تتحدث المؤلفة في هذه الحلقة عن التأثير الذي أضافه المهاجرون من الهنود إلى الولايات المتحدة على مناحي الحياة في البلاد، حيث يلاحظ انتشار المطاعم الهندية المشهورة بالأطباق الهندية التقليدية المنهكة بالكاري وكذلك بعض الرياضات الروحية كرياضة اليوغا التي تمارسها أعداد متزايدة من الأميركيين لإيجاد نوع من التوازن بين الروح والجسد.
وتؤكد مؤلفة الكتاب على أن التأثير الهندي لا يقتصر على المطاعم واليوغا وإنما يتعداه إلى السينما والفن وعلى الصناعات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والقطاعات الأخرى.وترى المؤلفة أن هذا التأثير الهندي في الحياة الأميركية يقابله تأثير أميركي في الحياة الهندية يأخذ شكل انتشار مفاهيم الليبرالية والرأسمالية على الطريقة الأميركية والتي تجد رواجاً من قبل الحكومات الهندية ونخب رجال الأعمال، ولكنها تقابل بالرفض من قبل شرائح واسعة في المجتمع الهندي تبدي قلقها حيال التدفق الحر للسلع ودخول أنماط الحياة الغربية على حساب المنتجات المحلية والثقافة الوطنية. وتركز أيضاً على الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في إحداث تحول في المجتمع الهندي يغذي ثقافة الاستهلاك وتخص بالذكر التلفزيون الذي يعد الأكثر انتشاراً في الهند.
أضاف المهاجرون من الهنود، مثل غيرهم من موجات الهجرة، شيئا جديدا للمجتمع الأميركي. لقد فعلوا ذلك ببطء كبير وإنما بشكل ثابت وأكيد، فحيثما يدير الأميركيون وجوههم اليوم يرون ما يدلّ على الهند. فاليوغا رياضة الفراغ التي تنتشر بسرعة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية. والمطاعم الهندية تنتشر في كل المدن والأحياء، وقد نجح بعضها بأن يكون في عداد أكثر المطاعم الأميركية شهرة، حسب تصنيفات الخبراء. وتتم الإشارة إلى أن الأميركيين من أصل هندي والهنود المقيمين في أمريكا أضافوا «لمسة هندية» لعالم الفن والأدب، وليس لعالم السينما فقط حيث تذكر المؤلفة عناوين العديد من الأفلام التي ليس أقلّها شهرة فيلم «اسم من أجل آخر»، لمخرجته ميرا نايير، الذي يقدّم توصيفا لمدينتين «كالكوتا ونيويورك» ولثقافتين، الهندية والأميركية.
وفي محصلة الأهمية الفنية والأدبية التي اكتسبها الهنود المقيمون في أميركا، تؤكد التحليلات المقدّمة أن الهند هي بصدد أن تصبح، ليس مجرّد سوق ضخم يتطور بسرعة فائقة، وإنما أيضا كمصدر لـ «الصناعات» في ميادين الإعلام ورياضات التسلية والفراغ الموجهة لجمهور عالمي. وتتم الإشارة هنا إلى أن الهند قد تصبح «قوة عظمى» في مثل هذه الصناعات بوقت أقرب بكثير مما تقول توقعات كثيرة. تلعب التلفزة دورا استثنائيا في التحولات التي تشهدها الهند. وكانت النشاطات التلفزيونية قد شهدت نموا مدهشا خلال السنوات العشرين الأخيرة في الهند. لم يكن هناك حتى عام 1991 سوى قناة تلفزيونية واحدة تابعة للدولة، قناة «دورداشان». وكانت الحكومة قد أطلقت التلفزة في الهند العام 1959 بدعم من منظمة اليونسكو. كان الهدف الأوّلي هو المساهمة في تكوين وتعزيز أمّة مفرطة التنوع.
حافظت التلفزة في الهند على تلك المهمة (القومية) حتى حوالي بدايات عقد الثمانينات عندما ظهر (التلفزيون الملوّن) في الهند وشجّعت الحكومة شراء أجهزة تلفزيون عندما خفّضت من الرسوم الجمركية على استيرادها. لكن لم تكن هناك سوى نسبة 28 بالمائة من الهنود يمتلكون التلفزة عام 1983 وتضاعفت هذه النسبة إلى 56 بالمئة عام 1986 ثم إلى 90 بالمئة عام 1990.
وقد أُعيد تعميد اسم المجموعة التلفزيونية الهندية الرسمية باسم «دورداشان» حيث إنها تستأثر بمشاهدة 90 بالمئة من الهنود لها حيث تبث برامج متنوعة باللغة الانجليزية وب11 لغة محلية (حسب الأقاليم) على 20 شبكة مختلفة.
وصلت قناتا «سي.ان.ان» و«ام.تي.في» إلى الهند عام 1991 عبر الأقمار الصناعية. وبعد 16 سنة من ذلك التاريخ يستطيع الهنود الاختيار بين 350 قناة وحيث تبث مجموعات وسائل الإعلام العالمية مثل «ديزني» و«تايمز وارنر» و«فياكوم» و«بي.بي.سي» برامجها على عموم التراب الهندي تقريبا.
هكذا أدّى الانفتاح الذي قامت به الهند على العالم اعتبارا من عام 1991 إلى تسريع «الانفجار الإعلامي». وفي الوقت الذي تلقّى فيه الأميركيون موجات وسائل الإعلام هذه تدريجيا فإن الهنود عاشوا هذه «الطفرة» دفعة واحدة.
تعيش الهند الانتشار السريع للتلفزيون من خلال تزايد عدد الأسر المالكة للأجهزة ولكن أيضا من خلال تعاظم عدد القنوات والبرامج المتوفرة.
لقد لعبت شركات هندية خاصة دورا مركزيا في زيادة عدد القنوات التلفزيونية وتنوعت مباشرة البرامج التي أعدّها هنود مع وصول أعداد كبيرة من البرامج الأجنبية، في الوقت نفسه. كانت النتيجة المباشرة هي أن شرائح كاملة من السكان كانت قد تعوّدت العيش معزولة عن بقية المجتمع وعن العالم وجدت نفسها «مباشرة» تعيش ما يجري من أحداث في كل أصقاع الأرض. هكذا نجدهم يستخدمون اليوم التلفزيون والهاتف المحمول، كما بدؤوا «يتنقلون عبر شبكات الانترنت».
وتؤكد المؤلفة أنه من الصعب تصوّر مدى السرعة التي تتبدل الهند على إيقاعها، وكذلك من الصعب قياس «الدور الحاسم» الذي لعبته وسائل الإعلام في التحوّل الجاري.
لكن تبدّلا بهذه السرعة لا بد وأن «يهز» مفاهيم الهوية الوطنية، وأيضا، الهوية الشخصية. لكن وسائل الإعلام المعنية لا تشكل المجالات التي يتم في إطارها طرح مسائل الهوية فحسب، وإنما هي أيضا «الحامل» الذي يتم عبره وبواسطته تقديم صورة «الهند الجديدة»، الهند التي تدخل عصر الحداثة وتتطور كما يشاهدها الهنود وبقية العالم على شاشات التلفزة. ولا تتردد المؤلفة في القول إن أحد أخطر التحديات التي ينبغي على الهند مواجهتها يتمثل في «دمج البلاد الفقيرة» في إطار ثورة الاتصالات ووسائل الإعلام.
ترافق «الانفجار» التلفزيوني مع تسارع النمو الاقتصادي، وكان أيضا مؤشرا عليه وحيث إن الكثير من «الماركات» العالمية دخلت السوق الهندية كما عرفت الهند نفسها ازدهار طبقة جديدة من المستهلكين. وجعل التلفزيون العالم الخارجي عن الهند (مرئيا) من قبل أعداد متزايدة من المواطنين الهنود في القرى والأرياف.
لقد فتح «عوالم جديدة» زاخرة بإمكانيات جذب المشاهدين الهنود وحتى بات من الصحيح القول إنه زاد من «الشرخ» بين أولئك الذين يشكلون جزء من «الهند الجديدة» وأولئك الذين لا يزالون «خارجها».
بالمقابل كان التلفزيون في الهند وسيلة لـ «دمقرطة التطلعات». وساهمت بعض البرامج التلفزيونية في دفع أناس عاديين إلى سلم «المجد» عبر «فوزهم» في رهان برنامج على غرار «من سيربح المليون»؟ إن المجتمع الهندي مُجزأ إلى حد كبير وفيه العديد من اللغات والمناطق والأديان والطبقات والفئات.
لقد تم تبني اللبررة والرأسمالية على الطريقة الأمريكية من قبل الحكومات الهندية ونخب رجال الأعمال ولكنهما وجدتا بعض الرفض لدى شرائح كبيرة، وهذا ما تتم تسميته بـ «الصدمة المقابلة ضد الانفتاح السريع للبلاد». وترافق ذلك مع «القلق» حيال التدفق الكبير للسلع ولكن أيضا لأنماط العيش الأجنبية.
ثم إن أثر الدعايات التلفزيونية وكثافتها والبرامج الأجنبية، جعل التلفزيون يتحمل مسؤولية كبيرة في المنعطف الذي اتخذته الهند نحو رأسمالية الاستهلاك التي لا يوافق عليها الهنود كلهم والتي تركت شرائح مهمة من المجتمع الهندي «على قارعة» الطريق. وفي الوقت نفسه تزامن ازدهار التلفزيون في الهند مع «تبعثر» الحياة السياسية في البلاد مع الصعود القوي للزعماء والأحزاب القائمة على أساس مصالح فئوية وإقليمية.
وكانت النتيجة المباشرة لذلك هي تزايد «العنف السياسي» في الهند خلال تاريخها القريب، وصدامات بين المجموعات الدينية، خاصة بين الهندوس والمسلمين كما بين مختلف القبائل، بالإضافة إلى نشاطات بعض «الحركات التمرّدية» ذات الإيديولوجية اليسارية المتطرفة.
كانت قناة «ام.تي.في» التابعة لمجموعة «فياكوم» هي من بين القنوات الأولى التي دخلت الهند. وتمتلك مجموعة (ديزني) ثلاث قنوات في هذه البلاد، من بينها قناتان تبثّان باللغة الهندية ومحطة مكرّسة للأطفال.
وتتم الإشارة إلى أن المعلنين أنفقوا حوالي 26 مليون دولار في عام 2005 لتشجيع استهلاك المنتجات المكرّسة للأطفال، وهذا المبلغ يتناظر مع نسبة 16 في المئة زيادة في الإعلانات الدعائية المعنية بالقياس إلى العام السابق 2004.
وفي العام 1991، عندما بدأت الحكومة الهندية بفتح سوق التلفزيون للقطاع الخاص، كانت المجموعات الأجنبية هي وحدها التي أرادت الاستفادة من تلك الفرصة. أما المجموعات الهندية التي أخذت مكانها في السوق فإن معظمها يرتبط، بطريقة أو بأخرى، مع إحدى المجموعات الدولية متعددة الجنسيات.
لكن هذه الشركات الهندية وجّهت طموحاتها نحو الخارج واستهدفت الوصول إلى المشاهدين الهنود من (الشتات) وخاصة في الولايات المتحدة وفي كندا حيث حصلت إحدى الشركات الهندية عام 2005 على حق البث على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع.
ويشار إلى أن القنوات الهندية الموجهة لـ «الشتات الهندي» في العالم تبث باللغات الانجليزية والهندية والبنغالية والتاميلية وغيرها.
مع ذلك، ورغم النجاحات الكبرى التي حققتها الشركات الهندية في قطاع وسائل الإعلام فإنه لا يزال أمامها طريق طويل عليها أن تقطعه كي تستطيع المنافسة، من حيث الحجم أو من حيث الإمكانيات المادية، مع المجموعات متعددة الجنسيات المتواجدة أصلا في الولايات المتحدة أو أوروبا أو استراليا أو اليابان.
وليس هناك أية شركة هندية مهما كانت ضخمة قادرة على المنافسة مع «سوني» أو «فياكوم» أو «ديزني» أو «تايمز وارنر».
لكن، وبما أن الهند لا تزال تتابع تطورها، فإن شركاتها ستكون قادرة أكثر فأكثر على المنافسة الدولية، وفيما يتعدّى الشتات الهندي في العالم.
كان الهنود - الأميركيون بعيدين حتى فترة قريبة عن عالم التلفزيون، بل لم يكونوا عامة يظهرون فيه على الإطلاق. لقد غيّرت مجموعة «ام.تي.في» هذه الصورة تماما ونصرت دورّاني يشغل منصب المدير العام لمجموعة «ام.تي.في» العالمية التي تضم عدة قنوات موسيقية موجهة للمشاهدين ذوي الثقافة المزدوجة في الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى القناة الأم، هناك قناة «ام.تي.في شي» الموجهة للأميركيين الصينيين وبدأت البث في شهر ديسمبر 2005. أما الثالثة فهي «ام.تي.في كا» وهدفها الأميركيين-الكوريين وجرى تدشينها في شهر يونيو 2006.
تعود أصول نصرت دورّاني إلى منطقة «لوكنو» الهندية، وكان قد تخلّى عن عمله كمدير للتسويق في شركة «هوندا» بإمارة دبي كي يحقق حلمه في العمل بمجموعة «ام.تي.في». عمل في البداية وهو في الخامسة والثلاثين من العمر متدرّبا في مقر المجموعة بنيويورك. ثم ترقّى في المناصب وصولا إلى المدير العام.
وتنقل عنه المؤلفة قوله: إن المسألة الأساسية تتعلق بالهوية، بسؤال: من أنا؟ إنها الحافز الكامن وراء ما نحن فيه. وقد قادتنا استقصاءاتنا إلى أن الأميركيين ذوي الأصول الآسيوية لا يجدون أنفسهم فيما يقدّمه التلفزيون عامة. وليس هناك ما يتعرّض لثقافتهم المزدوجة.
وشيئا فشيئا كان «البعد الهندي» قد بدأ يأخذ مكانه فيما هو أبعد من إطار الشتات وذلك عبر تواجده في التيار السائد في نيويورك وهوليود. ومن أبرز الوجوه التي مثّلت الجيل «الهندي» الجديد في هوليود تذكر المؤلفة «ميرا ناير»، التي كانت جاءت إلى الولايات المتحدة في العام 1976 للدراسة في جامعة هارفارد. ولكنها اتجهت صوب السينما حيث قدّمت العام 1988 فيلمها الأول بعنوان «سلام بومباي» الذي لاقى نجاحا كبيرا.
حقائق
ــ توجد في الهند 30 قناة تلفزيونية إخبارية، ويتجه القسم الأكبر من المشاهدين نحو القنوات الناطقة بغير الانجليزية، والتي تبث بالهندية أو البنجابية أو البنغالية أو التاميلية، الخ.
ــ وتوجد في الهند 22 لغة يتحدث كل منها ما يزيد على مليون نسمة ولكل ولاية تقريبا في الاتحاد الهندي لغتها الرسمية الخاصة بها.
ــ العدد الإجمالي للغات المحكيّة في الهند يصل إلى 850 لغة.
ــ أغلبية الولايات لا تمتلك صناعة تلفزيونية مزدهرة بلغتها المحلية فحسب، وإنما أيضا تمتلك إنتاجا سينمائيا وموسيقيا وإذاعيا، هذا بالإضافة إلى الإنتاج الأدبي والصحف والمجلات اليومية.
ــ تنتشر الأمية في صفوف الهنود، حيث تبلغ نسبتها بين النساء 53بالمائة و30 بالمائة بين الرجال. ولا يزال هناك 26 بالمائة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة أميين أيضا.
ــ هذا يعود إلى واقع أن الهند قد عرفت تطورا هائلا منذ بداية عقد الثمانينات الماضي، لكنه لم يتم التطور بصورة «متكافئة» بين الجميع.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



