا أو فنزويلا. مع هذا كله - تؤكد روبن رايت - أن الفلسطينيين ما برحوا يشكلون إرهاصا بأهمية التغيير في الشرق الأوسط، ولعل أهم ما أسفرت عنه أحوالهم أنهم دللوا على تطلع العرب إلى مجتمعات سياسية مفتوحة بل تقوم على خيارات حرة على أساس من التعددية والثقة في جموع الجماهير.

المؤلفة في سطور

-مؤلفة الكتاب روبن رايت كاتبة صحافية واصلت تغطية الأحداث في كبريات الصحف الأميركية والبريطانية عبر سنوات جيل كامل.

- شملت تغطياتها الصحافية أكثر من 140 بلدا في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

- نالت العديد من الجوائز الأدبية وفي مقدمتها ميدالية الأمم المتحدة الذهبية كأحسن مراسل صحافي.

-عملت كزميل باحث في جامعات يال وديوك وستانفورد بالولايات المتحدة.

- أصدرت عدة كتب مهمة تعكس في مجموعها اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط ومن أهم هذه الكتب: الغضب المقدس (عن التشدد الإسلامي) وآخر الثورات الكبرى (عن إيران).

- تشارك في العديد من البرامج التلفزيونية كمعلقة على الأحداث في كبرى القنوات الإخبارية.

الصفحات: 464 (كبير)

الكتاب: مستقبل الشرق الأوسط

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: دار بنغوين ـ نيويورك ـ 2008