أكد وزير الموارد المائية العراقي عبداللطيف رشيد في حوارٍ مع «البيان» أنه من المبالغات القول بتوجيه ضربة عسكرية من جانب قوات التحالف لإيران عبر العراق.
وأشار رشيد في حديثه المطول إلى أنه لا توجد خطورة من وجود منابع المياه في دول غير عربية، كاشفاً عن تهديد تنظيم «القاعدة» بضرب شبكات المياه العراقية، مشدداً على ضرورة التعاون مع إيران لتطهير شط العرب من الألغام. وأوضح أن تواجد القوات الدولية هو بموافقة الحكومة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن شح المياه في المنطقة وزيادة المشاكل حول توزيعها وراء اتخاذ قرار إنشاء المجلس الوزاري العربي للمياه. وفي ما يلي نص الحوار بين «البيان» والوزير العراقي: ـ نرغب في التحدث عن اتفاقية التعاون المائي بين العراق وتركيا بخصوص الحصة المائية للعراق؟
المصدران الرئيسيان للموارد المائية في العراق هما نهري دجلة والفرات ومصدرهما تركيا. والسياسة المائية التركية لها تأثير مباشر على الموارد المائية في العراق وفي نفس الوقت السياسة المائية بسوريا تؤثر أيضا على العراق. هناك تعاون مستمر دائم مع سوريا وتركيا حول تبادل المعلومات حول الموارد المائية مثل التبادل الفني وإعطاء آرائنا حول الحصة العادلة بالنسبة للشراكة في الموارد المائية.
ـ هل تعني أنه لا يوجد أي تهديد على حصة مياه العراق من جراء وجود توترات على الحدود مع سوريا أو إيران بسبب ضبط الحدود ووقف تهريب الأسلحة للعراق أو لسبب آخر؟
التهديدات غير موجودة في الوقت الحاضر ولكن السدود الموجودة على نهري دجلة والفرات لها تأثير مباشر على كمية المياه المتدفقة إلينا وأملنا أن نصل لاتفاقيات عادلة حول توزيع الحصص المائية.
ـ تحديداً ما هو حجم الحصة المائية الحالية للعراق؟
في السابق كنا نحصل من نهر الفرات على 30 مليار متر مكعب في السنة والآن نتيجة لبناء السدود خارج العراق انخفضت حصتنا إلى ما بين 16 و17 مليار وهذا أثر علينا سواء على مساحة الأراضي الزراعية أو على نوعية المياه النظيفة المستخدمة للشرب.
ـ في أي الفترات حدث هذا التناقص في الحصة المائية؟ وهل حدث نوع من الاستغلال من جانب بعض الدول لظروف الاحتلال؟
لا يوجد لدينا احتلال فالقوات المتحالفة موجودة بموافقة الحكومة العراقية وهذا التناقص حدث أثناء عهد صدام حسين. أما في فترة التحرير فزادت كمية المياه نتيجة اتصالاتنا الإيجابية مع دول الجوار.
ـ وماذا عن تأثير الحروب التي خاضها العراق على تنمية الموارد المائية فيه؟
التأثير السلبي المباشر على تلك الموارد هو تأثير سياسات نظام صدام حسين الذي أهمل بناء الخزانات والسدود للمحافظة على الثروة المائية لدينا.
ـ هل اهتمت الحكومات المتعاقبة منذ تحرير العراق وتحديدا الحكومة الحالية بتحسين الأوضاع المائية؟
بالطبع، تم بناء العديد من السدود خلال تلك الفترة القصيرة ووضع أسس للبنية التحتية وتحسين أوضاع الري والاستثمار في مشاريع زراعية.
ـ ألا توثر الجثث الطافية في نهري دجلة والفرات في زيادة تلوث مياه النهرين؟
التلوث موجود من عدم الاهتمام أثناء فترة الحروب فخلال الحرب مع إيران كانت الحدود العراقية الإيرانية مليئة بما لا يقل عن 40 مليون لغم.
ـ ولماذا لا تطلبون مساعدة الأمم المتحدة في إزالة الألغام في شط العرب؟
لابد من أن نتعاون مع إيران ولابد أن يكون لدينا مشروع مشترك لتطهير شط العرب من الألغام.
ـ ألا تعتقد أن ذلك يصعب تنفيذه بسبب وجود قوات التحالف وتخوف إيران من أن تضرب من جانب تلك القوات؟
لا أتوقع توجيه ضربة لإيران من العراق. وقوات التحالف لا تتدخل بالاتفاقيات الخاصة بتطهير الألغام فهذه أمور يختص بها فقط البرلمان العراقي ومجلس الوزراء. ونحن نشجع أيضاً على المزيد من التعاون مع كافة الدول العربية ولدينا بعض المعاملات عن طريق شركات إماراتية ونتطلع للمزيد من الشراكة مع دولة الإمارات الشقيقة.
ـ هل توجد أخطار من تسرب مواد كيميائية إلى مياه الأنهار بدافع من بعض الميليشيات؟
بالطبع عدم الاستقرار له تأثيره. ونحن نتخوف من «القاعدة» الذي كان يحاول ضرب بعض المنشآت وأحياناً كانوا يهددون بضرب المياه ولكن لم يحدث شيء لتوفر حماية جيدة لأنابيب وشبكات المياه.
ـ وماذا عن مشكلة شح المياه بالمنطقة واحتمالية تعرض العراق لها؟
شح المياه ناتج عن قلة الأمطار بالإضافة إلى عدم الترشيد والمنطقة بحاجة إلى استخدام الطرق الحديثة للاستفادة من كميات المياه الموجودة وتحسين شبكات المياه. وأملنا أن نتمكن عبر التنسيق المستمر مع دول الجوار في الوصول لحصص مائية عادلة لكل دولة وبذلك يتم تجاوز المشاكل الموجودة.
ـ هل لخطط التشغيل الراهنة لدول الجوار أي تأثير سلبي على حصة العراق؟
لا. نأمل من خلال التنسيق المستمر معهم أن يقتنعوا بمطالبنا فنحن نتسلم ما يقرب من 40 مليار متر مكعب ونحن نحتاج لأكثر من 60 مليار متر مكعب سنويا ولكن تلك الكمية الأخيرة يرتبط حصولنا عليها كما قلت سابقاً بتصرفات دول الجوار والظروف المناخية.
ـ البعض في المنطقة العربية يتصور مما يشاهده على شاشات القنوات الفضائية أنه لا يمكن أن تكون هناك أي فرصة لعمل أي شيء في العراق خاصة الزراعة؟
هناك زراعة موجودة في مناطق مستقرة أمنياً. والغريب أن أحداً لا يشير لأي أمور ايجابية تحدث في هذا البلد كالزيادة في زراعة الأرز بنسبة 40 في المئة العام الماضي. وسنقوم بفتح أكبر مضخة للمياه في العالم خلال شهور قليلة.
ـ هل هناك دور للقطاع الخاص في إدارة شؤون المياه في العراق؟
نحن نشجع الخصخصة ولكنها تحتاج لفترة طويلة. ونحاول الآن تقسيم السياسة المائية إلى قسمين: سياسة فيدرالية تشجع المحافظات للاهتمام بالموارد المائية لديهم وسياسة مركزية تحوي خطة عادلة للتوزيع.
ـ هل هناك خطورة من كون أغلب منابع المياه في المنطقة توجد بدول غير عربية؟
باعتقادي أنه بالتنسيق المشترك يمكن حل أية مشكلة تنشأ في هذا النطاق.
ـ هل ترى أن المنطقة العربية يمكن أن تشهد حرباً بسبب المياه؟
نحن نركز على سياسة التعاون وتحقيق الشراكة العادلة في حصص المياه رغم أن كميات المياه في المنطقة قليلة جداً.
ـ كيف تقيم قرار وزراء المياه العرب إنشاء مجلس وزاري عربي للمياه ؟
أعتقد أن إنشاء هذا المجلس خطوة ضرورية للمنطقة لمتابعة سياسة التنسيق بين دولها في ما يتعلق بالسياسات المائية تحت مظلة الجامعة العربية.
ـ ومتى سيتم تنفيذ هذا الاقتراح؟
أتوقع أننا سنجتمع مرة أخرى خلال شهرين أو ثلاثة للبدء في التنفيذ العملي عبر طرح المشاكل المتعلقة بالمياه بالمنطقة والبحث عن حلول لها.
عيون
المياه.. وبدأ التهديد
كل الأنظار مشغولة منذ أشهر بمتابعة أسعار النفط، وإلى حد ما الذهب، لكن لا أحد وبخاصة العوام العرب يعطي أهمية لسعر الماء أو التحديات التي تعترض توفره، الآن وفي المستقبل.. رغم أن مراكز الأبحاث والمطلعين على باطن الأمور، وعلى ما في باطن الأرض، وعلى التحولات المناخية في قادم السنين يقرعون منذ سنين جرس الإنذار، ولكن يبدو أن لا سامع.
الخطر الداهم كتب فيه الكثير حتى لم يعد مصطلح «المياه قنبلة موقوتة تهدد الأمن العربي» شيئاً غريبا، ومع ذلك لايزال هناك بين المسؤولين العرب من يصر على أن يرى الصورة من زاويته.
بكل وضوح، سعر ليتر الماء أغلى بأضعاف من ليتر البنزين، ومع ذلك ما أن يرتفع سعر برميل البنزين دولاراً حتى تشرئب الرقاب وتقوم الدنيا.
نحن لا نتمنى أن يكون الصراع على الماء وقود حرب المستقبل، ولكن كل الدراسات التي يعدها الباحثون والمنظرون تسير في سياق هذا المشهد الأسود.. ومع ذلك هناك دول عربية ومسؤولون كبار فيها لا يعون حجم الخطر الداهم، بل لانجافي الحقيقة إن قلنا أن القلق علينا من الخارج أكبر من قلقنا على أنفسنا.
ويزداد الألم عندما نرى العدو الإسرائيلي يتحايل ويتحدى كل العالم ليبقي في يده السيطرة على مصادر المياه: في نهر الأردن، ونهر اليرموك، وحتى نهر الليطاني في لبنان، فضلاً عن قتالها حتى الرمق الأخير في المفاوضات الفلسطينية السابقة والحالية والمستقبلية للإبقاء على سيطرتها على الآبار الجوفية.. بينما نحن لا نرى أي خطر في أن ما بين 65 إلى 70 في المئة من مياهنا «حنفيتها» ومصدرها خارج حدودنا وفي يد غير عربية.
وما يعصر القلب ألماً أن هناك بلدان عربية لديها من نعمة المياه ما يجعلها تأمن المستقبل، لكنها لا تملك، للأسف، أي استراتيجية لكيفية استغلال هذه الثروة بطريقة اقتصادية نافعة، أو التخطيط لتنمية هذه الموارد، أو حتى تصديرها لدول عربية قريبة تشتاق للمياه وتعاني التصحر إن لم تكن أراضي صحراوية فعلاً.
وضع المياه في الوطن العربي مقلق فعلاً، وإن كانت الأحوال متباينة بين بلد وبلد، فدولنا العربية المترامية الأطراف لاتمتلك سوى أقل من 1 في المئة من الجريان السطحي للمياه، وحوالي 2 في المئة من إجمالي كميات الأمطار في العالم، ما صنف الإنسان العربي ضمن قائمة الأفقر عالمياً في نصيبه من المياه، فوفقاً للمعدل العالمي يجب ألاّ يقل نصيب الفرد عن 1000 متر مكعب سنويا لكن حصة العربي لاتزيد في المعدل عن 500 متر مكعب في العام، وهناك 19 دولة عربية تصنف في قائمة الفقر المائي بينها 14 لاتجد ما يكفي ما يسد الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، وفي بعض البلدان العربية تصل المياه إلى المناطق السكنية مرة في الأسبوع.
فهل نفكر ساعة في المستقبل؟
القاهرة ـ سباعي إبراهيم ــ دبي ـ نضال حمدان

