لم تكن الفترة منذ 11سبتمبر 2001 كافية لكي يهرع الأميركيون جماعات لتعلم اللغة العربية، كما انها لم تكن مقنعة كفاية لكي يسارع العرب إلى دورات متخصصة في التحاور السياسي باللغة الإنجليزية مع أبناء القوة العظمى. وبينما الطرفان لا ينيان عن التشديد على أهمية الحوار بين الحضارتين، كان لا بد من جسر لغوي يؤسس ولو لبعض من نجاح.
على هذا لا مناص من إلقاء نظرة عن قرب على عمل فئة منسية: هم جنود الترجمة المجهولون.
مع إطلاق إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش حقبة الحربين في العراق وأفغانستان، وبروز الحاجة الأميركية إلى كسب حرب العقول بعد المدن والتلال، بات المترجمون عملة نادرة لما تحتمله مهمتهم من مخاطر جمة: العشرات قتلوا في البلدين المحتلين تحت مسمى «عملاء»، أو «وكلاء» الاحتلال. علاوة على ذلك فإن دول الجيوش الأجنبية لا تكترث كثيرا لمصير المترجمين بعد عصرهم. وإلا كيف تفسر ممانعة الأميركيين والبريطانيين منح العشرات من المترجمين العراقيين جنسيتي البلدين، لتعذر عودتهم إلى وطنهم الأم بعدما وصموا ب«مساعدة الغزاة».
حساسية مهمة المترجمين لا تقتصر على ما سبق، ولا على مجرد نقل الكلام بين ثقافتين، بل هي توسعت بالنظر إلى الحاجة إلى فهم الآخر إلى ما يمكن تسميته «ترجمة الذهنيات»، أو «ترجمة الأفكار»، لأنه بغير ذلك لا جسر للهوة بين الحضارات وأنماط التفكير المتضادة.. بل إدارة «حوار طرشان».
على مدار أكثر من أسبوعين، وفي ثلاث ولايات أميركية، رافقنا ثلاثة مترجمين، رغم أن العديد منا يتقن اللغة الإنجليزية، لكن ما العمل إن كان الأميركيون فعلوا باللغة الانجليزية ما فعلنا نحن بحضارتنا تدميرا وتشويها، حتى بات الأميركي يحتاج مترجما لأخيه الأميركي!
كنا نراقب مترجمينا الثلاثة وهم يجهدون كأدلاء سياحيين، يعرقون لإيصال الفكرة، وتلافي أي حرج، يضيقون أحيانا بنا وبما يؤدونه كوظيفة، ثم يعودون سريعا قناة اتصال آدمية بين فريقين لا يجمعهما سوى مشاعر الارتياب.
من دونهم لا فرصة لدى الأميركيين لإنجاح «المشروع الإقليمي للزائر الدولي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا»، ولا فرصة أيضاً لفرق الشرق الأوسط الزائرة للولايات المتحدة، هذه الفرق التي لا تني عن استغلال كل فرصة لإيصال انتقاداتها للسياسة الأميركية، رغم «شيكاتها السياحية».
عبد الحليم رجال (من أصل صومالي)
مع اشتداد الحرب الأهلية في الصومال في العام 1998، حالف عبد الحليم الحظ لاجئا إلى الولايات المتحدة، حصل على ال«غرين كارد» بعد خمس سنوات، ومن ثم الجنسية الأميركية بعدها بسنتين، تزوج وأسس عائلة ملتزمة بتقاليد الوطن الأم.
تولى الفتى الأسمر، الجانب الإداري لبرنامج وفدنا الزائر، من تنسيق مواعيد اللقاءات، علاوة على ملء أوقات فراغنا في التسكع والتسوق واكتشاف الأمكنة، كنا نحسده على صبره الطويل جدا، وهو ما يعزوه إلى قانون العادة: « كل عام أتولى المهمة الإدارية لنحو عشر زيارات لوفود مماثلة لوفدكم، وعلى مدار أربع سنوات شاركت في أكثر من 40 مشروعا كلها لوفود من الشرق الأوسط. باتت لدي خبرة في النفوس وأنماط التفكير وتوفر لدي قدر ضروري لهذه المهمة.. من الجلد».
عبدالحليم كغيره من زملاء المهام هذه لديه ذات الانطباعات والتقويمات لنتائج مثل هذه الزيارات، «البعض يأتي إلى الولايات المتحدة وفي ذهنه صورة مسبقة وجامدة عن أميركا ولا سبيل إلى تغييرها أو تليينها، وهؤلاء حقيقة قلة، والبعض أيضاً يأتي مبهورا سلفاً وهؤلاء أيضاً قلة، والغالبية من أعضاء الوفود تخرج بعد أيام البرنامج وفعالياته بنتيجة في غاية الأهمية: التفريق بين الشعب الأميركي الطيب والبسيط وبين الإدارة الأميركية وسياساتها الخارجية».
وائل عبد الستار (من أصل مصري)
مضى على وجوده في الولايات المتحدة 17 عاما، درس في مدارسها وعايش مختلف فئاتها، ولذا هو خبير في اللهجات. حصل على بكالوريوس زراعة من جامعة الإسكندرية، ومن ثم على درجة الماجستير في الترجمة.
منذ العام 2004 التحق بعمله في هذا البرنامج، وترجم لعشرات الوفود. لا يتعبه ثقل حمل حقيبة أجهزة الترجمة الفورية اللاسلكية، ولا ساعات الترجمة التي يعتبرها «قطعة من الكعك»، وفق التعبير الأميركي الدارج، بل أكثر ما يتعبه أو يزعجه مشاوير التسوق الماراثونية لأعضاء الوفود وأذواقهم المتأنية زيادة عن اللزوم.
وائل يقول ان مهمته لا تقتصر على أعمال الترجمة، بل المساعدة في حل أي مشاكل تعترض أعضاء الوفود مهما كان نوعها، وتقديم الاستشارات لهم حتى في أمور التسوق، فضلا عن محاورتهم سياسيا و«الاستفادة والإفادة» في هذا المجال.
عن طبيعة عمله يشير إلى انه لا يتدخل في الآراء والافكار التي يطرحها المتحاورون وينقلها حرفيا بعدما يفهم من الجانبين المرامي، « لكن بفعل اختلال الثقافات اضطر غالبا إلى التدخل في الحوار لإيضاح عرف أو عادة ما لدى أي من الفريقين أو التذكير مثلا بنوعية آداب الحوار المتبعة في الولايات المتحدة».
يشارك وائل عبد الحليم في تقويمه لنتائج زيارات البرنامج هذه، ورد على سؤال ان كان يعتقد بنجاحها في « تلميع» صورة أميركا أمام ناظري الزائرين، «نعم إلى حد ما فعلى الأقل تغادر غالبية أعضاء الوفود وفي أذهانها صورة جديدة تماما عن المجتمع الأميركي ومدى عزلة هذا المجتمع عما يجري خارج حدوده وقصر اهتماماته على شؤون حياته اليومية. وفي النتيجة ان لا ذنب للفرد الأميركي في ما يعتبره بعض العرب والمسلمين سياسة أميركية خارجية جائرة وعدوانية».
معتز الشهاوي ( من أصل مصري)
يحمل شهادة بكالوريوس في المحاسبة من جامعة عين شمس في القاهرة. وصل إلى الولايات المتحدة في العام 2001، وحصل على الجنسية الأميركية بعد وصوله بخمسة اعوام، انخرط خلالها في دورة ترجمة في جامعة جورج واشنطن.
بعينيه الملونتين يصعب تمييز معتز عن الأميركي الابيض، وهو ما ينضاف إلى اتقانه اللكنة المتمرسة في ابتلاع ما تيسر من اواخر الكلمات الانجليزية، لكنه مع المشاركة في عشرات البرامج من هذا النوع تسنى له القدرة على فهم الذهنيات المختلفة التي يراها غالبا ما تتكرر لدى الوفود الزائرة.
يرى ان الأميركيين بدأوا الإقبال على الاهتمام بتعلم اللغة العربية بعد هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن العاصمة، وهي بداية لا بأس بها « رغم انها نجمت عن حدث مأساوي»، بعدما كانوا يجهلون ان كان هناك لغة عربية، لكن ذلك بالطبع لم يصل إلى حد المقدرة على التخاطب وفهم الخلفيات، و«هو ما يوفر لامثالنا عملا».
وفي اطار العمل هذا يشدد معتز على «اننا لا نتدخل ولا نغير حرفا في تصريحات السياسيين لأعضاء الوفد الزائر حتى مع علمنا ان هؤلاء قد يعتبرون تصريحاته فظة». اما بالنسبة لأعضاء الوفد انفسهم «فاننا نتدخل فقط اثناء الحوار عبر اقتراح الالتزام بموضوع الندوة أو اللقاء ونفعل ذلك طبعا بدبلوماسية عالية لإدراكنا مدى الحساسية الشرقية».
ومع موافقته التامة على تقويم زميليه عبدالحليم ووائل لمدى نجاح البرنامج أميركيا، لجهة ايجاد الحد الفاصل بين السياسات الأميركية الخارجية والشعب الأميركي، فانه يرد بثقة على سؤال ان كان يعتقد بفعالية هذا البرنامج: « بالطبع لهذا البرنامج جدوى أميركية كبيرة والا لما استمر لاكثر من 60 عاما».
وائل ومعتز، يشيران في ختام اللقاء معهما إلى انهما دائما ما يتلقيان اتصالات هاتفية من العراق، تعرض عليهما نحو 200 ألف دولار سنويا لقاء أعمال الترجمة هناك، وهو ما يرفضانه من دون أدنى تفكير، بعد معاينتهما لمصير من سبقوهما إلى هذه البؤرة الملتهبة، من قتل واتهامات بالخيانة والى ما غيرها من قوالب التصنيف السلبي الوافرة في الشرق.
هؤلاء هم المنخرطون تماما في برامج تحسين الصورة الأميركية، وهؤلاء هم الأقدر على تقويم النتائج وامتلاك الصورة الكاملة، وهم يجمعون مع ما لحظناه من ان الشرق اوسطي يغادر الولايات المتحدة بحقائب أكثر وتشدد أقل، وهنا يكمن المغزى: التفريق بين الحكومة الأميركية والشعب، وهو الثقب الاول في جدار التطرف الفكري الذي لا يستثني احدا من «غزواته».
واشنطن ـ خالد أبوكريم
