تحل اليوم الذكرى الثالثة لجلوس (البيعة) الملك عبدالله بن عبد العزيز على عرش المملكة العربية السعودية في أغسطس العام 2005 والمملكة تخوض جهوداً على جبهات عدة: في الداخل والخارج لتحقيق الانجازات في عالم مضطرب. أما في الداخل فالمملكة تشهد منجزات تنموية مشهودة لكنها تعاني من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة.. أما في الخارج فالمملكة وقيادتها تبذل كل ما تملك من وسائل لدعم الحوار والسلم العالمي في منطقة تتنازعها الأنواء والاضطرابات.
وتحل الذكرى، والتي احتفل بها السعوديون قبل 32 يوماً بحسب التقويم الهجري المعمول به في المملكة (السادس والعشرين من شهر جمادى الآخرة)، فيما البصمات التي أنجزت خلال ثلاث سنوات تفرض نفسها على التاريخ.. فالمملكة تجاوزت بقيادة خادم الحرمين الشريفين في مجال التنمية السقف المعتمد لإنجاز العديد من الأهداف التنموية التي حددها «إعلان الألفية» للأمم المتحدة العام 2000 كما أنها على طريق تحقيق عدد آخر منها قبل المواعيد المقترحة، إذ أدمجت الأهداف التنموية للألفية ضمن أهداف خطة التنمية الثامنة وبات جزءا من الخطاب التنموي والسياسات المرحلية وبعيدة المدى للمملكة. وفي عهد الملك عبدالله، الذي يشهد يوماً بعد يوم المزيد من المنجزات التنموية في مختلف القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية والمواصلات والصناعة والكهرباء والمياه والزراعة، شهدت المملكة العربية السعودية الإعلان عن مشروعات اقتصادية ضخمة منها مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ، ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد في حائل، ومدينة جازان الاقتصادية، ومدينة المعرفة في المدينة المنورة، إلى جانب مركز الملك عبدالله المالي في العاصمة الرياض. كما نالت المملكة موافقة منظمة التجارة العالمية على الانضمام إليها.
كما يعتبر عهده عهد نشر التعليم العالي، إذ شهدت السنوات الثلاث تأسيس جامعات جديدة في: المدينة المنورة، وتبوك، وحائل، وجيزان، والطائف، والقصيم، والجوف، والباحة، وأبها، وعرعر ما سيرفع عدد الجامعات من ثمان إلى أكثر من 20 جامعة وافتتاح الكليات والمعاهد التقنية والصحية وكليات تعليم البنات. وفي ظل تحديات اقتصادية معيشية غير مسبوقة، في المملكة كما في كل دول العالم، أمر خادم الحرمين أكثر من مرة بخفض أسعار الوقود: الأولى في العام 2006 بنسبة 33 في المئة، والثانية هذا العام بنسبة 25 في المئة، إلى جانب كثير من المكرمات التي تتعلق بدعم لمواد الغذائية الأساسية ورفع الرواتب وبدل غلاء المعيشة. وفي ضوء تزايد العوائد النفطية على خزينة المملكة خص خادم الحرمين المسجد الحرام في مكة المكرمة بميزانية مفتوحة لتوسعة هي الأكبر في التاريخ.
ترتيب البيت
ومن المنجزات الكبيرة، إنشاء هيئة البيعة في صيف العام 2006 التي أرادها الملك عبدالله ضمانة لاستقرار الحكم في البيت المالك ولانتقال السلطة بيسر وسهولة. وفي الشأن الداخلي، تمضي السياسة السعودية في درب الإصلاح الذي انطلق في العام 2004 عندما كان عبدالله بن عبد العزيز ولياً للعهد، فالحوار الوطني لم ينقطع وإن خف هدأ زخمه، أولاً بسبب استهداف الإرهاب للمملكة، ثم الانشغال بالقضايا الدولية العاصفة التي تهدد أمن واستقرار المنطقة.
ولكن الآمال لا تزال منعقدة على عودة القوة إلى هذه اللقاءات بين النخب الثقافية والدينية في تعزيز حالة التواصل والانفتاح بين مكونات المجتمع السعودي دون تجاهل أهمية بلورة رؤية واقعية متوازنة بشأن المرأة التي يقر أي مراقب بتقدم وضعها خطوات كبيرة خلال ثلاث سنوات.
إنجازات عالمية
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، قام الملك عبدالله بجهود جبارة لنزع فتيل عديد من القضايا الشائكة: في فلسطين، حيث دعا القادة الفلسطينيين من حركتي «فتح» و«حماس» في العام 2007 إلى مؤتمر في مكة المكرمة لحل المشاكل بينهما وإنشاء حكومة وحدة وطنية فلسطينية أشاعت الآمال بإنهاء فراق الأخوة قبل أن ينزغ الشيطان بينهما بعد ذلك بشهرين.
ووصف العاهل السعودي ما يحدث بين الفلسطينيين من عمليات قتل واختطاف متبادل بأنه «وصمة عار لطخت تاريخ الكفاح الوطني المشرف لأبناء الشعب الفلسطيني، الذين استشهدوا في سبيل الله لتحرير وطنهم من براثن الاحتلال». ونادى بتحكيم العقل وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح، حتى لا تستنزف «المنجزات النضالية الفلسطينية».
وفي موازاة ذلك، واصل عبدالله بن عبد العزيز في دعم مبادرته التي أطلقها في العام 2002 عندما كان ولياً للعهد، وإن باتت المبادرة محل إعادة نظر في ضوء المواقف السلبية الإسرائيلية من عملية السلام. وفي العراق، إذ أنجز معاهدة صلح بين السنّة والشيعة العراقيين في قصر الصفا بجوار الحرم المكي الشريف برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي.
وفي سبتمبر 2007 جمع خادم الحرمين الفصائل الصومالية المتحاربة لتوقع اتفاقية مصالحة. وفي سياق حب المصالحة والوئام، جهد العاهل السعودي في نزع فتيل النزاع والصراع بين الأديان، ولتحقيق هذه الغاية السامية رعى عبدالله بن عبد العزيز منتصف يوليو الماضي أعمال المؤتمر العالمي للحوار في مدريد، ومن قبل في مكة المكرمة.
وفي مدريد شدد على أن «الإسلام هو دين الاعتدال والوسطية والتسامح، وتدعو إلى الحوار البناء بين أتباع الأديان، وتبشر الإنسانية بفتح صفحة جديدة» لتجاوز البلاء الذي تعاني منه البشرية والمتمثل في «ضياع القيم والتباس المفاهيم»، مشيراً إلى أن «الإنسان يمكن أن يكون سبباً في تدمير هذا الكوكب بكل ما فيه، وهو قادر أيضاً على جعله واحة سلام واطمئنان يتعايش فيه أتباع الأديان والمذاهب والفلسفات، ويتعاون الناس فيه مع بعضهم بعضاً باحترام، ويواجهون المشاكل بالحوار لا بالعنف».
وكل هذه الجهود والأدوار في عالم خلا من المبادرات وبات ساحة للحروب والتهديد بها ومرتعاً لجشع رأسمالي، دفعت بالمراقبين إلى الإقرار بما يملك خادم الحرمين من حكمة ومقدرة على تحقيق السلام والرخاء في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة رؤاه الثاقبة بشأن الحوار وما يقوم به من دور في محاربة الغلو والتطرف والإرهاب آفة العصر الحديث.
وما تملكه المملكة العربية السعودية من ثقل سياسي كبير في العالم العربي والإسلامي وما تملكه من مصداقية دولية يجعلها قادرة على الاضطلاع بكثير من الأدوار لنزع فتيل العديد من الملفات المضربة على الساحة الدولية، عبر ملء الفراغ من خلال سياسات ومبادرات تهدف إلى نشر الاستقرار والرخاء في المنطقة التي تعيش أوضاعاً سياسية صعبة
عيون
الإصلاح المطلوب والتفاؤل الطبيعي
مع دخول عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز العام الرابع من الحكم تبدو في الأفق استحقاقات داخلية عدة تبدأ باستئناف جولات الحوار الوطني وهو ما يعبر عنه نبض المجتمع السعودي عبر حوارات مع زملاء المهنة الذين نلتقيهم، فضلاً عن تطلع سعودي إلى تجربة أوسع لانتخابات المجالس البلدية التي أطلقت شرارتها مطلع العام 2005، لتتسع دائرة الطموح إلى التعيينات المرتقبة بعد شهور ليست ببعيدة في هيئة مجلس الشورى.
هناك العديد من التوقعات المتفائلة التي تتلمس قرارات تفتح أبواب المشاركة النسائية في مجلس الشورى المقبل مطلع العام 2009 كانت نشرتها «البيان» في تحقيق موسع مع مفكرين وسياسيين وسيدات أعمال وناشطات في هيئات المجتمع المدني، والكل يتطلع بإيجابية إلى التفاعل القوي الذي أظهرته المرأة مع التجارب الانتخابية التي أتيحت لها.
نعود إلى الحوار، فالحوار هو في كل المسائل الجدلية والخلافية مفتاح الحلول والتوصل إلى قواسم مشتركة.. لذا تبدو الحاجة إلى استئناف جلسات الحوار ضرورة ملحة، على الأقل لتقييم ما اتفق عليه في الجلسات الحوارية السابقة. الواقع أن الطموح السعودي كبير ولكن القفزات والتسرع قد لايكونان الحل، وهذه مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق القيادة المطلوب منها الاقتراب. فمن غير الممكن تجاهل حقيقة التفاعلات الجارية التواقة إلى التغيير، وهو تغيير محمود وبقوة دفع من القيادة، لأن الركود والركون يصيبان مفاصل المجتمع بالتكلس.
لا بد من الحوار النقدي بين القيادة والنخبة، وما بين النخبة والقاعدة الشعبية، فلكل اهتماماته ومشاغله، لهذا يبدو ملف الإصلاح في المملكة متشعباً ما يستوجب استناده على هيئة مسؤولة من الملك مباشرة أو من ولي عهده تنقل نبض المثقفين والاقتصاديين وأبناء الشعب إلى صانع القرار حتى يسير في موازاتها على الأقل.
جيد ما نراه في المملكة حالياً من نهضة على كل الصعد، تنموية وصناعية واقتصادية وتعليمية، ما يعني أن الإنسان السعودي بات يلقى تعليماً أفضل ويعيش في مستوى اجتماعي أفضل وبالتالي هذا الحراك في الشكل الاجتماعي يتطلب تحركاً موازياً في الممارسة الاجتماعية والسياسية.
إذا كانت هناك من خشية في خروج الممارسة عن حدود الكياسة أو أن يهيمن عليها من قبل فئة ما، فالحل في يد القيادة، عبر التثقيف، ونشر الثقافة الوطنية في المناهج. فلا مانع من تدريس معاني الانتخابات، والتعددية، وحقوق الإنسان.
نضال حمدان

