هذا شعري وفيه كل شعوري هو شعر الحياة والحقيقة والخيال... أتابع السابقين في الاحتفاظ بأصول اللغة، وعدم التفريط فيها، واستيحاء الفطرة الصحيحة. وأتوسع في مذاهب البيان مجاراة لما اقتضاه العصر، كما فعل العرب من قبلي... أما الأمنية الكبرى التي كانت تجيش بي، فهي أن أدخل كل جديد في شعرنا بحيث لا ينكره...».

كان من بين كبار شعراء ذلك العصر، إلى جانب شوقي وخليل مطران، كل من: حافظ إبراهيم، شاعر النيل، ومحمود سامي البارودي، شاعر الثورة، ومحمد مهدي الجواهري ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وبدوي الجبل وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) وسعيد عقل وكبار آخرون، تعددت أنماط شعرهم، واحتلوا، واحتلت معهم أشعارهم، مكانها المميز في مملكة الشعر العربي الحديث.

كتب الكثير عن خليل مطران. وتعددت الآراء في شعره. لكن النقاد أجمعوا على تقييم شعره، حتى وهم يميزون بين نمط من شعره ونمط آخر. فيمجدون واحداً هنا، ويعيبون عليه نمطاً آخر. لكن الاختلاف كان كبيراً بين ناقد وآخر، حتى في هذا النوع من التمييز بين نمط وآخر، أي بين الشعر الذي يمجد فيه مطران الحرية، ويلعن الطغاة، على سبيل المثال، وبين الشعر الذي يتصل بالمناسبات مدحاً وهجاء ورثاء.

لكن الشاعر ذاته لم يكن يولي اهتماماً كبيراً بهذا النوع من التمييز بين نمط وآخر في شعره. إذ كان يعتبر أنه في كل ما كتب من شعر، أية كانت المناسبة، أو القضية، أو الفكرة، أو الصورة، أو الحالة الشعرية، إنما كان يعبر عن ذاته، وعن أفكاره، وعن هواجسه، بلغته الشعرية ذاتها، التي تنوعت أشكالاً وصيغاً.

وكان يجتهد لكي يكون مجدداً في الشعر، من دون أن يفقد علاقته بقديم الشعر، المنسوب إلى الكلاسيكية. وقد اعتمد في خياراته الشعرية، قضايا ومواضيع وأفكاراً وصوراً، على ثقافته التي اتسع أفقها، وتنوعت ميادينها، وتعددت مصادرها.

لنتعرف أولاً إلى الشاعر في الظرف التاريخي، وفي المكان الجغرافي، وفي الوسط العائلي، التي ولد فيها ونشأ وتكونت الملامح الأولى لشخصيته. ثم نتابع، بعد ذلك، تطور شخصيته الشعرية والثقافية، وارتقاء موقعه إلى المستوى الذي جعله أحد كبار شعراء عصره في العالم العربي، في النصف الأول من القرن العشرين.

ولد خليل مطران في عام 1868 في مدينة بعلبك (مدينة الشمس) الواقعة في القسم الشمالي من منطقة البقاع اللبنانية، غير بعيد من سفوح السلسلة الشرقية من جبال لبنان، التي يطل منها هذا البلد العربي على سوريا، جارته وشقيقته، ورفيقة دربه في التاريخ القديم والحديث. أبوه هو عبده يوسف مطران. وكان تاجراً ميسوراً. وكان مثقفاً أيضاً. وكان معروفاً في المدينة بأنه حفظ عن ظهر قلب أشعار ابن الفارض الصوفية.

أما والدة خليل فهي ملكة صباغ، الفلسطينية الأصل. وكانت معروفة بنظم الشعر في المناسبات. وقد ترك هذا البيت الثقافي تأثيره المباشر على خليل منذ البدايات. بدأ دراسته في مسقط رأسه بعلبك لمدة سنة واحدة. انتقل بعدها إلى مدينة زحلة ليتابع دراسته الابتدائية في إحدى مدارسها. وكانت تجربته في زحلة تجربة فاشلة. إذ هو قضى فترة الدراسة في اللهو والعبث والتمرد. وهو يصف فترة لهوه وعبثه وتمرده تلك بالأبيات التالية:

إني لأذكر زحلة وأنا

ولد لعوب بين أولاد

متعلم فيها الهجاء ولي

نزق فلا أصغي لإرشاد

كل يعد الدرس مجتهداً

وأنا بلا درس وأعداد

تابع خليل الطفل دراسته بعد زحلة في معهد البطريركية في بيروت حتى عام 1987. وكان خليل قد بدأ ينضح ويتخلى عن طيشه، من دون أن يفقد جذوة التمرد عنده. أتقن، في هذا المعهد على يد اليازجيين ابراهيم وخليل، أصول اللغة العربية. كما أتقن اللغة الفرنسية. لكنه بدأ يكتب باللغة الفرنسية قبل العربية. غير أنه سرعان ما بدأ يكتب باللغتين. وساعدته معرفته بأصول اللغة العربية وبأدبها وأدبائها عبر العصور على الدخول في امتحان موهبته في كتابة الشعر.

وكان من بين جذور تلك المعرفة ما كان قد تعلمه من أبيه في قراءة وحفظ الأشعار الصوفية لابن الفارض. ثم ثابر على محاولاته في كتابة الشعر.

وبدأ ينشر قصائده الأولى في جريدة «لسان الحال»، التي كان قد أسسها خليل سركيس في عام 1884، واستمرت في الصدور حتى عام 1915. ولم يكد ينهي خليل دراسته في معهد البطريركية حتى اختارته إدارة المعهد لممارسة تدريس اللغة العربية فيها.

وتشير سيرة خليل مطران في مرحلة النضوج إلى أنه تابع تمرده المبكر، متأثراً بما كان عليه حال أستاذيه اليازجيين، اللذين عرفا بثورتهما الثقافية والسياسية. واتخذت ثورته على الطغيان والظلم طابع الاحتجاج على سياسة السلطان عبد الحميد، الذي ما أن صعد إلى موقع القرار الأول في السلطنة حتى بدأ يمارس استبداده. فكمّ الأفواه، وأقفل الصحافة، وزج بالأحرار في السجون.

في صيف عام 1890 سافر خليل إلى باريس. وهناك تابع نضاله ضد سياسة السلطان عبد الحميد. وانضم إلى حزب تركيا الفتاة، المعارض للسلطان. إلا أنه واجه في باريس خلال العامين اللذين قضاهما فيها ضغوطاً من قبل سفارة السلطنة في العاصمة الفرنسية.

وعندما وجهت إليه السلطات الفرنسية الإنذار بإيقاف نشاطه غادر باريس إلى مصر، حاملاً معه زاداً كبيراً من الأدب الفرنسي، والثقافة الفرنسية عموماً، ومن تاريخ فرنسا الحافل بإعلام الحرية وبالثورات التحررية. وكان من أبرز ما عرف عن تأثيره بالأدب الفرنسي الرومانسية التي تميز بها شعره في مرحلة من مراحل تطوره.

وصل خليل مطران إلى الإسكندرية أولاً. وصادف وصوله إليها وفاة مؤسس صحيفة «الأهرام»، اللبناني الأصل، سليم تقلا. فألقى قصيدة في رثائه. وفور انتهاء مراسيم الدفن والتأبين للراحل أقبل بشارة شقيق الفقيد على مطران معانقاً إياه، شاكراً له مشاركته في التأبين، مقترحاً عليه الانضمام إلى أسرة تحرير الصحيفة.

شارك مطران في تحرير الجريدة إلى أن انتقلت في عام 1899 من الإسكندرية إلى القاهرة. فاقترح عليه بشارة تقلا أن يرأس تحريرها. لكنه لم يبق في الموقع سوى عام واحد. فأنشأ مجلة خاصة به هي مجلة «المجلة المصرية». وقد ساعدته المجلة على توثيق علاقاته بأدباء مصر. وكان من أبرز من تعرف إليهم وأقام معهم علاقة زمالة شعرية كل من أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي رفيق أحمد عرابي في الثورة. وكان قد نشر لهؤلاء الشعراء الكبار بعض قصائدهم في المجلة.

لكن خليل مطران أوقف المجلة في عام 1902، أي بعد عامين من صدورها. وأصدر في العام ذاته صحيفة يومية بالاشتراك مع صديقه الصحافي اللبناني يوسف الخازن، باسم «الجوائب المصرية». لكنها لم تعش طويلاً، بسبب كلفتها العالية. وبإقفال المجلة والصحيفة غادر مطران العمل الصحافي وانطلق يعبر عن ذاته وعن ثورته بالشعر.

وإذ أدرك أن الشعر لا يساعده على العيش مارس التجارة. ففتح دكاناً صغيراً. ولم يسعفه هذا العمل التجاري البسيط على كسب عيشه، ولا رآه ملائماً لشخصيته. فترك التجارة، وبدأ يدرس الاقتصاد.

وأرفق ذلك بترجمة موسوعة «التاريخ العالمي». فأصدر الجزء الثاني منه في عام 1905، بعد أن كان قد أصدر الجزء الأول منه في عام 1897. لكنه لم يوقف مغامراته بحثاً عن المال. فاشتغل في البورصة وفي مضارباتها. وقادته تلك المغامرة إلى خسارة كل ما كان قد وفره من مال. وكانت نهاية تلك المغامرة في عام 1912.

إلا أن تلك الكارثة، التي زادت من تشاؤمه ومن انطوائيته، سرعان ما فاجأته بحدث سار، تمثل بمنحه «الوسام المجيدي الثالث» من قبل الخديوي عباس حلمي، وإطلاق لقب «شاعر القطرين» (لبنان ومصر) عليه، مرفقاً بأمر خديويّ بإقامة حفل تكريمي له في الجامعة المصرية.

وشارك في حفل التكريم كبار أدباء العالم العربي. تمثل فيه لبنان بالشاعر شبلي الملاط. وأرسل جبران خليل جبران رسالة تلتها الأديبة مي زيادة، مع مقدمة عرفت بها جمهور الأدباء إلى شخصيتها. لكن تكريم الخديوي لم يكن معنوياً وحسب. بل هو عيّن أميناً مساعداً للجمعية الزراعية الملكية. وهو المنصب الذي استمر فيه طوال حياته.

وسرعان ما قفز مطران في الارتقاء ليحمل لقب شاعر الأقطار العربية. وتناول في شعره العديد من القضايا والمواضيع. كتب الشعر في الحب وفي معاناته فيه. وكتب في الشعر القصص. وتغنى بالطبيعة وبجمالها. لكن ما استقر في شعره، وأعطاه اسمه الكبير، هو اهتمامه بقضية الحرية، وموقفه الثابت والصاخب من الطغيان ومن الطغاة.

وقد أصدر الأديب اللبناني رئيف خوري ديوان «الطغاة» الذي يضم عدداً من قصائد مطران، التي يعلن فيها ثورته ضد طغاة عصره وطغاة العصور السالفة. أصدر رئيف خوري هذا الديوان في عام 1949، العام الذي غادر فيه مطران الحياة.

ويقول خوري بأنه نفذ، بإصدار الديوان، ما كان قد خطط له مطران، ولم يتمكن من تحقيقه، فأكمله عنه صديقه. لم يكد خليل مطران يبلغ الذروة في عالم الشعر حتى برزت كل مواهبه. وبرزت معها كل صفات الإنسان الحقيقي. فإذا كان قد عرف بثورته وبتمرده منذ شبابه الباكر، وعرف بحبه للحرية، وبنقمته على الطغاة، فإنه كان، في الوقت ذاته، صاحب مزاج، وصاحب مشاعر إنسانية، وصاحب مغامرات عاطفية. كما كانت له صداقات وعداوات في عالم الأدب وفي عالم الشعر. ورغم أنه كان صاحب رأي في الوطنية وفي الحرية، فإنه لم يمارس السياسة، ولم يتخذ له موقعاً فيها.

تعددت في الحب مغامراته، منذ الطفولة. لكن مغامراته الأساسية كانت في المرحلة التي كان قد صار فيها شاعراً مرموقاً. وكانت الأديبة اللبنانية مي زيادة واحدة ممن توله بها، أسوة بآخرين من كبار أدباء مصر ولبنان، الذين سبقوه ورافقوه في التعلق بها. وكان من بين هؤلاء جبران خليل جبران وعباس محمود العقاد. وله في الحب قصائد عديدة.

ومرت علاقة مطران بأحمد شوقي وحافظ إبراهيم بفترات ود وجفاء. لكن عباس محمود العقاد يقول في وصف هذه العلاقة بين الثلاثة بأنها كانت علاقة زمالة، ولم تتخذ طابع صداقة.

كان خليل مطران بحق شاعر القطرين، اللبناني والمصري. أحب مصر وعاش فيها معظم حياته. لكن حبه لوطنه لبنان ظل هو الأصل بالنسبة إليه. ورغم حفلات التكريم التي أقيمت له في مصر، وكان واحداً منها برعاية الملك فاروق الذي منحه لقب بك، فإن الحكومة المصرية لم تعطه موقعاً في مؤسساتها التعليمية والأدبية، رغم أنه ورث رئاسة جمعية «أبولو» الشعرية من أحمد شوقي. وثابر، من موقعه في رئاسة تلك الجمعية، اهتمامه بكل ما يتصل بتطوير الشعر وبرفع شأن الشعراء.

واصل مطران زيارة لبنان، على امتداد حياته في مصر، لاسيما لقضاء فصل الصيف في ربوع وطنه. وقد أقيمت له حفلات تكريم عديدة، شارك فيها كبار أدباء لبنان. وحين اشتدت عليه بعض الأمراض التي كان يعاني منها، شعر بدنو أجله. فوضع وصية يطلب فيها دفنه في مسقط رأسه بعلبك. وغادر الحياة في عام 1949. ودفن، وفق وصيته في بعلبك. وأقيم له في عام 1966 نصب تذكاري بالقرب من قلعة بعلبك التاريخية، التي كان قد نظم في تمجيدها عدداً من قصائده الخالدة.

خليل مطران أمير الشعراء غير المتوج

حمل خليل مطران، منذ وقت مبكر، لقب شاعر القطرين (لبنان ومصر). ثم صار يلقب، إلى جانب لقبه هذا، بشاعر الأقطار العربية بعد وفاة أمير الشعراء أحمد شوقي. لكنه لم يرتق إلى موقع الإمارة في الشعر، لأن تلك الإمارة كانت قد أعطيت لشوقي التي لم تأت إليه تقديراً للقيمة الكبيرة لشعره وحسب، بل أعطيت له لأسباب أخرى، سياسية وغير سياسية. غير أن إمارة شوقي للشعر، ورئاسته لجمعية «أبولو» الشعرية، لم تسدا على الكبار من شعراء ذلك العصر الطريق إلى المجد الشعري.

بل إن بعضهم تساوى في القيمة الشعرية مع شوقي. وبعضهم فاقه رفعة في نظر بعض كبار النقاد، وفي مقدمتهم طه حسين، الذي قال في خليل مطران يوم وفاته: «لقد عرفت مطراناً وكنت معجباً بشعره، مؤثراً له على شعر المعاصرين جميعاً في الأقطار العربية كلها. وكان حافظ وشوقي يسمعان ولا ينكران، أو لا تنكر ألسنتهما على كل حال. وكنت أزعم لهما جميعاً أن مطران في المحدثين كأبي تمام في العصر القديم، وأنهما وغيرهما من الشعراء يعيشون حول مطران، كما كان شعراء الشام والعراق يعيشون حول أبي تمام». (نص منقول من كتاب جورج غانم «شعراء وآراء»).

لكن لشاعرنا رأياً يقيّم فيه شعره، ويرد على الذين يعتبرون هذا الشعر خارج التوصيف الذي يدعيه له مطران بأنه شعر عصري. يقول في مقدمة ديوانه، مخاطباً أولئك الذين ينتقدونه: «... فيا هؤلاء! نعم هذا شعر عصري. وفخره أنه عصري. وله على سابق الشعر مزية زمانه على سالف الدهر...

هذا شعر ليس ناظمه بعبده... على أنني أصرح غير هائب، أن شعر هذه الطريقة، ولا أعني منظوماتي الضعيفة، هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال معاً... ثم أنني لم أخل إلى الآن شعري من كل ما خالفت فيه السابقين بسيري على هذه الطريقة الفطرية الصحيحة. ولكنني أرجو أن أقدم على ذلك في المستقبل إن كان في الأجل فسحة...

كريم مروة