نتناول هنا ما تشير إليه المؤلفة من تردي أوضاع الفلاحين في الهند الذين يعانون من شظف العيش بسبب إيقاف الحكومة لأموال الدعم التي كانت تدفع للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية عند مستوى معين وكذلك بسبب الشح الكبير في الأمطار في السنوات الأخيرة.

وتدل الإحصائيات الرسمية في الهند على إقدام مئة ألف مزارع هندي على الانتحار منذ عام 1997 بسبب مشكلات يعانون منها تتعلق بالعجز عن سداد القروض الزراعية وفوائدها العالية. هذه الصورة السلبية لحياة الفلاحين يزيدها تفاقماً تأثيرات التغيرات المناخية التي بدأت تظهر على شكل كوارث طبيعية كالفيضانات والأعاصير التي تزهق أرواح الآلاف كل عام وتقضي على الثروة الحيوانية والزراعية التي تعتمد عليها حياة الملايين من الهنود. وعلى الرغم من الأمطار الموسمية الغزيرة جداً والمدمرة أحياناً التي تسقط على بعض مناطق الهند، إلا أن البلاد تعاني من نقص في المياه ينذر بكارثة حقيقية في ضوء حقيقة أن عدد السكان في الهند يتزايد بمعدل 18 مليون نسمة في العام الواحد وأن كميات كبيرة من المياه أصبحت غير صالحة للشرب بسبب التلوث. من بين جميع ثروات الشرق، كانت الأنسجة القطنية والحريرية الهندية ذات الجودة الممتازة والمنسوجة يدويا هي التي جذبت إلى الهند «الشركة البريطانية للهند الشرقية».

قدم الكثير من التجار الإنجليز للبحث عن هذه المنتوجات الراقية وجمعوا منها ثروات طائلة. وكانت تلك الشركة البريطانية قد حوّلت النساجين الهنود من حرفيين مستقلين يبيعون منتجاتهم إلى مجرّد مستخدمين لديها بحيث ينسجون ما تطلب بينما يحددون هم السعر. وكان نصيب أولئك الذين يحتجّون هو «قطع إبهامهم» كي لا يستطيعوا بعد ذلك ممارسة النسج. كان عملا بربريا يحكم عليهم بمعاناة المجاعة يعيش 70 بالمئة من الهنود في مناطق ريفية، وهناك 120 مليون أسرة من المزارعين في الهند، وأكثر من 600 ألف قرية. بدأت زراعة القطن في الهند منذ خمسة آلاف سنة. وقطع النسيج القطني التي تمّ العثور عليها والعائدة إلى حضارة وادي الهندوس القديمة تبيّن مدى البراعة في النسج و«الطباعة» على النسيج آنذاك. وكانت الهند تقوم بتصدير أنسجتها القطنية إلى اليونان وروما. وهناك حوالي 200 نوع من القطن يتم إنتاجها في الهند. وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أنه في الوقت الذي استفادت فيه النخب المدينية الهندية وكبار ملاّكي الأراضي من الازدهار الاقتصادي للبلاد في العقدين الأخيرين، فإن الملايين من أسر الفلاحين استمرت في تحمّل قساوة الحياة. وكانت الحكومة قد أوقفت المساعدات التي كانت تسمح بالمحافظة على أسعار الإنتاج في مستوى معيّن. وأضيف لذلك واقع الشح الكبير في الأمطار منذ سنوات.

وتدل الإحصائيات على أن مئة ألف مزارع هندي قد انتحروا منذ 1997 حتى اليوم. هذا الرقم المخيف يتم ربطه مباشرة مع التغيرات التي شهدتها السياسة الزراعية في الهند، خاصة فيما يتعلق بنقص القروض ذات الفوائد «المعقولة» مما يضطرّ المزارعين للاقتراض بأسعار فائدة عالية ويأتي وقت لا يستطيعون فيه السداد، مما يدفع العديدين إلى وضع حد لحياتهم.وبتاريخ 30 يونيو 2006 قام رئيس وزراء الهند بزيارة إحدى المناطق الزراعية بعد أن كان «وباء الانتحار» قد أخذ بعدا وطنيا مع الإعلان عن ضحايا جدد كل أسبوع. وقد وعد بفعل كل ما هو ممكن من أجل منع قيام أزمات مشابهة، كما وعد بشطب جميع الفوائد المصرفية في المناطق الأكثر تعرّضا للأزمة. وفي نوفمبر 2006، جرى تنظيم تجمّع في نيودلهي، العاصمة، شارك فيه الآلاف من المزارعين الذين قدموا من مختلف مناطق الهند لمطالبة الحكومة بمعالجة الأزمة الزراعية التي تواجهها البلاد. وتمثّل أحد مطالبهم بإجراء إحصاء للمزارعين المنتحرين. الأحزاب السياسية الهندية اهتمّت، من جهتها، بالمسألة وقرر البرلمان الهندي أن يعطيها الأولوية على جدول أعماله لدورة الشتاء التالية.

تواجه الهند أزمة جديّة في المياه، وقد يزداد تهديدها مستقبلا إذ أن عدد السكان يزيد بمعدل 18 مليون نسمة كل سنة والاقتصاد يشهد حالة من التوسع والازدهار. وتدل تقديرات البنك الدولي أن استهلاك المياه من قبل الأسر في المدينة بالهند سوف يتضاعف من الآن وحتى أفق عام 2025.

ثم إن تحديث الزراعة الهندية يستدعي استخدام كميات أكبر من المياه في الأرياف. تتم الإشارة هنا إلى أن رئيس وزراء الهند الأسبق جواهر لال نهرو قد رأى منذ خمسينات القرن العشرين، أن تحديث البلاد يتضمن بناء سدود مائية كبرى أطلق عليها تسمية «معابد الهند الحديثة».

ترتب على مشروع بناء السدود تهجير مئات الآلاف من المزارعين، وخاصة سد «ساردار ساروفار» العملاق على نهر نارمادافي غوجارات. تلقّى الأشخاص الذين جرى تهجيرهم بالقوة تعويضات بسيطة ومساعدات لإيجاد أمكنة إقامة جديدة لهم.

لقد أثار مشروع سد «ساردار سوفار» الكثير من النقاشات والجدل في الهند، بين مؤيّد ومعارض. لكن هذا لم يمنع الحكومة المركزية في دلهي من إعداد مشروع طموح يرمي إلى ربط جميع أنهار البلاد فيما بينها بواسطة «شبكة» من الأقنية. وكانت بلدية دلهي قد وقعت عقدا مع أحد فروع شركة «سويز» الفرنسية للمياه من منظور إنجاز جزء من تلك الشبكة.

إن عملية خصخصة المياه غدت في الوقت الراهن اتجاها عالميا. ويقدّر البنك الدولي بـ «تريليون» دولار قيمة العمليات المرتبطة بذلك. وبالاعتماد دائما على تقرير للبنك الدولي حول أزمة المياه في الهند تحت عنوان «اقتصاد المياه في الهند: في مواجهة مستقبل مضطرب» يتم التأكيد على أهمية الخصخصة بصورة عامة وخصخصة المياه بشكل خاص.

ويشير التقرير إلى أنه ينبغي على الدولة أن تتخلّى عن المهام التي ليست هناك حاجة لتقوم هي بتنفيذها، وبالمقابل تطوير قدرتها على تنفيذ العديد من المشروعات التي تحتاج إلى الدول للقيام بها. وينبغي أن تدخل المنافسة في ميدان الخدمات العامة وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالمياه.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن ثلاث شركات عالمية كبرى تسيطر على 40 بالمئة من السوق الخاص بالمياه في العالم. هذه الشركات هي: مشتل وسويز وفيفاندي، مع ذلك هناك شركات «أكثر تواضعا» دخلت في هذا المجال، ذلك أن الإمكانيات المالية لسوق «الذهب الأزرق»، هي في حالة ازدهار كبير وحيث تصل التقديرات إلى 400 مليار دولار. بالنسبة للهند، يشكّل النمو الديموغرافي وتوسع المدن والتحوّل المبرمج للاقتصاد الزراعي باتجاه نموذج زراعي يصبو إلى التصدير عوامل في بروز أزمة المياه في البلاد، وهي أزمة مرشحة للتوسع والتعمّق أكثر فأكثر.

تؤمن المياه الجوفية 80 بالمئة من الاحتياجات المنزلية الريفية و50 بالمئة من الاحتياجات المنزلية في المدن. وكميات المياه هذه تنخفض ذلك أن إيقاع استهلاكها يفوق معدلات تعويضها، هذا فضلا عن أن الكثير منها قد تعرّض للتلوث من قبل مواد شديدة السميّة تتطلب عملية التخلص منها أموالا كبيرة بالنسبة لبلد نامٍ مثل الهند. وقد انخفضت مستوياتها في بعض المناطق إلى 70 بالمئة.

الهند ليست مسؤولة عن زيادة سخونة الأرض، لكن سخونة الأرض تخرّب الهند. إن قسما كبيرا من سكان الهند يعيشون على طول السواحل في البلاد. وهناك العشرات من الملايين يواجهون تهديد التهجير من منازلهم وأراضيهم إذا ارتفع مستوى البحر.

وتشير المؤلفة في هذا الصدد إلى تقرير أعدته الحكومة البريطانية وجرى نشره في نوفمبر 2006، وهو يقرع ناقوس الخطر لأنه حتى اتفاق «كيوتو» لا يذهب إلى الحد الذي يمكنه فيه أن يقي من وقوع كارثة عالمية بسبب التغيرات المناخية. ويقترح التقرير أن تتحرك الحكومات مباشرة وتكرّس نسبة 1 بالمئة من إجمالي إنتاجها المحلي، أي ما يعادل 184 مليار جنيه إسترليني، من أجل السيطرة على انبعاثات الغازات المضرة بالغلاف الجوي. وإذا لم تفعل الحكومات ذلك فإن التقرير يحذر من تكبدها نفقات أكبر من أن تستطيع البشرية تحمّلها.

إن تأثيرات سخونة الأرض سوف تكون محسوسة في بلدان الجنوب، بما فيها الهند، أكثر مما هي في بلدان الشمال. والثمن الذي ينبغي دفعه على الصعيد الاقتصادي، دون الحديث عن الكلفة البشرية، هو أكبر مما يمكن تصوره. بالتالي يمكن للخسائر المترتبة على سخونة الأرض أن تكون تحديا حقيقيا. لكن الهند تملك التكنولوجيا الضرورية من أجل إيجاد الحلول لما يمكن أن يكون أفدح الأزمات التي واجهتها البشرية، كما أنها تمتلك من النفوذ ما يكفي للضغط على زأسوأس المساهمين في سخونة الأرض، أي الولايات المتحدة والصين، وإرغامهما علي التحرك أيضا.

وكان عام 2006 قد شهد ارتفاع درجات حرارة العالم درجة واحدة، وهي النسبة الأكثر ارتفاعا منذ مليون سنة. وإذا كانت السخونة قد ظهرت بوضوح كبير في أقصى مناطق شمال الكرة الأرضية فإن منطقة المحيط الهندي والهيمالايا، غدت أيضا أكثر سخونة. وتشير المؤلفة إلى تعليق أدلى به جيمس هانسن، من معهد «غودارد للدراسات الفضائية التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، حيال ما جاء في تقرير صدر في 26 سبتمبر 2006 من «أكاديمية العلوم الوطنية» الأمريكية.

ويقول التعليق: إذا استمرّت سخونة الأرض وزادت درجتين أو ثلاث درجات، فإننا قد نشهد تبدلات ستجعل من الأرض كوكبا مختلفا عن الكوكب الذي نعرفه. كذلك تتم الإشارة إلى الفيلم الذي أعدّه «آل غور»، نائب الرئيس الأمريكي السابق وعنوانه «حقيقة مزعجة» وأخطر ما فيه أنه إذا استمرّت سخونة الأرض، فإن 60 مليون شخص سينبغي تهجيرهم من كالكوتا ومن شواطئ البنغال الغربية ومن بنغلاديش.

وفي شهر يوليو 2005، عرفت مدينة «مومباي» أمطارا بلغت 94 سنتمترا خلال 24 ساعة، أي الكمية التي لم تعرفها طيلة تاريخها، وتسببت بوفاة 2000 شخص. وخلال الأسبوع الأخير من أغسطس 2006، تلقت منطقة بارمير في راجاستان 750 ملمترا من الأمطار، أي ما يزيد بخمسة أضعاف عن المعدّل السنوي. وكانت الخسائر وفاة 139 شخصا ونفوق 45 ألف رأس من الماشية. وإذا كان يمكن للبعض أن يشرحوا كل ظاهرة مناخية بوصفها استثنائية، وأن التاريخ قد سجّل مثلها على مرّ القرون، فإنه لا يمكن بالمقابل نفي واقع أن مثل هذه الظواهر يزداد إيقاعها كما تزداد شدّتها.

وكانت «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية» التابعة للأمم المتحدة قد أعلنت في عام 2005 أن 90 بالمئة من جميع الكوارث الطبيعية التي حصلت بين 1992 و2001 كانت تعود لـ «ظواهر مناخية متطرفة»ذ. وقد قتلت 622 ألف شخص ومسّت 2 مليار آخرين، كما أن الأراضي القابلة للزراعة المخرّبة قد ازدادت وتكاثرت الأمراض. ويقدر إجمالي الخسائر الاقتصادية المسجّلة خلال الفترة نفسها ب450 مليار دولار.

وكانت مجلة «الايكونومست» قد أنذرت في عدد خاص كرّسته لسخونة الأرض في سبتمبر 2006، أن «الجليد في القطب الشمالي، مثلا، يذوب بسرعة مدهشة، وبإيقاع 9 بالمئة كل عقد من الزمن. ثم هناك سلسلة من الظواهر، مثل العواصف، لم يكن يعتقد أحد من قبل أنها يمكن أن تكون مرتبطة بالتبدلاّت المناخية.

ولكن يتم التأكيد اليوم أنها مرتبطة بها أكثر فأكثر.

إن درجات الحرارة في جبال الهيمالايا العالية، التي أطلقوا عليها تسمية «سطح العالم» حيث توجد القمم الأكثر ارتفاعا في العالم، ارتفعت درجة خلال السنوات الأخيرة. ومن المعروف أن الهيمالايا تمتلك أكبر مساحة متجمدة باستثناء المناطق القطبية بالطبع. وهذا الارتفاع في الحرارة يهدد بضياع مصدر المياه الأساسي لمليارين من البشر.

الكاتب في سطور

* ولدت ميرا كامدار في سياتل بواشنطن وحصلت على شهادة البكالوريوس من كلية ريد وعلى الماجستير والدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

* تشغل كرسي الزمالة الخاص ببرنارد شوارتز في الجمعية الآسيوية في نيويورك وكرسي الزمالة في معهد السياسة الدولية.

* تظهر كتاباتها في كبرى الصحف والمجلات الأميركية والعالمية مثل واشنطن بوست وانترناشيونال هيرالد تربيون ولوس أنجلوس تايمز وغيرها.

* حصلت على جائزة واشنطن للكتاب لعام 2002 عن كتاب مذكراتها: أوشام موتيبا: رحلة حفيدة من أميركا إلى ماضي عائلتها الهندية.

* عاشت في فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتتقن الانجليزية والفرنسية والهندية.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف