تتناول المؤلفة في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرض هذا الكتاب، علاقات الهند بجاراتها وبالولايات المتحدة، حيث تشير إلى أن الهند تقع في محيط مضطرب تعاني فيه معظم الدول المجاورة لها من حروب ونزاعات أهلية وتسود فيه علاقات متوترة مع جارتها باكستان التي خاضت معها أربع حروب حول إقليم كشمير المقسم والمتنازع عليه بين الدولتين.

وقد دفعتها هذه الأجواء المتوترة إلى التسلح، مما جعلها تحتل في 2006المرتبة الأولى بين دول العالم الثالث في شراء الأسلحة التقليدية، بحسب دائرة البحوث التابعة للكونغرس الأميركي.واستطاعت الهند أن تدخل نادي الدول النووية وتفرض وجودها كقوة إقليمية كبرى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إقامة شراكة استراتيجية معها تخدم الأهداف الأميركية. وبدأ التقارب بين الدولتين بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في عام 2000 وتعزز في عهد جورج بوش بتوقيع اتفاقيات تعاون عديدة توجت باتفاق التعاون النووي المدني الذي وقع في 2006، وعكس مدى الاهتمام الذي توليه واشنطن بالدور الإقليمي المتنامي للهند وأهميتها في إنجاح الحرب على «الإرهاب» وبخاصة في أفغانستان.

في عام 1998 قامت الهند بسلسلة من التجارب النووية الناجحة. أعرب الهنود داخل الهند وخارجها عن فرحتهم الكبيرة بانضمام بلادهم، بالاعتماد على إمكانياتها الخاصة وعبر تحدي العالم كله، إلى نادي البلدان القليلة المالكة للسلاح النووي. كان ذلك مصدر فرح حتى للهنود «الأقل ميلاً للعنف».

وبررت الهند قيامها بتلك التجارب النووية بوجودها في «محيط مجاور خطير». واعتبارا من عام 1998 زادت الهند ومنافستها الرئيسية باكستان من قدراتهما العسكرية وعملتا على تطوير منظومات من الصواريخ ذات المدى الطويل، بحيث تكون قادرة على حمل رؤوس نووية.

تعتبر الهند أكثر بلدان العالم شراء للأسلحة. وتدل تصنيفات «معهد البحوث الدولية حول السلام» في ستوكهولم أن الهند تحتل المرتبة الثانية في هذا المضمار بعد الصين. وكان تقرير لدائرة البحوث التابعة للكونجرس الأميركي قد أشار في خريف عام 2006 إلى أن الهند تحتل رأس قائمة مشتري الأسلحة التقليدية في العالم الثالث، إذ بلغت قيمة مشترياتها 4,5 مليارات دولار مقابل 8,2 مليار دولار للصين.

تعرف منطقة جنوب آسيا حالة كبيرة من عدم الاستقرار، فجميع البلدان المجاورة للهند تقريبا تشهد نزاعات داخلية، مثل سريلانكا التي تعاني من حرب أهلية تخمد ثم تستعر، وبنغلاديش التي تشهد تصاعداً في قوة ونشاط الحركات المتشددة، أما الجارة الكبرى باكستان فيتم وصف الوضع فيها أنه «دقيق». وبالنسبة لآسيا الغربية، كما يطلقون أحيانا على منطقة الشرق الأوسط، فإنها ممزقة بصراعات قاتلة مع وجود أكثر من بؤرة متفجرة خاصة في العراق وفلسطين.

إن العلاقات الهندية ـ الباكستانية الصعبة تمتد جذورها بعيدا في عمق تاريخ البلدين. وكان عام 2007 قد صادف الذكرى ال60 لتقسيم البلدين الذي بلغ عدد ضحاياه ما بين 000 200 ومليون شخص مع حركات «هجرة» وانتقال عبر الحدود المرسومة حديثا.

باختصار بقي «التقسيم» بمثابة «جرح مفتوح» على الجهتين. ودخلت الهند وباكستان في دورة لا تتوقف من النزاعات مع أربع حروب وعدد لا يحصى من المناوشات في منطقة كشمير الحدودية المتنازع عليها.

ووصلت الهند وباكستان عام 2002 إلى حدود الدخول في حرب شاملة مع خطر استخدام الأسلحة النووية. والشرارة التي كانت باستمرار وراء انطلاق النزاع بين البلدين هي مشكلة كشمير، هذه المنطقة العالية في جبال الهملايا والتي يعتبرها البلدان جزءً لا يتجزأ من ترابهما الوطني، والمقسومة إلى شطرين عبر خط يخضع لرقابة الأمم المتحدة.

تعود علاقات الهند ببلدان آسيا الوسطى والغربية، خاصة أفغانستان وإيران، إلى عدة قرون من الزمن. وكانت في مقدمة الدول التي قدمت المساعدة لأفغانستان بعد انهيار نظام طالبان. وقد شارك عمال هنود في عمليات إعادة إعمار كثيرة فيها. أما علاقة الهند القوية بإيران فتظهر خاصة من خلال بناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي الإيراني إلى الهند.

وتدل الإحصائيات على وجود أكثر من 4 ملايين هندي يعملون في منطقة الخليج العربي. وتقدّر تحويلات هؤلاء العاملين إلى بلادهم سنويا بحوالي 5 مليارات دولار. وهذا يشكل مصدر عملة صعبة مهماً بالنسبة للهند، كما يشكل مصدر عون كبيرا بالنسبة لتزويد أسرهم بالمال الضروري من أجل تأمين سبل العيش. ولا شك أن وجودهم في منطقة الخليج له أثره على الرؤية الإستراتيجية لدى نيودلهي حيال هذه المنطقة الغنية بالبترول.

في عام 2000 قام الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون بزيارة إلى الهند، كانت الأولى لرئيس أميركي منذ 22 سنة. وقد قوبل الخطاب الذي ألقاه في البرلمان الهندي بعاصفة من التصفيق، خاصة عندما قال إن «الأميركيين يؤيدون زعامة الهند في المنطقة وفي العالم، وأنا أدعو البلدين لترجمة رؤاهما المشتركة إلى إنجازات مشتركة بحيث ان اشتراكهما في الأفكار يغدو اشتراكا في الأفعال». باختصار أوجدت تلك الزيارة «الديكور» المطلوب من أجل شراكة «لا سابق لها» بين الهند والولايات المتحدة.

وعندما تولّى جورج دبليو بوش مهام منصبه الرئاسي عام 2001 كان لديه آراء محددة حول أهمية الهند من أجل تشجيع مصالح الولايات المتحدة وتعزيز القوة الأميركية في العالم على المدى الطويل. تعززت مثل تلك الرؤية بعد تفجيرات 11 سبتمبر.

ففي عالم بدت فيه الصين كقوة عظمى صاعدة وتكاثرت فيه التهديدات الصادرة من المجموعات المتشددة ضد الولايات المتحدة، قررت إدارة جورج دبليو بوش أن تؤسس شراكة قوية مع الهند كمطلب إستراتيجي واقتصادي.

وفي الوقت الذي كانت فيه إدارة كلنتون قد أكّدت على مقولة منع الانتشار النووي وشجّعت الهند كي تلتحق بالولايات المتحدة من أجل التصديق على معاهدة المنع الكامل للتجارب النووية، كان لدى إدارة بوش الجديدة فكرة أخرى حول الدور الذي ينبغي للسلاح النووي أن يلعبه في مسألة الأمن الأميركي. هكذا منع مجلس الشيوخ الأميركي عام 1999، حيث كان تحت سيطرة الجمهوريين، التصديق على معاهدة منع الانتشار النووي.

وقد جاء في الوثيقة الأميركية التي حملت عنوان «إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية التي جسّدت رؤية إدارة بوش بالنسبة لدور أميركا في العالم، أن «الولايات المتحدة شرعت بتغيير علاقاتها الثنائية مع الهند على خلفية القناعة أن المصالح الأميركية تتطلب روابط قوية مع هذه البلاد. إننا نمثّل الديمقراطيتين الأكبر، والهند تتجه صوب حرية اقتصادية أكبر.

ومصلحتنا المشتركة هي في حرية التدفقات التجارية، خاصة عبر الخطوط البحرية الأساسية في المحيط الهندي. وأخيرا نحن نشترك في حرصنا على مكافحة الإرهاب وإيجاد آسيا المستقرّة إستراتيجيا».

مع ذلك تؤكد التحليلات المقدّمة أن العلاقة الجديدة التي تقول بها إدارة بوش ليست شراكة بين أطراف متساوية. فهناك فروق شاسعة بين القوة العسكرية والوزن الاقتصادي للولايات المتحدة والهند. أميركا هي العملاق العسكري في العالم وهي صاحبة نصف النفقات العسكرية العالمية وهي قادرة على أن تدفع قواتها إلى أي مسرح عمليات في العالم.

أما الهند فقد أرادت من جهتها التقرّب من الولايات المتحدة في منظور جني فوائد تكتيكية وتكنولوجية وأيضا في الميدان العسكري. كما أن شراكتها مع الولايات المتحدة بدت كتأكيد مباشر على صعودها وكعامل مساعد على تسريع طموحاتها كقوة كبرى.

وقد وصلت «حرارة» العلاقات بين دلهي والإدارة الجمهورية في واشنطن إلى درجة أن الهنود أخذوا بوصف العلاقة بين الشريكين على أنها حميمية «مثلما بين الإخوة». وفي الوقت الذي بدأ فيه الإصلاح الاقتصادي في الهند يعطي ثماره، طوّرت الشركات الأميركية أعمالها مع الهند. كما جرى تنظيم مناورات عسكرية مشتركة. ونجحت إدارة بوش في الحصول على الدعم العلني من دلهي من أجل الانسحاب الأميركي من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ عابرة لقارات. باختصار بدا أن كل شيء يجري نحو الأفضل في العلاقات الهندية ـ الأميركية.

يعتبر الزعماء الهنود أن وجود شراكة قوية مع الولايات المتحدة يعد أمراً مفيداً إستراتيجيا وضرورة اقتصادية. هكذا أظهروا توددهم للمستثمرين الأميركيين مع الإلحاح على دخول الأسواق الأميركية والضغط من أجل تحويل التكنولوجيا المتقدمة بما في ذلك تلك التي يمكن أن يكون لها تطبيقات عسكرية.

وضمن هذا السياق أيضا شهدت السنوات الأخيرة مفاوضات عديدة بين الهند والولايات المتحدة وتوقيع عدد من الاتفاقات وتشكيل مجموعات عمل مشتركة مما أدى إلى نسج روابط وثيقة في مجموعة من القطاعات من بينها الدفاع والزراعة والتجارة والتكنولوجيا الحيوية والطاقة والبيئة والاستثمارات. وقد توجت تلك العلاقات بتوقيع اتفاق للتعاون النووي المدني في مارس 2006 عند زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش للهند.

تنوّعت ردود الفعل حيال هذا الاتفاق في الولايات المتحدة كما في الهند. فالأميركيون القلقون من الانتشار النووي خشوا أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى سباق جديد للتسلح، مع تحفيز بلدان مثل إيران للتحرك بسرعة من أجل التزود بالتكنولوجيا النووية. هذا وقد أشار عدد من أعضاء الكونغرس إلى أن بعض ما يسمى بـ «الدول المارقة» سيجد في الاتفاق حجة للمضي في نفس السبيل.

دعم آخرون الاتفاق واعتبروه وسيلة لتعزيز العلاقات الأميركية ـ الهندية، لكنهم عبّروا في الوقت نفسه عن أنهم كانوا يفضلون إظهار تشدد أكبر حيال الرقابة على البرنامج النووي العسكري الهندي.

على الجانب الهندي جاءت معارضة الاتفاق الأكثر شدة من علماء الذرّة الهنود الذين خشوا أن يكون الغرض هو تحويلهم عن التقدم العلمي الذي كانوا على وشك تحقيقه فيما يتعلق باستخدام مادة ال«توريوم» التي قد تجعل البرنامج الهندي النووي مستقلا عن اليورانيوم الذي لا تمتلك منه الهند سوى القليل بينما هي صاحبة أحد أكبر المخزونات العالمية من التوريوم الذي جهد المهندسون الذريون الهنود من أجل تطوير تكنولوجيا محلية تجعله الوقود المستخدم في المفاعلات النووية.

وبتاريخ 14 أغسطس 2006، أي عشية عيد استقلال الهند، بعث 14 من أهم الأخصائيين الذريين في الهند رسالة إلى رئيس الحكومة يحذرون فيها من شروط مدرجة أو ملحقة بالاتفاق قد تسيء إلى «قدرة الهند المستقبلية في تطوير ومتابعة التكنولوجيا النووية التي قد تشكل امتيازات للأمة».

المؤلفة في سطور

* ولدت ميرا كامدار في سياتل بواشنطن وحصلت على شهادة البكالوريوس من كلية ريد وعلى الماجستير والدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

* تشغل كرسي الزمالة الخاص ببرنارد شوارتز في الجمعية الآسيوية في نيويورك وكرسي الزمالة في معهد السياسة الدولية.

* تظهر كتاباتها في كبرى الصحف والمجلات الأميركية والعالمية مثل واشنطن بوست وانترناشيونال هيرالد تربيون ولوس أنجلوس تايمز وغيرها.

* حصلت على جائزة واشنطن للكتاب لعام 2002 عن كتاب مذكراتها: أوشام موتيبا: رحلة حفيدة من أميركا إلى ماضي عائلتها الهندية.

* عاشت في فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتتقن الانجليزية والفرنسية والهندية.

الصفحات: 329

الكتاب: الكوكب الهندي

الناشر: اكت سود ـ باريس ـ 2008

تأليف: ميرا كامدار ـ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف