وأخيراً وبعد تكهنات عديدة، أعلن أمس عن وصول الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة رادوفان كرادجيتش إلى مدينة لاهاي الهولندية حيث سيمثل بعد ظهر اليوم أمام القاضي المختص بالنظر بالتهم الموجهة إليه والمتعلقة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد مسلمي البوسنة.

في وقتٍ رحب فيه الاتحاد الأوروبي والمدعي العام في محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة سيرج براميرتز بتعاون الحكومة الصربية مع هيئة المحكمة و قلل براميرتز في الوقت ذاته من إمكانية حصول تقدم في العلاقات الأوروبية الصربية دون اعتقال المتهمين الصربيين الآخرين، بينما هدأت الأوضاع في شوارع العاصمة بلغراد إثر مصادمات أول من أمس احتجاجاً عل عملية التسليم.

وفي التفاصيل، أعلنت محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في لاهاي أن الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة رادوفان كرادجيتش والمتهم بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب ضد مسلمي البوسنة سيمثل أمامها للمرة الأولى اليوم وذلك بعد أن وصل لاهاي أمس. ويمثل كرادجيتش بعد الظهر أمام القاضي الهولندي الفونس أوري.

ومن المتوقع أن يسأل كرادجيتش ما إذا كان يقر بالتهم المنسوبة له أم أنه سيدفع ببراءته. وفي حالة رفضه الرد على التهم الإحدى عشرة الموجهة إليه، سترفع الجلسة وتؤجل 30 يوماً ثم يسأل مجدداً في الجلسة الثانية عما إذا كان يقر بالتهم أو يدفع ببراءته وفي حالة رفضه الرد أيضاً ستعتبر المحكمة في هذه الحالة أنه دفع ببراءته. وكان كرادجيتش وصل صباح أمس إلى مطار روتردام في هولندا على متن طائرة حكومية صربية حيث ستجري محاكمته.

وتم التمويه على وصول كرادجيتش إلى مركز الاعتقال التابع للأمم المتحدة وذلك بعد وصول حافلتين صغيرتين سوداوين إلى المركز وبعدها بعشر دقائق وصلت مروحيتان هبطت إحداهما في الساحة الرئيسية داخل مجمع السجون بينما استمرت الأخرى في التحليق فوق الساحة. وبعد وقت قصير من هبوط المروحية أكدت المحكمة وصول كرادجيتش.

في هذه الأثناء، اعتبر المدعي العام في محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في لاهاي سيرج براميرتز أمس أن اعتقال الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة يشكل «نجاحاً كبيراً في تعاون السلطات الصربية مع هيئة المحكمة».

لكنه أضاف أنه لا يتوقع تقييماً جديداً لتعاون بلغراد في وقت يطالب فيه الاتحاد الأوروبي صربيا ب«تعاون تام» مع المحكمة كشرط لتقاربها مع الاتحاد. وذكر براميرتز في مؤتمر صحافي له أنه «لن يكون من الممكن إتمام تفويض المحكمة» بدون اعتقال الجنرال راتكو ملاديتش والرئيس السابق لجمهورية «كرايينا» الصربية المعلنة من طرف واحد غوران هادجيتش، في وقت يفترض أن تنهي المحكمة أعمالها عام 2010.

إلى ذلك، رحب الاتحاد الأوروبي أمس في بيان أصدرته وزارة الخارجية الفرنسية بوصفها رئيسة الاتحاد بتسليم كرادجيتش إلى المحكمة في لاهاي. ووصف البيان قيام السلطات الصربية بالقبض على كرادجيتش ونقله وتسليمه للمحكمة بأنه «خطوة مهمة في عملية المصالحة في البلقان وفي التقارب بين الاتحاد الأوروبي وصربيا». وطالب صربيا «بمواصلة السير على هذا الطريق وتحديد مكان المتهمين الأخيرين وتسليمهما للمحكمة».

يأتي هذا بينما هدأت الأوضاع في شوارع العاصمة بلغراد أمس بعد مصادمات وقعت أول من أمس بين الشرطة وقوميين متشددين احتجوا على قرار التسليم استخدمت فيها الشرطة الطلقات المطاطية والغازات المسيلة للدموع. وكان نحو 150 شخصاً اشتبكوا مع الشرطة خلال مسيرة «كل الصرب» التي نظمها القوميون المتشددون ما أدى إلى جرح 27 شرطياً و21 مدنياً بينهم صحفيان.

وقام المتظاهرون بإلقاء الحجارة على رجال الشرطة وتكسير أعمدة الإنارة في ميدان ريبابليكا بوسط العاصمة بلغراد حيث احتشد عشرة آلاف شخص لإظهار دعمهم لكرادجيتش والاحتجاج على «النظام الاستبدادي» للرئيس بوريس تاديتش. في غضون ذلك، شدد المحامي الهولندي جيرت يان كنوب والذي يتولى الدفاع عن عدد من المتهمين الذين تجري محاكمتهم أمام محكمة جرائم الحرب أمس على ضرورة أن يقوم كرادجيتش بتوكيل محام عنه ولا يعتمد على دفاعه عن نفسه.

وذكر كنوب في حديث للتلفزيون الهولندي «حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه فإن على كرادجيتش أن يضع أدلته الدفاعية في صيغ قانونية. ولكونه طبيباً نفسيا فلن يتمكن من القيام بذلك». وأوضح أن دفاع كرادجيتش عن نفسه سيكون مرهقاً له من الناحيتين الذهنية والبدنية «حتى بالنسبة لي على الرغم من وجود خمسة أو ستة محامين لمساعدتي فإن هذه المحاكمات تكون صعبة للغاية في العادة».

وأضاف كنوب أنه لا يتوقع أن تبدأ المحاكمة «قبل عدة أشهر من الإعداد»، مشيراً إلى أنه «سيكون من الصعب على ممثلي الادعاء أن يحصلوا على الإدانة في جميع التهم» التي وصفها «بصعبة الإثبات».