سعياً للتعرف على المشهد العربي بعد 18 عاماً من الغزو العراقي للكويت طرحت «البيان» على خبراء ومسؤولين عرب سؤالين: هل نجح النظام الإقليمي العربي في التعافي من كارثة الغزو؟ وتقويم أداء النظام العربي في الرد علي الغزو وما إذا كانت مشاركة قوات مصرية سورية مع قوات أميركية في تحرير الكويت قد فتحت الباب على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي في المنطقة؟.
وجاءت إجابات الخبراء والسياسيين تعكس تجذر الخلافات العربية التي أنتجها الغزو، فهناك تباين واضح في تقييم أداء النظام العربي، وحتى تحديد مصيره سواء كان تعافى أم مازال في مرحلة المرض. في البداية، يؤكد الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبد المجيد، على أن الغزو العراقي لدولة الكويت قد تسبب في إحداث شرخ عميق في الصف العربي بعد أن كانت الدول العربية قد خطت خطوات طويلة وراسخة نحو الوحدة والتعاون. وأضاف «ولم يستمع الرئيس العراقي السابق صدام حسين ولم يستجب لنصائح ومساعي المخلصين من الدول العربية وخاصة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والرئيس المصري حسني مبارك والملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله.
ويرى عبد المجيد ان الغزو «خلق نوع من الريبة والتربص بين الدول العربية خاصة بين الدول الكبيرة والصغيرة، وقسم العالم العربي إلى حلفين مع العراق وضده مما أوجد نوعا من الضغينة في النفوس». وعن مدى تعافي النظام العربي يقول« بذل الحكماء من قادة وحكام الدول العربية جهودا حثيثة ومساعي دؤوبة استمرت لعدة سنوات لرأب الصدع وتصفية الأجواء العربية تحت شعار (المصارحة قبل المصالحة ).
وقال عبد المجيد «الحمد لله أن حكماء هذه الأمة استطاعوا تجاوز هذه الغمة وشرعوا جاهدين في إعادة بناء الأمة وصياغة أطر جديدة للعمل العربي المشترك وإقرار آليات جديدة لتوثيق العلاقات العربية علي أسس سليمة وتجاوز تلك المرحلة والاستفادة منها وإقامة علاقات عربية مستقرة قائمة علي الوضوح والصراحة والشفافية والتوازن والشراكة».
ونفى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية أن يكون قرار إرسال قوات مصرية وسورية لتحرير الكويت قد أعطى الفرصة أمام التدخل الأجنبي في المنطقة، مؤكدا على أهمية القرار بإرسال هذه القوات تحت المظلة العربية.
وشدد على أن التدخل الأجنبي في المنطقة كان سيحدث سواء تم إرسال قوات عربية أو لم يتم، بسبب تصرفات النظام العراقي الخرقاء وإقدامه على غزو الكويت وهو دولة عربية عضو بجامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
ومن جانبه، أكد رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري اللواء سعد الجمال على أهمية الاستفادة من كارثة الغزو العراقي للكويت حتى لا يتكرر مرة أخرى.
ورأى أن النظام العربي رغم محاولات وجهود التغلب على ظروف تلك المرحلة القاتمة من تاريخ العمل العربي المشترك إلا أن نتائج تلك الجهود لم تكن بشكل المطلوب ولم تفض إلى النتائج المرجوة، فمازالت الخطوات بطيئة ومازالت الأحلام والطموحات فوق مستوى الإمكانيات والقدرات. ونبه إلى استمرار وجود حالة من التربص والريبة بين الدول العربية ومازالت النظرة القطرية تحكم التصرفات والأفعال والانطلاقات العربية ومازالت الخلافات بين الدول العربية سيدة الموقف.
ويتفق الجمال مع رأي عصمت عبد المجيد ان القوات العربية أدت دورها الوطني والقومي في الدفاع عن الشعب العربي الكويتي وتحريره من الغزو العراقي الذي انتهك كل التقاليد والأعراف والقيم العربية الأصيلة.
فيما يقول رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور محمد عبد السلام «بكل تأكيد الغزو العراقي كان ضربة موجهه للأمن القومي العربي وساهم على المستوى الفكري في إثارة موضوعين غاية في الأهمية، الأول خاص بالأمن القومي العربي وإمكانية تهديده وضربه من الداخل، أما الموضوع الثاني فيتعلق بمواجهة أطماع الدول التوسعية.
وأضاف «أن التحرك العربي كان كافيا في حدود قدرات وإمكانيات الدول العربية خاصة وأنها تفتقد التحركات الإستراتيجية والنقل الإستراتيجي وفق إمكانياتها المحدودة كما أن التحالف الدولي تشكل من 39 دولة منها عدد من الدول العربية فالحديث عن غطاء عربي سهل وجود الدول الأجنبية في المنطقة أمر مغلوط ومبالغة كبيرة فما حدث في حرب 2003 ضد العراق وإسقاط النظام العراقي تم بدون مشاركة عربية وبشكل أعنف.
وبدوره، يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي السفير عبد الله الأشعل أن النظام العربي فشل فشلا ذريعا في مواجهة الغزو العراقي للكويت سواء بالمنع أو الردع كما أن النظام العربي فشل حتى في خلق آليات لاحقة من شأنها تكرار مثل هذه الأحداث والتعامل معها وفشل في صياغة وإيجاد آليات تضمن حماية الأمن القومي العربي الذي أصبح مهددا في هذه الفترة أكثر من أية فترة سابقة وأصبحت التهديدات الخارجية والداخلية تعتصره من كل جانب دون أن يحرك ساكنا.
وأضاف الأشعل أن الدول العربية كان ينبغي عليها أن تأخذ منحي أكثر إيجابية وأكثر ميلا إلى الديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الإنسان وإيجاد آليات لضمان تبادل السلطة بالطرق السلمية وتأكيد المشاركة الشعبية والعمل علي إحداث نهضة تنموية وتكنولوجية وبناء اقتصاديات عربية قوية وخلق كيانات عربية قادرة علي مواجهة الكيانات الكبرى بما يضمن عدم تكرار الأزمة والنهوض من الكبوة العربية، إلا أن النظام العربي واصل فشله بنجاح ساحق.
ويرى الأشعل وجود مغالطة كبيرة عندما ينسب البعض المسؤولية عن التدخل الأجنبي في المنطقة إلى قيام مصر وسوريا بإرسال قوات عسكرية للمشاركة في تحرير الكويت، ويشدد على أن الذي فتح الباب وأعطى المشروعية للوجود الأجنبي في المنطقة هو الغزو ذاته الذي أعطى المبرر للكويت ليس لمجرد تحرير أرضها وإنما لإثبات وجودها المهدد بالفناء فاضطرت للجوء للقوات الأجنبية.
رؤية مغايرة
تهديد وفشل عربي
يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشورى، الغرفة الثانية للبرلمان المصري، وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم الدكتور مصطفى علوي «إن النظام العربي لم ينجح في التعافي من الغزو العراقي للكويت».
وأضاف« أن الغزو أدى إلى ظهور نوع جديد من التهديد لدول الخليج فقد كان التفكير في مهددات أمن الخليج ينحصر إما في دول إقليمية غير عربية أو دول وقوى دولية كبرى فالغزو أوجد نوعا جديدا من التهديد مصدره عربي.
وأكد علوي أن النظام العربي فشل في التعامل مع الأزمة فهو لم يتسبب فقط في ظهور مثل هذه الأزمة وإنما فشل أيضا في مواجهتها وحلها سواء بالطرق السلمية أو باستخدام الوسائل العسكرية واضطر للجوء للنظام الدولي لحل الأزمة خاصة بعد انقسام الدول العربية إلى ثلاث مجموعات:
الأولى ترى أن غزو العراق خطيئة كبرى ولابد من إخراج العراق من الكويت وضمت دول الخليج ومصر وسوريا، ودول أخرى ساندت العراق في موقفه ( الأردن اليمن موريتانيا) وفريق ثالث لم يبلور موقفا واضحا من الأزمة، وبالتالي فلم يكن هناك موقف موحد ولا سياسة عربية موحده والإنجاز الذي استطاع النظام العربي تحقيقه هو عقد القمة العربية في أغسطس من نفس العام بالقاهرة والخروج بقرار يدين الغزو ويعطي الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة آثاره.
احتلال صدام للكويت نموذج للعمى الاستراتيجي
عندما اجتاح الجيش العراقي أراضي الشقيقة الصغرى الكويت يوم 2 اغسطس 1990 بهدف شطب اسمها من سجل التاريخ والحاضر، وتحويلها إلى المحافظة رقم 19، كان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين واقعا تحت تأثير أوهام سياسية، نسجتها غطرسة القوة بعد حربه مع إيران.
غير انه قبل كل شيء كان ضحية لعبة دولية كبرى، أوقعته في فخ الأطماع التي لن تتحقق بل ستقوده إلى هاوية تدمير الذات وهدر كل مقومات القدرة العربية، وتفتح أبواب جحيم التدخل الأجنبي على مصراعيه، بحيث تتآكل البقية الباقية من الرابطة القومية، وتتهيأ الأرض لقيام نظام شرق أوسطى بديل.
فلقد أورد الصحافي والمحقق الأميركي الشهير بوب ودورد في كتابه«القادة» ان السفيرة الأميركية في بغداد، تعمدت خلال حديثها مع صدام حسين ان تعطيه إشارات مضللة وخاطئة بان الولايات المتحدة الأميركية لن تقف ضده إذا حاول غزو الكويت.
وأعطت السفيرة غلاسبي إشاراتها الخاطئة دون ان تتورط في نص يدينها بل بكلمات حمالة أوجه صيغت بطريقة تخاطب هوى صدام، وتضخم داخله الرغبة الدفينة التي لها خلفيات في تاريخ المنطقة منذ الاحتلال العثماني للخليج باستثناء الكويت التي كانت تحت السيطرة البريطانية.
فمن المعروف تاريخيا إن انتقال الكويت إلى السيطرة البريطانية اشعل خلافا بين السلطنة العثمانية وألمانيا (اللتان رفضتا الاعتراف بتلك السيطرة) وبريطانيا العظمى التي تمسكت بها، الامر الذي اجبر العثمانيين على الاعتراف بالأمر الواقع، الذي تحول إلى إعلان الكويت (إمارة مستقلة) في العام 1914 تحت الحماية البريطانية.
وردت السعودية باجتياح الكويت في ابريل 1920، لكن سرعان ما انتهت الاشتباكات بصلح في عام 1921، ومن ثم تم ترسيم الحدود بين كل من الكويت والعراق والسعودية عام 1922.
يضاف إلى ذلك انه بعد استقلال الكويت عام 1961 رفض رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم، الاعتراف بهذا الاستقلال وحشد الجيش على الحدود، ونظرا لقوة النظام العربي وقتها فقد سحبت قوات بريطانية جاءت لدعم الكويت، وحلت محلها بتوجيه من الزعيم العربي التاريخي جمال عبد الناصر قوات عربية. وانتهت سحابة صيف أعقبها سقوط قاسم سقوطا مدويا.
إذن تخلقت مغامرة صدام وغزوه للكويت، في سياق تاريخي يضاف إليه تحولات سياسية دولية وإقليمية، في مقدمتها رهانه الخاطئ على علاقاته السرية مع الولايات المتحدة الأميركية ابان الحرب مع إيران ( لحظة التقاء المصالح) حيث حظي بصلات وثيقة مع دونالد رامسفيلد مبعوث الرئيس رونالد ريغان( وقتها) والذي صار وزيرا للدفاع وأحد مهندسي احتلال العراق في 2003.
ولم يدرك صدام وقتها دلالة انفراد الولايات المتحدة بحكم العالم بعد انهيار القطب السوفييتي، وتجاهل وقائع وحقائق التاريخ بان السياسة الأميركية لا تعترف بصداقات شخصية مع حكام بل عينها دائما على المصلحة العليا، فلقد تركت شاه إيران رضا بهلوى يسقط ويموت في منفاه ولم توفر له ملاذا آمنا.
ومن علامات العمى الاستراتيجي لدى صدام والذي قاده لمغامرة الغزو ان راهن على تحالفه العربي الوليد مع كل من مصر والأردن واليمن، لدرجة انه تصرف وكأنه يضمن مسبقا تأييدهم للغزو، غير منتبه إلى ان هذا الغزو يشكل سابقة خطيرة مجرد السكوت عليها يدمر أسس النظام العربي، ويجعل الحديث عن الرابطة القومية والوحدة العربية مجرد لغو.
وتجاهل صدام أن جمال عبد الناصر رفض القضاء على الانفصاليين في سوريا وإعادة الوحدة المصرية السورية بالقوة، حتى لا يترك خنجرا مسموما في خاصرة العرب، وتصرف بوعي من يدرك ان فرض الوحدة بالقوة من جانب قطر على آخر، يعنى توظيف الشعار القومي لصالح مصلحة نظام قطري، أي إفناء لرابطة العروبة وتدمير لها.
وبعيدا عن ادعاء الحكمة بأثر رجعي يكفي لأي متشكك مراجعة أوضاع المشهد العربي الراهن، ومقارنته بالمشهد قبل يوم من غزو الكويت.
نقطة ضوء
مقدمات وتوابع الزلزال
وقع نبأ اجتياح القوات العراقية للكويت في صبيحة يوم 2 أغسطس 1990، كصاعقة أو كزلزال لم تتوقف توابعه حتى اليوم، سواء على جبهات سياسية أو اقتصادية أو إنسانية. فلقد فجع كثيرون استيقظوا على أم الفجائع ليجدوا وطنهم أصبح (اسما مشطوبا) وصار مجرد محافظة رقم 19 للشقيق العراق.
اذكر انني استيقظت ذلك اليوم ومازالت مشاهد الفيلم السينمائي الذي بثه التلفزيون المصري (الأيام الطويلة) للمخرج توفيق صالح في ذاكرتي، كونه يسرد سيرة نضال الرئيس العراقي صدام حسين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي إبان المد التحرري. غير أن الغزو بدد أي قيمة لهذا النضال، وأصبح في مواجهة الحاضر مجرد كاريكاتير.
في الشهور التي سبقت الغزو التأم العراق ومصر والأردن واليمن في تجمع اقليمى للتعاون العربي، لكنه انهار على وقع غزو الكويت، بل انهار معه النظام الاقليمى العربي، ومازال يعاني أمراضا مزمنة تستعصي على الشفاء، وتكتفي بالمسكنات والمهدئات الموسمية.
وبعد 18 عاما اعتقد اننى لم اقرأ نقدا ذاتيا لأي من التيارات والتنظيمات العربية، سواء التي هللت للغزو، أو تلك التي أحرقت البخور أمام القوات الأميركية، ففي الحالين كانت الرابطة العروبية هي الضحية، وكان الأمن القومي العربي هو القربان لنظم أمنية بديلة تخدم مصالح الجميع عدا العرب.
وليس من قبيل المبالغة قول إن غزو العراق للكويت وضع حدا فاصلا في تاريخنا المعاصر بين عالمين: ما قبل الغزو وما بعده. دون إغفال حقيقة أن وقائع التاريخ مترابطة ولها سياق ينتظمها في سلسلة مترابطة.فلقد جاء الغزو ضمن سياق الهزائم العربية التي نحرت ضفاف نهر الرابطة القومية، منذ توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية (كامب ديفيد) للصلح مع إسرائيل.
والحاصل أن هذه الخطوة أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وأصابت نظرية الأمن القومي العربي في مقتل، وشلت دور الجامعة العربية بعد مؤتمر بغداد ونقل مقرها إلى تونس.
في سياق مقدمات الزلزال احتلت إسرائيل بيروت كأول عاصمة عربية تدنسها أقدام جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، دون رد ملموس من أي نظام عربى. كما تمادت إسرائيل ودمرت المفاعل النووي العراقي (اوزرايك) في غارة جوية اتسمت بأكبر قدر من الاستهزاء بالعرب
وهكذا انفرط العقد، وبدت كل عاصمة مشغولة بهموم يومها وأمنها، متجاهلة انه سيظل أمنا منقوصا ما لم يسيجه الأمن القومى العربى الغائب. في تلك الفترة دخل العراق في حرب مع إيران غير الشاهانشاهية أكلت الأخضر واليابس، وجففت منابع التنمية والنهوض، وأفرخت حلفا غير مقدس من الأميركيين الذين غضوا العين عن تعاظم قوة العراق العسكرية، لأنهم واثقون أن يوم التخلص منه آت لا محالة، وقد كان بعد سنوات من الغزو وتحرير الكويت.
ونقف جميعا الآن أمام معضلة تحرير العراق، في حين انضم السودان لقائمة الاختراق والتدخل.
دبي ـ سيد زهران

