اختار رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت لإعلان قرب انسحابه من الحياة السياسية إحدى أشد اللحظات حساسية بالنسبة لإسرائيل، حيث اختلطت أصغر القضايا بأكبرها وأقربها مدى بأبعدها في لوحة سيريالية متعددة الألوان والمعاني.

ومن الجائز أن هناك اليوم في إسرائيل من يرى في مصير أولمرت نوعا من الإشارة إلى مصير المشروع الصهيوني بأسره. فرئيس الحكومة الذي وصل إلى الحكم على رياح التغيير الذي دعا إليه سلفه آرييل شارون والذي طمح ليس فقط إلى تغيير النظام السياسي في إسرائيل وإنما أيضا رسم حدودها النهائية باتفاق أو من طرف واحد.

وكان حزب كاديما هو واسطة النقل التي اخترعت على عجل من أجل إنجاز هذه المهمة التي غدت ليس فقط برنامجا سياسيا وإنما أسلوب حياة. فالحزب صار الرجل الذي وثق به الجمهور وتواصل معه من خلال وسائل اتصال غريبة تتم أحيانا بالكلام وأحيانا أخرى بالأفعال.

وعندما وقع شارون في غيبوبة تعاظم الالتفاف حول رؤيته التي وجدت في أولمرت وريثا. وعندما شعر أولمرت أن تغيير النظام السياسي في إسرائيل أشد تعقيدا مما كان يعتقد عمد إلى محاولة ترسيخ معاني التغيير عبر التوجه نحو رسم الحدود.

ولكن رسم الحدود، والذي عنى فعليا تقليصها بغية المحافظة على الأكثرية اليهودية، كان بحاجة إلى إظهار قدر من الشدة مع العرب والفلسطينيين لم يسبق له مثيل. وهذا ما سمي تلطيفا اللا تناسب في استخدام القوة في مزيج جديد من العقاب والردع الذي سبق لرئيس أركان أن وصفه بأنه «كي للوعي».

ويمكن القول إن فشل أولمرت كان جليا في هذا الميدان. إذ أفرطت إسرائيل في استخدام القوة وجسدت في حربي غزة ولبنان. ولكن الأخطار تعاظمت ومراحل الهدوء النسبي التي كانت تنعم بها إسرائيل بعد كل حرب في الماضي صارت أقصر. وازداد الإحساس بالخطر في إسرائيل في ضوء التطور الاقتصادي والتغييرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على المجتمع اليهودي. وثمة من يعتقد أن الاستعداد للتضحية وتحمل أعباء الصراع تراجع في إسرائيل ما جعل مهمة المغامرة لدى القيادة فيها أصعب من أي وقت مضى.

ويبدو أن نافذة الفرص التي امتلكتها إسرائيل في ظل هيمنة أميركا على السياسة العالمية واحتكارها للقوة الدولية لم تفد إسرائيل بترسيم تفوقها سياسيا. ورغم نشوء فرصة لانخراط إسرائيل في محور اعتدال إقليمي يستند إلى حل شبه مقبول للصراع العربي الإسرائيلي، ظلت حكومتها أسيرة القيود الاستيطانية ونزعات الإمبريالية الوكيلة. وهكذا فإن النتيجة النهائية للمعركتين العسكرية والسياسية أثارت الخيبة في نفوس الإسرائيليين.

لقد عجز أولمرت وحزب كاديما عن رسم الحدود باتفاق أو من طرف واحد إلا إذا كانت هذه الحدود هي الجدار الفاصل الذي ربما أكثر من غيره يفضح لا شرعية هذه الحدود دوليا. وبالتالي يمكن القول إن إسرائيل لم تفلح في تحقيق الاختراق السياسي المطلوب وبالتالي عجزت عن استغلال فرصة تحقيق تسوية مع المحيط العربي. كما أن أولمرت عجز عن كي الوعي ولم يفلح في الردع لا في فلسطين ولا في لبنان. بل إنه شخصيا أبدى خيبته من أداء الجيش الذي قال عنه أمام لجنة فينوغراد إنه «خيب أمل نفسه في نفسه».

خلال الأيام القريبة قبل أن يخرج المسؤولون في الإدارة الأميركية في إجازة طويلة، ستحظى إسرائيل بالفرصة الأخيرة لتنسيق خطوات وآمال مع الإدارة وتنال منها تعهدات يمكن تنفيذها في عهد الإدارة والكونغرس المقبلين. وهذا هو السبب وراء خروج وزير الدفاع إيهود باراك إلى واشنطن قبل أن يلحق به الوزير شاؤول موفاز الذي يدير الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وبعدهما وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المسؤولة عن المفاوضات مع الفلسطينيين..

والهدف: التأثير على الإدارة الأميركية في الدقيقة التسعين. في حوارات إيهود باراك في واشنطن جرى استيضاح على الأقل نقطة مركزية واحدة تتعلق بالتعاون الأمني بين أميركا وإسرائيل: إدارة بوش مستعدة لفعل كل ما يمكن تقريبا من أجل تحسين قدرات إسرائيل الدفاعية في مواجهة الخطر الإيراني. ولكن أميركا تعارض بشدة قيام إسرائيل بتنفيذ هجوم على إيران، على الأقل في الفترة الحالية.

وعلاوة على ذلك، فإن إدارة بوش ليست على استعداد للتعهد بمنح إسرائيل منظومات سلاح ومنظومات أخرى تحسن من قدرة إسرائيل على مهاجمة إيران. والرسالة الحادة والواضحة هذه برزت في البيان المشترك الذي نشره باراك ونظيره الأميركي روبرت غيتس في ختام محادثاتهما.

وتم في البيان تفصيل وسائل الدفاع ضد الصواريخ التي أبدت الولايات المتحدة استعدادها لتزويد إسرائيل بها أو مساعدتها على تطويرها. والأقوال التي أطلقها باراك في إيجاز للصحافيين الإسرائيليين في واشنطن، بعد لقائه مع غيتس ومع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني فقط تؤكد وتفصل ما قيل، وبالأخص ما لم يقل، في الصياغات العمومية للبيان المشترك.

فباراك الذي قال في حوارات مغلقة أنه معني بشراء الطائرات الحربية المتملصة من الرادار وصواريخ جوالة وأسلحة أخرى، أثار الأمر بشكل شبه مؤكد في لقائه مع غيتس. ومن الجائز أن غيتس أو تشيني وعداه بأن إدارة بوش ستوصي الإدارة المقبلة بأن «تدرس بالإيجاب» تقديم نوع من المساعدات الهجومية الأميركية عندما يغدو الخطر الإيراني أشد ملموسية وفعلية.

ولكن على وجه العموم يظهر من البلاغ المشترك أن غيتس ورئيس الأركان المشتركة الأدميرال مايكل مولن مقتنعون بأن أي هجوم عسكري على إيران، إسرائيليا كان أم أميركيا، هو هجوم خطير وأن الضرر منه أكبر من أي فائدة. كما أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس والمسئولين في البنتاغون يريدون عبر اللقاءات مع باراك وموفاز أن يضمنوا أنفسهم من (مفاجآت) إسرائيلية في الموضوع الإيراني وأن يبددوا مخاوف الإسرائيليين من التحاور مع طهران والبرهان على أن وعود الرئيس بوش بكبح التسلح النووي الإيراني ليست كلمات فارغة.

ومع ذلك هناك على ما يبدو سبب آخر لتدفق الوزراء الإسرائيليين على العاصمة الأميركية: فثمة تقديرات في واشنطن على أنه كما يبدو وكحد أقصى في شهر نوفمبر ستصل ولاية إيهود أولمرت كرئيس للحكومة إلى نهايتها وأن باراك ليفني وموفاز سيواصلون لعب دور مركزي في كل ائتلاف سياسي محتمل في المدى القريب.

موفاز: محظور الحسم مع السلطة

قال وزير المواصلات الإسرائيلي شاؤول موفاز لصحيفة «هآرتس» عشية سفره إلى الولايات المتحدة إنه «محظور الوصول في هذا الوقت» إلى اتفاقات في مسائل اللباب في المفاوضات مع الفلسطينيين في إشارة إلى مرحلة للتغيير الحكومي المرتقب. وبأقواله هذه يحاول موفاز تطويق مساعي رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني في الموضوع الفلسطيني. وبحسب أقواله فإن كل أمر يتقرر الآن سيكون إشكاليا جدا إذ انه يحصل قبل التغييرات في الحكومة وعلى خلفية عدم الاستقرار في الجانب الفلسطيني. «هآرتس».

حلمي موسى

رون بن يشاي ـ صحيفة «يديعوت أحرونوت»

(تنشر بترتيب خاص مع السفير)