تتحدث المؤلفة في هذه الحلقة عن التحولات الجذرية التي شهدتها الهند في العقود الأخيرة وتأثيرها على النسيج الاجتماعي في مجتمع يضم تنوعاً كبيراً من الأعراق والطوائف الدينية المختلفة.

فالهند التي عاش سكانها منذ القدم وفق نظام تراتبية محدد يضع فئات معينة في أعلى السلم الإجتماعي وفئات أخرى منبوذة في أسفل ذلك السلم، تمر الآن بتغيرات أدت بها إلى اجتياز الثورات الصناعية الثلاث دفعة واحدة، وهو ما أدى إلى ضياع بعض القيم التقليدية وخلق فجوات شاسعة بين الأغنياء والفقراء إلى درجة دفعت بعض المحللين الهنود إلى توقع حصول تمرد من قبل الفقراء من كافة فئات المجتمع على أوضاعهم الصعبة والتمييز ضدهم في فرص العمل والخدمات.وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومات الهندية المتعاقبة منذ حصول الهند على الاستقلال بدءاً من جهود المهاتما غاندي الرامية إلى تحقيق العدل والمساواة بين مختلف طبقات وفئات المجتمع، إلا أن هذا التغيير وجد مقاومة عنيفة من القوميين الهندوس المتشددين ومن أصحاب الامتيازات ودفع إلى حدوث اضطرابات وأعمال عنف طائفية لا تزال الهند تدفع ثمنها حتى الآن.

احتاجت أوروبا والولايات المتحدة إلى ثلاثة قرون من أجل المرور بثلاث ثورات صناعية متعاقبة هي ثورة المصانع وثورة الخدمات والثورة الرقمية.

وكان ملايين الفلاحين الأوروبيين قد تركوا أراضيهم للهجرة إلى المدن حيث أقاموا في أحياء الصفيح وعملوا بأجور تافهة في المصانع الجديدة. وهاجر الملايين إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا وأميركا اللاتينية بحثا عن فرص جديدة وحياة جديدة. لقد أدى الانقلاب الاجتماعي والسياسي في أوروبا إلى توليد إيديولوجيات جديدة على المستويين الوطني والدولي وولّد التوسع الاستعماري وثورات دامية وحروب مخيفة.

الهند اجتازت في «اندفاعة واحدة»الثورات الصناعية الثلاث. فقد تحوّلت من مجتمع زراعي قديم إلى قطب صناعي حديث ولمصدر لشتى الخدمات. إن بعض الهنود انتقلوا خلال عدة سنوات فقط من مستوى الفلاحين إلى مستوى المحترفين أصحاب الشهادات في مجال تكنولوجيا المعلومات.

ولا شك أن تحول الهند إلى مجتمع استهلاكي يهدد القيم الأساسية التقليدية للبلاد ويهز الهويات القديمة. باختصار وجد الهنود أنفسهم وكأنهم قذفوا بعيدا عن عالم يفهمونه إلى عالم جديد ينبغي عليهم تحديد معالمه.

خلق الوضع الجديد توترات كبيرة جدا في الهند بالنسبة للنسيج الاجتماعي. وعرفت البلاد نوعا من «التدمير الخلاّق»الذي يقود، لا محالة، إلى أشكال من العنف الاجتماعي، انطلاقا من الرحيل المفاجئ للسكان عن بيوتهم القديمة وإحساس الأهل بفقدان الصلة مع أبنائهم الذين تحوّلوا عن التقاليد الموروثة. بالنتيجة تشكّل الشروخ العديدة التي يعاني منها المجتمع الهندي تهديدا للنجاح الذي حققته البلاد.

وعلى خلفية تسارع التغيير وعدم امتلاك أولئك الذين يعانون منه فرصة لتقرير مصيرهم تزداد آفاق إمكانية قيام تمرد كبير لفقراء الهند وحرب بين الفئات الطبقية والأديان. إن الملايين من البؤساء يشاهدون من موقع المتفرجين الصعود الهائل للطبقات صاحبة الامتيازات ويتساءلون إذا كان دورهم في الثروة سوف يأتي ذات يوم.

وتشير المؤلفة إلى أنه باستثناء عدد محدود من الكوادر ومن العاملين في منطقة الخليج العربي، ليس للهند أي منفذ ترسل نحوه فائض مواطنيها من غير المؤهلين الباحثين عن فرص للعمل وتأمين بعض المداخيل. إن الكوكب الذي نعيش عليه لم يعد فيه مجالات فسيحة «عذراء» كي يؤمّها المهاجرون، هذا على افتراض أن الهنود يريدون الهجرة على شاكلة الفلاحين الأوروبيين سابقا.

ولا تستطيع الهند أن تقوم بعمليات توسع إمبريالية كما فعلت أوروبا في السابق. هكذا ينبغي عليها، وبما تمتلكه من مساحات متوفرة من الأرض ومن الإمكانيات المحدودة أن تؤمّن سبل العيش المقبول لسكانها الذين بلغوا 2 , 1 مليار شخص.

وتشير المؤلفة إلى أن ما يثير الاستغراب هو أنه لم تقم حتى الآن ثورة عامة في الهند نظرا لحالة التنوع القصوى ولأشكال التحلل الاجتماعي والثقافي التي تعرفها.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن الهنود لا يترددون في زمن الشدائد والأزمات بمساعدة بعضهم وتجاوز حواجز الطائفة والدين. لقد أثبتوا ذلك بعد الهزّة الأرضية التي ضربت ولاية «غوجارات» عام 2001، أو خلال الفيضانات التي عرفتها مومباي عام 2005 أو خلال الهجمات الإرهابية العديدة التي استهدفت الهند خلال السنوات الأخيرة.

مع ذلك أضحى من الصعب أكثر فأكثر الدفاع عن أشكال التفاوت الكبير السائد في الهند. لكن طالما رددت النخب المدينية في الهند باستمرار: «انظروا إلى الأوضاع التي يعيشها الشعب. في أي مكان من العالم ربما كانت ستشعل ثورة، ولكن ليس في الهند». غير أن المؤلفة تفتح هنا قوسين كي تؤكد أنها سمعت مؤخرا الكثير من الهنود يقولون أنه إذا لم يتحسّن وضع الفقراء فإنهم سوف يتمردون و«يذبحون الأغنياء». ذلك أنه «لديهم الآن التلفزيون ويستطيعون أن يروا نمط الحياة الذي ليس بمقدورهم الوصول إليه».

الهند مجتمع تراتبي بحيث يقوم نظام «الطوائف» فيه بتوزيع البشر إلى فئات من أسفل السلّم الاجتماعي إلى أعلاه ويحدد لهم أدوارا خاصة. تراتبية الطوائف الاجتماعية تحكم جميع مظاهر المجتمع الهندي. والهنود، من غير الهندوس، بمن فيهم المسلمون والمسيحيون ليسوا بمنجاة من نفوذ هذه التراتبية رغم أنهم «يموقعون» أنفسهم خارج نظام الطوائف الاجتماعية.

والمعروف عن الهنود أنهم من بين الأكثر احتراما للموقع الاجتماعي. هكذا تعتريهم «الصدمة» حيال «رفع التكلفة» في العلاقات الاجتماعية بالولايات المتحدة الأميركية حيث يمكن مثلا للطلبة أن يتوجهوا بالحديث إلى أساتذتهم والعاملين إلى أرباب عملهم وكأنهم «أصدقاء». باختصار التراتبية هي «النظام الطبيعي»في الهند.

البريطانيون هم الذين أعطوا لنظام الطوائف الاجتماعية المعقّد والقابل تقريبا للتقسيم إلى ما لا نهاية نوعا من التأطير القانوني، وذلك كي يجعلوا منه فئات مبسطة لهدف إداري. وحددت الحكومات المتعاقبة في الهند المستقلة فئات جديدة من الطوائف الاجتماعية التي يبلغ عددها الآلاف. لكن الديمقراطية الهندية خضعت لتحول خلال العقود الأخيرة عبر ظهور أحزاب سياسية جديدة تمثّل مصالح طوائف اجتماعية خاصة.

وهناك منظومة ل«الحصص» على أساس الانتماء إلى هذه الطوائف بحيث تتم ممارسة نوع من «التمييز الإيجابي»، بمعنى «حجز عدد من فرص العمل الخاصة «للطوائف الاجتماعية الأدنى.

لكن هذا قد يثير أحداث عنف كما حصل عام 1990 عندما اقترحت لجنة حملت اسم «لجنة ماندال»، التي كُلّفت بوضع برنامج «التمييز الإيجابي»، زيادة حصص القبول في الجامعات وفي فرص العمل الخاصة في القطاع العام من 5, 22 بالمائة إلى 27 بالمائة بالنسبة للطوائف الاجتماعية الأدنى. كان رد فعل الطوائف الاجتماعية العليا التي لا تمثل سوى 15 بالمائة من مجموع السكان عنيفا... ولم يتردد عدد من الطلبة في حرق أنفسهم احتجاجا.

وفي 2006 اقترحت الحكومة أن يشمل نظام الحصص القطاع الخاص أيضا. لكن الشركات الهندية رفضت أي معيار للتوظيف خارج الكفاءة وبعيدا عن الفئة الاجتماعية للمرشح.

وذلك بحجة المنافسة في المحيط الدولي مع التأكيد أن النمو الاقتصادي والتأهيل الأفضل للجميع هو الحل الذي يمكن الوصول إليه خلال فترة معقولة من الزمن. هذا قد يكون صحيحا، لكن استمرار الشرخ الاقتصادي في الهند تبعا للطوائف الاجتماعية يهدد بإثارة «حرب طوائف اجتماعية»، كما تقول التحليلات المقدّمة.

الهند بلد ديمقراطي، وأغلبية الناخبين فيه ينتمون إلى الطوائف الاجتماعية الدنيا التي يزداد وعيها أكثر فأكثر بواقع الظلم الذي تعاني منه في التراتبية الاجتماعية القائمة، ووعيها كذلك بقوتها السياسية.

في 30 يناير 1948 اغتيل المهاتما غاندي على يد «ناتورام جودس»، الهندوسي القومي المتزمت على خلفية قناعته أن الزعيم الكبير قد خان الهندوس عندما طالب بالمساواة في توزيع الممتلكات بين الهند وباكستان بعد التقسيم.

اضطر القوميون المتشددون الهندوس إلى ممارسة نشاطاتهم سرا لعدة سنوات بعد ارتكاب جريمتهم ثم عادوا تدريجيا كي يصبحوا قوة سياسية هامة. هكذا قاموا يوم 6 ديسمبر 1992 بتدمير مسجد «بابري» في مدينة «ايوديا» كان قد بُني عام 1528. شبّت على اثر ذلك أحداث عنف عمّت الهند بين الهندوس والمسلمين، بما في ذلك بمدينة مومباي المعروف عنها تقليديا تسامحها وقبولها للتنوع، حيث جرى تخريب أحياء المسلمين وملاحقتهم.

وفي مارس 1993 وقعت تفجيرات في قلب الحي المالي والتجاري في مومباي وقتل المئات، فيما بدا كعمل ثأري لعملية تفجير مسجد «بابري» .

واستجدّت موجة من العنف كان أسوأ فصولها ما عرفته منطقة «غوجارات» عام 2002 عندما قام متطرفون قوميون هندوس بقتل أعداد كبيرة من المسلمين، وبالتواطؤ مع الحكومة المحلية حيث لم تتحرك الشرطة عندما جرى إخراج هؤلاء من منازلهم وقتلهم.

وتنقل المؤلفة عن منظمة «هيومان رايتس واتش» أن أحد رجال الشرطة قال ببرودة لمسلمين حاولوا النجاة من الهندوس: «ليس لدينا أية تعليمات بإنقاذكم». تتم الإشارة هنا إلى أن أحداثا مشابهة جرت في دلهي ضد «السيخ» عندما اغتال أحدهم رئيسة الوزراء انديرا غاندي.

تفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين لتشير إلى وجود نشاط كبير في أوساط الأميركيين من أصل هندي المتعاطفين مع الأحزاب القومية الهندية التي لها من يمثلها في الولايات المتحدة، ولتشير أيضا إلى التبسيط المخلّ المتمثل في معادلة تقول إن هنديا يعني هندوسي والتي يقبلها الكثير ممن لا يعرفون جيدا الهند.

لكن الواقع هو أنه يوجد في الولايات المتحدة هنودا مسلمين ومن السيخ ومسيحيين وغيرهم. ثم إن أغلبية الهندوس في أميركا ليسوا ممن يتبنّون الإيديولوجية التي يرفعها حزب «بهاراتيا جاناتا» القومي المتشدد.

وفي 11 يوليو 2006 تعرّضت شبكة الخطوط الحديدية والقطارات في مومباي لسلسلة من الانفجارات أدّت إلى مقتل 163 شخصا. وجّهت الحكومة الهندية أصابع الاتهام ل«جماعة الدعوة» التي مقرّها باكستان ول«حركة الطلبة المسلمين في الهند» المحظورة.

وتتم الإشارة هنا إلى أن مجزرة «غوجارات» عام 2002 شكّلت منعطفا بالنسبة لعدد من المسلمين الهنود الذين كانوا قبلها رافضين تماما للجماعات المتشددة في باكستان وغيرها، ولكن بعدها نجحت تلك الجماعات في تجنيد بعض المسلمين الهنود، خاصة من الشباب. وهذا تطور مقلق جدا للهند ولأغلبية المسلمين الهنود أيضا الذين يعتبرون أنفسهم هنودا قبل أي شيء آخر.

ويتم التأكيد هنا على أنه توجد بالتأكيد قوى كبيرة تريد أن تثير «حربا مقدّسة» بين الهندوس والمسلمين في الهند، وأن شبكات دولية تريد أن تجنّد شبابا مسلمين هنودا لخدمة قضيتها. لكن رغم الموجة البغيضة من أشكال التحريض بقي الهنود هادئين أمام أعمال بربرية، بل أظهر المواطنون الهنود من مختلف الطوائف الدينية قدرا كبيرا من التعاطف والتآخي فيما بينهم.

في عام 2006 نشرت الأمم المتحدة معلومات مثيرة جدا للقلق مفادها أن عدد المصابين بفيروس «الايدز» في الهند هو أكبر من عددهم في أي بلد آخر في العالم. كان الرقم الرسمي المعلن هو 7, 5 ملايين مصاب، لكن أشارت دراسة تعود لعام 2007 وقامت بها الأمم المتحدة أيضا إلى أن الرقم يصل إلى 45, 6 ملايين مصاب من مجموع السكان. وتشير بعض التقديرات إلى أنه قد يكون في الهند بأفق عام 2010 ما بين 20 إلى 25 مليون شخص يحملون فيروس «الايدز».

وتتم الإشارة إلى أن الهند تخصص 3, 1 بالمائة فقط من ميزانيتها للصحة. ويوجد في الأرياف طبيب واحد لكل 2000 شخص بينما هناك 70 مليون هندي لا تتوفر لديهم إمكانية رؤية الطبيب أو شراء أدوية.

بالإضافة إلى انتشار «الايدز» تزداد أيضا الإصابات بمرض السل في الهند. ويعود شلل الأطفال إلى الظهور بعد أن كان قد اختفى لسنوات طويلة. وما يتم تأكيده هو أن الهند هي أحد المواطن الكامنة لانتشار الأوبئة الأكثر فتكا في العالم. كما أن الهند تعرف نسبا أعلى من المعدّل العالمي بالنسبة لأمراض السكّري والقلب، أي أمراض البلدان «المزدهرة» .

الصفحات: 329

الكتاب: الكوكب الهندي

الناشر: اكت سود ـ باريس ـ 2008

تأليف: ميرا كامدار ـ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف