في تناولها لمشكلة البطالة قالت منظمة العمل العربية إن الأموال العربية المستثمرة في الخارج تبلغ ألفين وأربعمئة مليار دولار، في حين أن الأموال العربية المستثمرة داخل الوطن الكبير لا تزال شحيحة، وذلك بسبب افتقاد الاستقرار التشريعي. وما لم تقله المنظمة صراحة أن هذه الأموال لو استثمرت في العرب لأنهت مشكلة البطالة وغيرها من مشكلاتهم، ولكن لأن ذلك لم يحدث فإن المشكلة تجاوزت كل الخطوط الحمراء، إذ بلغ عدد العرب العاطلين سبعة عشر مليون شخص.
والبطالة عند العرب تختلف عن البطالة عند غيرهم، لأنها تردي صاحبها إلى الفقر، فالعاطل العربي لا يحصل على علاوة بطالة، وقد لا يجد ما يعيش به، ومن ثم فقد يجوع ويعرى. وقد تجرفه الظروف إلى مهاوٍ أخرى مثل العنف والإرهاب.
مشكلة البطالة العربية لم تعد عادية، لأنها صارت قضية أمن وطني على صعيد الدولة الواحدة، وأمن قومي على الصعيد العربي كله، ولذا فإن الحلول العربية المنفردة لم تعد تجدي في علاج المشكلة. فالعلاج يحتاج إلى حلول مبتكرة، غير المتبعة حالياً، لأن معدلات البطالة تسير بسرعة الضوء، بينما الحلول المتبعة لا تزال في بطء السلحفاة.
وأول شروط تلك الحلول غير التقليدية أن تكون الحلول على مستوى الأزمة، أي تكون الحلول في إطار عربي شامل، وليس في إطار كل دولة على حدة، لأن هذا ما تم في الماضي، ولا يزال متبعاً حتى الآن. وهذا أيضاً ما قاد الأمة العربية إلى أن تحتل المرتبة الأولى عالمياً في معدلات البطالة.
إن معدلات البطالة المتزايدة تكشف أن خطراً حقيقياً على الأمة ينبع من داخلها، لأن استمرارها على هذه الوتيرة، سوف يرفع أعداد العاطلين إلى نحو خمسة وعشرين مليوناً خلال سنوات معدودة جداً، وتقول بعض التقديرات ان ذلك سيكون بنهاية عام 2010 وهو ما يعني أن المشكلة قد تنفجر في وجوه العرب في أية لحظة.
والأخطر في مشكلة البطالة أنها سوف تستجلب - إذا استمرت على هذه المعدلات ـ تدخلات دولية إن عاجلاً أم آجلاً، خاصة مع استفحال مشكلتين مرتبطتين بها ارتباطاً وثيقاً:
ــ أولهما: مشكلة الهجرة غير الشرعية من العرب إلى غيرهم من بلدان القوة والثروة.
ــ ثانيهما : الارتباط الوثيق بين العنف الشبابي وبين مشكلة البطالة، فهذا العنف قد لا يقف بالضرورة عند صوره التقليدية.
هذه الخطوة ليست مستبعدة، فـ «الاتحاد من أجل المتوسط»قام فيما قام لعلاج مشكلة الهجرة غير الشرعية كواحدة من الهواجس الأوروبية. وهذا ما على العرب توقعه. رغم أن المشكلة في بعض جوانبها ناجمة عن التبعية الاقتصادية والسياسية للخارج.
صارت مشكلة البطالة كابوسا في العالم العربي، حيث تستفحل عاما بعد عام، رغم جهود المواجهة التي تبذلها الحكومات . ولكن يبدو ان تلك الجهود لم تعد على مستوى حجم المشكلة، في مقابل النمو المتزايد في أعداد الباحثين عن العمل.
وقد صدرت العديد من التحذيرات خلال السنوات الأخيرة من جانب الخبراء المتخصصين ومن جانب المؤسسات العربية المتخصصة. ومن هذه التحذيرات ما صدر عن مؤتمر العمل العربي الذي انعقد بمدينة شرم الشيخ المصرية في مارس الماضي. ففي الاجتماعات وصف المشاركون معدلات البطالة في العالم العربي بأنها الأسوأ في العالم كله، اذ صارت المشكلة مزمنة، و لم يكن من المتصور أن تتطور الى معدلاتها الحالية، لكن المشكلة الأكبر أنها تتزايد على المستوى العربي كله، وتحولت الى مهدد للأمن والاستقرار. أما أحدث التحذيرات فصدرت مع التقرير الأول للبطالة الذي أصدرته منظمة العمل العربية في منتصف يوليو الماضي.
وجاء في التقرير أن المنطقة العربية في عمومها تحتفظ بأعلى معدلات البطالة في العالم، اذ تبلغ المعدلات نحو14 بالمئة، الا أن هناك تقديرات أخرى لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، تقدر هذه النسبة بحوالي 20 بالمئة، وهو ما يعني أن المشكلة أكبر مما هو متصور، ذلك ان هذه النسبة تتزايد سنويا بنحو 3 بالمئة. ويبلغ عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي (في الحد الأدنى) نحو 17 مليون شخص من اجمالي عدد السكان العرب الذي يقدر بحوالي 338 مليون نسمة عام 2008. ومما يزيد من حدة المشكلة انها تتسم بعدة خصائص معقدة ، اذ تشمل قطاعات متنوعة ومتعددة من العاطلين . فالبطالة تنتشر بين الشباب، وخاصة المتعلمين منهم تعليما جامعيا، كما انها بدأت تضرب أوساط المتعلمين المؤهلين فنيا .
و تشمل النساء أيضا، لكن الخاصية الجديدة للمشكلة أنها لم تعد تستثني الدول العربية النفطية ومنها الخليجية، وهي دول لم تكن حتى فترات قريبة ضمن إطار مشكلة البطالة، على الرغم من إنها دول مستقبلة للعمالة من كل أنحاء الأرض. ويبلغ عدد العمالة الأجنبية بها نحو 12 مليون عامل .
ووفق الإحصاءات فان مجموع المشتغلين العرب يبلغ 88 مليون شخص، يعمل منهم بالقطاع الزراعي والصيد 25 مليونا، وفي قطاع الخدمات يعمل حوالي 9 .24 مليونا، ويأتي قطاع التجارة والفنادق في المركز الثالث بنحو 8 .11 مليونا. اما بقية المشتغلين فيتركزون في الصناعات التحويلية والإنشاءات والنقل والتخزين .
واذا انتقلنا الى رصد البطالة قي بعض الدول العربية، سنجد أن السعودية تحتل المركز الأول من حيث أعداد العاطلين على مستوى الدول النفطية. أما على مستوى الدول غير النفطية فتحتل مصر الموقع العددي الأول، بينما تعاني اليمن من حدة المشكلة على صعيد عدم القدرة على تلبية فرص العمل.
في السعودية يبلغ عدد العاطلين بالسعودية نحو454 الف عاطل منهم 271 ألف ذكر، وذلك في 2007، بارتفاع نصف سنوي قدره 2% ، وذلك حسب تقرير صدر في مارس من العام الجاري عن مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات التابعة لوزارة الاقتصاد السعودية.
ويقدر التقرير نسبة العاطلين بحوالي 11% من إجمالي قوة العمل بالمملكة . وتتركز البطالة في السعودية بين الشباب على وجه الخصوص . ويتركز العاطلون في المدن السعودية الكبرى. وفي نفس الوقت يشهد تشغيل العمالة الأجنبية، وفق تصريحات صادرة عن وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي، ارتفاعا بلغ نسبة 99% عام 2007 بالمقارنة بعام 2005.
وقد شهد العام الماضي استقدام السعودية لنحو 750 .1 مليون عامل، حسب تصريح للوزير في ندوة عقدها في منتصف يناير الماضي، وقال فيها لو كان الأمر بيدي لقلصت عدد هذه العمالة الى 400 الف سنويا، ولكن البلاد تعيش مرحلة تنموية. وكان الوزير قد وصف البطالة بين الرجال بأنها مفزعة.
أما في مصر فتمثل مشكلة البطالة تحديا قاسيا على كل المستويات، ومصدر تجاذب سياسي بين القوى السياسية، وعادة ما ترجع الحكومة كافة المشكلات ومنها البطالة الى الزيادة السكانية المضطردة، الا ان البعض يرجع المشكلة الى اخفاق السياسات الحكومية. وفي العام الماضي ناقش مجلس الشعب المصري المشكلة في ثمانية استجوابات، وصف فيها بعض النواب المشكلة بانها صارت حالة سرطانية، دفعت ببعض الشباب للسفر الى إسرائيل بحثا عن عمل، كما دفعت بغيرهم الى الموت غرقا في مياه المتوسط كمهاجرين غير شرعيين. وذلك على الرغم من أن معدل البطالة في مصر يعد منخفضا عن المعدل العربي العام، اذ يبلغ في مصر نحو 7 .10%، وذلك وفق تقديرات منظمة العمل العربية.
لكن هذا المعدل يرجح كفة البيانات الرسمية التي يعتبرها بعض الباحثين غير دقيقة الى حد ما، حيث تتفاوت التقديرات حول عدد العاطلين، وذلك للاختلاف حول تعريف المشتغل والعاطل. مما يدفع بنسبة البطالة إلى الانخفاض في الإحصاءات الرسمية. ويظهر ذلك في تقرير صادر عن معهد التخطيط القومي في أبريل الماضي عن أداء الاقتصاد المصري خلال عام 2007، حيث قدر التقرير أن معدل البطالة يبلغ 3 .9% وفق إحصاءات عام 2006.
وتقدر الإحصاءات الرسمية قوة العمل في مصر، وفقا للتعداد السكاني عن عام 2006 بحوالي 9 .21 مليون شخص، بزيادة قدرها 7 .4 ملايين فرد مقارنة بتعداد 1996، بنسبة 7 .3%.
أما عدد المشتغلين من إجمالي قوة العمل، فيبلغ 9 .19 مليون فرد، منهم حوالي 70% يعملون بشكل دائم، ونحو 18% يعملون بشكل متقطع.
ويبلغ إجمالي عدد العاطلين حوالي 2 مليون عاطل عام 2006. ويتركز أعلي معدل للبطالة في أسوان 19% والأقصر 5 .17%، نتيجة عدم تنوع النشاط الاقتصادي واقتصاره على السياحة. بينما ينخفض معدل البطالة في أفقر محافظتين في مصر وهما الفيوم 4 .3% وبني سويف 7 .3%، بسبب توجيه استثمارات كبيرة من المانحين في هذه المحافظات.
وتقدر نسبة الشباب العاملين بنحو 5 .38% من إجمالي قوة سوق العمل. و يتم استيعاب 76% من الداخلين الجدد لسوق العمل في القطاع غير الرسمي. رغم الزيادة في الاستثمارات وفي نسب التشغيل ، إلا أن تزايد أعداد الداخلين الجدد لسوق العمل أدي إلي ارتفاع معدل البطالة.
وفي اليمن وصلت البطالة إلى نقطة حرجة، وذلك حسب وصف التقرير الاقتصادي السنوي لعام 2006، الصادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، حيث تشير الإحصائيات الى أن معدلات البطالة تتركز بصورة كبيرة بين الشباب، إذ تصل النسبة الصريحة وسطهم مابين 29% و2 .34%، وهو رقم كبير جدا، بما يعنى أن ثلث الشباب اليمني في سن العمل لا يجدون فرصتهم. وهذا الرقم مرشح للزيادة.
حيث أن عدد الخريجين الوقت الراهن يصل إلى حوالي 188 ألف خريج سنوياً، ولا تتوفر فرص عمل لهم إلا بمقدار 16 ألف وظيفة فقط . وبالتالي فإن مشكلة البطالة ستظل خطيرة، لأن هناك آثارا اجتماعية تدفع الفرد إلى الانحراف وممارسة العنف والجريمة والتطرف والإرهاب (حسب النص الرسمي اليمني)
ومن المفارقات العربية ، أنه على الرغم من ارتفاع معدلات البطالة، الا أن المنطقة العربية تعد الأولى في العالم أيضا من بين المناطق النامية، من حيث توفير فرص العمل، حسب بيانات منظمة العمل العربية ، اذ أوجدت الدول العربية ما يزيد على ثلاثة ملايين وظيفة سنويا . وبالرغم من هذا الانجاز، الا انه يحمل أغرب نوع من التناقض في سياسات التشغيل، حيث تتراجع البطالة بين الأميين، بينما تزداد بين الشباب الجامعيين والمتعلمين تعليما متوسطا، وتبلغ النسبة في مصر عشرة أضعاف المعدل العربي، وخمسة أضعاف في المغرب، لكنها بقيت ضمن المعدل العربي في الأردن .
وهذه الأرقام تكشف دلالة خطيرة، وهي أن الثلاثة ملايين فرصة عمل التي توفرت لم تكن نتاجا لجهود حكومية، وانما تمت بجهود السوق غير الحكومي، وهو ما يؤكد الحالة العشوائية التي تتسبب في تعقيد مشكلة البطالة عربيا.
مما يعني أن الأمل في وضع نهاية لمشكلة البطالة لا يزال بعيد المنال .فأسباب المشكلة تتزايد على صعيد عدم التوافق بين سياسات التعليم واحتياجات العمل، فمثلا هناك ضعف في عدد الطلاب المسجلين في التخصصات العلمية، حيث لا يزيد المعدل العام عن28% من مجموع الطلاب العرب، بينما تبلغ النسبة في بعض البلدان الآسيوية نحو 50%. الى جانب ذلك لا يزال العالم العربي حسب وصف منظمة العمل العربية بعيدا عن الاستفادة من اقتصادات المعرفة .
ومن ثم فان معدلات البطالة بدأت تتجاوز الخطوط الحمراء، لأن 60% من سكان الدول العربية هم دون سن الخامسة والعشرين. ومن المتوقع وفق بعض التقديرات ان يبلغ عدد العاطلين العرب خلال السنوات القليلة المقبلة نحو 25مليون عاطل. وهو ما يشكل عبئا اقتصاديا شديدا.
ومن اجل علاج المشكلة يحتاج العالم العربي الى نحو 70 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، الى جانب رفع معدلات النمو الاقتصادي. وهذان الشرطان للقضاء على البطالة لا يتوافران عربيا حتى الآن. وهو ما يؤكد أن المشكلة صارت أعقد من قدرة كل دولة عربية على العمل منفردة.
لمحة
الإمارات في تقرير البطالة العربي
كشفت منظمة العمل العربية عن أن وجود العمالة الأجنبية كان الأعلى في الإمارات إذ بلغ نحو 8 .80%، وفق تقرير البطالة العربية الأول، لكن لم يذكر التقرير على وجه الدقة عدد العاطلين، إلا أن المنظمة تحدثت عن بعض الإحصاءات مثل تزايد معدل مشاركة النساء حوالي ثلاث مرات.
وأن قطاع الإنشاءات يعد الأعلى في تشغيل العمالة بنسبة 14% من مجموع المشتغلين. ويبلغ عدد المشتغلين في القطاع الخاص حوالي 45 %.
وحول سياسات التشغيل والتغلب على البطالة قالت المنظمة ان هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية تتولى المهام ذات العلاقة بمعلومات القوى العاملة والتشغيل،وإجراء الدراسات الميدانية، وتدريب الباحثين عن عمل .
يذكر أن الإحصاءات الخاصة بالإمارات تعد محدودة إذا ما قورنت بالإحصاءات العربية الأخرى الواردة في التقرير.
إحصائية
195 مليون عاطل في العالم
كشفت منظمة العمل الدولية عن ان عدد العاطلين في العالم سوف يرتفع من 190 مليون عاطل الى 195 مليونا خلال العام الجاري، لان أكثر من خمسة ملايين شخص مرشحون لفقد وظائفهم في العام الحالي بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي.
وقال خبراء في المنظمة إن البلدان الغنية هى التي ستشهد الفقدان الأكبر للوظائف الا أن الملايين من عمال البلدان الفقيرة سيعانون بسبب ذلك. وكان صندوق النقد الدولي الذي يتخذ من واشنطن مقرا له قد خفض توقعاته للنمو لهذا العام إلى 1 .4%.
وهو ما يشير الى احتمال ازدياد الخسائر العالمية على مستوى الوظائف، مما يعني ان عدد العاطلين ربما يفوق الرقم المتوقع. وكانت منظمة العمل الدولية والتي تتخذ من جنيف مقرا لها أصدرت تقريرا مطلع هذا العام قالت فيه ان معدل البطالة العالمي قد يرتفع الى 1 .6% العام الحالي بعدما كان 6% العام الماضي 2007.
أحمد الكناني


