أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من القاهرة أمس، أنه تم الاتفاق على إطلاق الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني برعاية مصرية على الفور، فما ظل التوتر يشكل العنوان الأبرز على الأرض في قطاع غزة بعد يومين من التفجيرات التي استهدفت قادة حركة «حماس»، التي كررت رفضها نشر قوات عربية في القطاع.

وهو الأمر الذي أكدت مصادر في السلطة الفلسطينية أنه جزء من مبادرة الحوار الوطني، كما لم تتراجع «حماس» عن اتهاماتها ل«فتح» بالوقوف وراء التفجيرات، رغم تبني جماعة «أنصار السنة» احد هذه التفجيرات، ومداهمة شرطة «حماس» لمقار تتبع تنظيم جيش الإسلام على خلفية التفجيرات. وقال أبو مازن في تصريحات للصحافيين عقب استقبال الرئيس المصري حسني مبارك له أمس بالقاهرة ان أبرز نتائج القمة التي عقدت بينه وبين الرئيس مبارك، الاتفاق على أن تبدأ مصر خلال أيام دعوة جميع الفصائل الفلسطينية من أجل الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني.

وردا على سؤال حول وجود تصور بأنه ربما كان من الأفضل انهاء مسألة الجندي الإسرائيلي شاليت قبل انطلاق جولة الحوار الفلسطيني الفلسطيني قال أبو مازن إنه لا يوجد مانع من أن تسير الأمور مع بعضها البعض، وبدون أن تطغى مسألة على أخرى. وأضاف أبو مازن ان مبادئ الحوار مبنية على أساس المبادرة العربية، موضحا أن مصر بمقتضى هذه المبادرة العربية هي التي تبدأ بالدعوة للحوار بين الأطراف الفلسطينية.

وعما إذا كانت هناك شروط مسبقة للحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، قال أبو مازن انه لا توجد شروط مسبقة لأحد في هذا الخصوص. وحول حقيقة ما يتردد عن وجود «فيتو» أميركي على الحوار الفلسطيني الفلسطيني بوجود «حماس»، قال الرئيس الفلسطيني «إننا لم نسمع بأن هناك فيتو أميركيا على الحوار، وإن حصل شيء كهذا فلن نقبله ولن نقبل تدخلا من أي أحد بشأن حوار داخلي فلسطيني لأن الحوار يحقق مصلحة وطنية فلسطينية».

ووصف أبو مازن ما حدث في غزة خلال اليومين الماضيين وما شهدته من انفجارات بأنه مؤسف للغاية ومؤلم لنا ولشعبنا وشيء لا يرضينا ولا نقبله مطلقا، غير أنه قال انه في نفس الوقت لا نقبل الاتهامات والاتهامات المضادة والإيحاءات المباشرة التي أطلقت من جانب جماعة «حماس» لاتهام «فتح» أو أجزاء منها بالمسؤولية عما حدث.

كما دعا لتشكيل لجنة مستقلة من أطراف فلسطينية للتحقيق في أحداث غزة، خاصة وأن لدينا جماعات حقوق إنسان بحيث تبادر هذه اللجنة لتحقق وتخرج بالنتيجة الموضوعية وتحدد المسؤولين وتدين من تشاء، مؤكدا أننا مع أي قرار تخرج به لجنة التحقيق لأننا لا نقبل مثل هذه الأعمال البشعة التي حدثت في غزة.

وتأتي تصريحات عباس من القاهرة فيما ظل التوتر مسيطراً على غزة، إذ أكد وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في تصريحات لإذاعة «صوت فلسطين» وجود حراك عربي لإقناع حركة «حماس» بنشر قوات عربية في قطاع غزة لمساعدة الفلسطينيين، وأن هذا الخيار هو جزء من مبادرة الحوار الوطني التي دعا إليها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأعرب عن اعتقاده بأن «حركة حماس في هذه اللحظة غير جادة على الإطلاق للدخول في الحوار الوطني من أجل تفعيل المبادرة العربية اليمنية وإعادة الشرعية إلى قطاع غزة».

واعتبر المالكي أن «ما يحدث الآن في قطاع غزة هو العودة إلى حالة الفلتان الأمني بشكل كبير انطلاقا من فلتان أمني داخلي بين أفراد حماس أنفسهم وهذا يعكس الخلافات الحادة ما بين عناصر وقيادات تلك الحركة». غير أن حركة «حماس» جددت أمس رفضها المطلق لاقتراح نشر قوات أمن عربية في قطاع غزة مثلما طالبت السلطة الفلسطينية للتمهيد للحوار الوطني الفلسطيني وإنهاء الانقسام الداخلي مشككة بنوايا مثل هذه الاقتراحات.

وأكد الناطق باسم الحركة سامي أبو زهري في تصريحات لموقع «الشبكة الإعلامية الفلسطينية» الإلكتروني رفض الأمر جملةً وتفصيلاً، معتبراً أنه «من العيب طرح هذه الفكرة من أي طرف كان»، وأنها تعكس «سوء النوايا لدى فريق الرئاسة في رام الله وطبيعة الأهداف التي يريدون تحصيلها من خلف إثارة قضية الحوار الوطني».

من جهته وصف القيادي في حركة «حماس» فتحي حماد خلال مسيرة حاشدة نظمتها الحركة الليلة قبل الماضية ما يجري في قطاع غزة بأنه «صراع بين فريق الرحمن وفريق الشيطان، هذا الفريق الأخير المتمثل في حركة فتح وتيارها الخياني والذي ارتكب مجزرة بشعة ضد المجاهدين والأطفال على شاطئ بحر غزة». واتهم «فتح» بالتنسيق مع «العدو الصهيوني وبتلقي أموال صهيونية وأميركية».

وهدد كوادر «فتح» بالقول: «من يريد منكم الله ورسوله فهو آمن ومن أراد أولمرت وبوش وقتل المجاهدين والنساء والأطفال فكتائب القسام ستقطع دابر المجرمين والقتلة منكم بإذن الله تعالى». ويأتي هذا التصعيد فيما تبنى بيان لجماعة «أنصار السنة» هو اسم تنظيم «القاعدة في قطاع غزة»، التفجير الذي استهدف مقهى ليلياً والمسمى بالجزيرة في غزة يوم الجمعة الماضي والذي أسفر عن مقتل منفذه.

وقالت الجماعة إنها تحتسب عند الله ابنها الشهيد جهاد محمود حجيلة الذي قام بالعملية «انطلاقا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» باعتبار ان «المقهى للمفسدين ولأتباع الشيطان والمفرطين في دين الله» حسب ما جاء في البيان. وتوعد البيان بأن جماعة أنصار السنة «لن تتهاون مع أي شخص يشيع الفاحشة بين المسلمين». يذكر أن رئيس كتلة «فتح» في المجلس التشريعي الفلسطيني نافذ عزام كان قد أشار أول من أمس، إلى أن «فتح» تعرف هوية منفذ عملية المقهى وتعرف انتماءه السياسي.

وبرز أمس إدانة كتائب «شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح» تفجيرات غزة، واستنكرت الكتائب في بيان حصلت «البيان» على نسخة منه بشدة ما قالت عنه «ردة الفعل التي وصفتها بالعشوائية، من قبل حركة «حماس» من اتهام لحركة «فتح» وشن حملات اعتقال واسعة واقتحام للجمعيات والمؤسسات المختلفة».

من جهة أخرى، ذكرت مصادر مقربة من حركة «حماس» أمس ان قوات الأمن المصرية المتواجدة على الحدود الفاصلة بين مصر وقطاع غزة ألقت القبض على ثلاثة شبان حاولوا اجتياز الحدود في ساعة متأخرة من مساء أمس أثناء محاولتهم عبور السلك الحدودي القريب لحد ما من بوابة معبر رفح، مضيفة أن الشبان الثلاثة من سكان حي الصبرة شرق مدينة غزة واعترفوا للأمن المصري بضلوعهم في عملية التفجير التي أودت بحياة خمسة من قادة ونشطاء كتائب القسام وطفلة، وأنهم فروا خشية قيام «حماس» بإعدامهم، ولم يتسن الحصول على تعقيب من مصدر مستقل حول هذه الأنباء.

وتأتي هذه التطورات فيما أعلنت مصادر طبية فلسطينية أمس أن ستة فلسطينيين جرحوا في اشتباكات بين مسلحين من «جيش الإسلام» وعناصر من الشرطة التابعة لحركة «حماس» في غزة. وأفادت مصادر في «جيش الإسلام» أن اشتباكات مسلحة وقعت مع عناصر من «حماس» فجر أمس بعد أن هجموا على منازل أعضاء «جيش الإسلام»، وحاولوا اعتقال بعض العناصر، ولكنهم لم يتمكنوا من اعتقال احد وهناك إصابات في الجانبين.

وأعلنت مصادر في «فتح» أن عدد الاعتقالات في صفوف أبناء الحركة يزيد على أكثر من 300 عنصر وكادر وقيادي. وقالت اللجنة القيادية العليا للحركة في بيان لها انها «تريد ان تعلن للرأي العام أن من حقها أن تعرف مصير أبناء الحركة قيادات وأعضاء، وان الكثير منهم يتناولون الدواء بانتظام».

من جهتها، اتهمت «حماس» الأجهزة الأمنية الفلسطينية باعتقال 36 شخصاً من أنصار الحركة في محافظات الضفة الغربية. وقالت مصادر فلسطينية انه عرف من بين المعتقلين مفتي محافظة طولكرم الشيخ عمار بدوي، ونائب رئيس جامعة النجاح الوطنية الدكتور رياض الراس الذي أفرج عنه بعد ساعات من اعتقاله.

وأكد قائد منطقة طولكرم العقيد مصباح البابا أن الاعتقالات «ليست سياسية أو على خلفية ما جرى في قطاع غزة، وجميع من اعتقل هو مطلوب لقوات الأمن الفلسطينية». وذكرت مصادر أمنية فلسطينية أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية وضعت في حالة استنفار وجاهزية، وان عدة دوريات مشتركة يتم تسييرها في المدينة.

تشاؤم تفاوضي

حول توقعات الجانب الفلسطيني من الاجتماع الثلاثي المقرر عقده في واشنطن يوم الأربعاء المقبل بين فريقي التفاوض الفلسطيني والإسرائيلي بحضور أميركي، قال الرئيس الفلسطيني أبو مازن إنه ليس من الضروري أن تفضي إلى نتيجة مباشرة، لكن هذا لا يعني ألا نذهب للمفاوضات، مضيفاً أنه علينا الاستمرار في المفاوضات «ما دام هناك أمل فيما يمكن أن نحصل عليه، ونحن نعرف أن هناك عقبات على طريق المفاوضات».

وأكد أنه في نهاية الأمر «سنقول للعالم لقد واصلنا المفاوضات وهذه هي النتيجة التي وصلنا إليها، وعلى شعبنا أن يحكم على هذه النتيجة». وكان رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات أوضح أمس أن «لقاء ثنائيا سيعقد بين الفلسطينيين والإدارة الأميركية تشارك فيه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ومن ثم سيعقد لقاء ثلاثي يضم الجانبين الإسرائيلي والأميركي إضافة إلى الفلسطيني لبحث مسار مفاوضات السلام».

وألمح إلى أن القيادة الفلسطينية قد تتخذ بعد جولة المفاوضات هذه مواقف نهائية بشأن قضايا عدة مع إسرائيل، مشيرا إلى أن هذه القيادة تدرس كل الخيارات. واعتبر أن من السابق لأوانه طرح الخيارات المختلفة التي قد تلجأ لها القيادة الفلسطينية، واصفا «المسائل القائمة بأنها صعبة ومعقدة».