يستمد هذا الكتاب الذي نعرضه هنا أهميته من حقيقة أنه يتناول بالتحليل بلداً من أهم البلدان على المستوى العالمي، فهو ثاني أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان.
ويحاول استشراف آفاق المستقبل لهذا البلد، الذي ارتبط عبر التاريخ بعلاقات مميزة مع منطقتنا العربية عموماً ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. ويجمع الكثير من المحللين في العالم على أن المستقبل المشرق ينتظر الهند وليس الصين، كما يعتقد البعض، فهي تمثل تجربة ديمقراطية فريدة، بالإضافة إلى كونها البلد الأكثر شباباً في العالم. وتشير التقديرات إلى أنه سيكون في الهند بحلول 2015 حوالي 550 مليون نسمة من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً. والشعار الذي ترفعه الهند اليوم هو «التجديد من أجل البقاء». فهي أحد البلدان الرائدة اليوم على صعيد التكنولوجيا الرقمية، وبرامج المعلوماتية. توضح المؤلفة على امتداد صفحات هذا الكتاب كيف استطاعت الهند أن تتحول من أكبر مرجعية للفقر في العالم قبل فترة زمنية ليست بالبعيدة إلى المرجعية الأكبر للنهوض. وتركز في الحلقة الأولى على العلاقات الهندية - الأميركية وبداياتها ونطاق تأثير كل منهما في الآخر.
كانت العلاقات الهندية - الأميركية مقتصرة حتى بدايات هذا القرن الحادي والعشرين على بعض الصلات ذات الطابع الشخصي. ذلك أن العلاقات التجارية والسياسية كانت شبه معدومة، خاصة بسبب الخلط الذي استمر فترة طويلة جدا بين حكومة الهند والحكومة البريطانية. وجرى تشبيه الهنود بالولايات المتحدة الأميركية، عندما كانوا يخضعون لسلطة التاج البريطاني، على أساس أن الهند وأميركا كانتا مستعمرتين انجليزيتين. وكان إعجاب الهنود بالأميركيين كبيرا عندما حصلوا على ما كانت ترغبه الهند كثيرا، أي الحرية والاستقلال. وإذا كانت العلاقات التجارية والسياسية بين الهند والولايات المتحدة شديدة التواضع، كما تشرح مؤلفة الكتاب، فإن الأمتين عرفتا درجة عالية من التبادل على صعيد الأفكار الفلسفية التي كان لها أثرها لاحقا على نمط التفكير لدى الطرفين. ويتم في هذا السياق ذكر اسم العديد من الشعراء والكتاب الأميركيين الذين تأثروا بالثقافة الهندوسية والذين ليس أقلهم شأنا الشاعر الشهير والت ويتمان. كما تتم الإشارة إلى أن المهاتما غاندي قد استلهم منه مفهوم «العصيان المدني». وكان الأميركيون السود قد تابعوا بعناية فائقة مسيرة غاندي وحركة تحرير الهند.
وكان هوارد تورمان قد قاد في عام 1936 وفدا مؤلفا من أميركيين أفارقة لمقابلة غاندي. وقد ناقشوا معا الشبه بين المنبوذين في الهند وما يعانونه من اضطهاد وبين المعاملة التي يلقاها السود في أميركا. وكان القس الأسود مارتن لوثر كنج مطلعاً على مسيرة غاندي. وتنقل المؤلفة عنه قوله في تحديد المنابع التي استلهمت منها حركته: «المسيح هو الذي أعطى روحية الحركة وحوافزها وغاندي كان وراء طريقه العمل». كان التعاطف إذن كبيرا بين نضال الهنود لنيل استقلالهم ونضال السود الأميركيين لنيل حقوقهم المدنية. وكانت معاهد أميركية أنشئت من قبل السود ومن أجلهم قد شجعت الطلبة الهنود للدراسة فيها. وكان عدد من المهاجرين الهنود من البنجاب وغيرها قد استقروا على الشواطئ الغربية للولايات المتحدة في حوالي سنوات الخمسينات المنصرمة، خاصة في «سياتل» وفي كاليفورنيا، للعمل في المزارع.
وعلى خلفية إدراك هؤلاء أن كونهم من «رعايا الاستعمار البريطاني» لا يعطيهم أي امتياز أو حق أو حماية، قاموا بتأسيس حركة ثورية لتحرير الهند أطلقوا عليها تسمية «غادار» كان مقرّها في سان فرانسيسكو. واستطاع أولئك الأميركيون من أصل هندي جمع مبالغ من المال للمساهمة في تحرير بلادهم وعملوا على إرسال الأسلحة والذخائر لـ «مقاتلي الحريّة» في الهند.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن الشعبين، الهندي والأميركي، قد استلهم كل منهما من الآخر في مجرى نضالهما من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، لكن حكومتي البلدين سلكتا سبيلا مختلفا جدا، وبعد استقلال الهند عام 1947 تباعدت مسيرتا الهند والولايات المتحدة كثيرا، إذ أقام كل منهما تحالفات مع عدو الآخر.
الهند اتجهت نحو الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة نحو باكستان. وللمفارقة كانت الإدارة الأميركية في مقارعة السوفييت أثناء فترة الحرب الباردة قد فتحت الطريق أمام المهاجرين الهنود نحو الولايات المتحدة التي كانت قد فتحت، اعتبارا من عام 1965، حدودها أمام الكوادر المؤهلين من البلدان غير الأوروبية بينما كانت الهجرة «محدودة» جدا حتى ذلك التاريخ.
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن والدها قد وصل إلى الولايات المتحدة عام 1949 حيث لم يكن هناك سوى حوالي 000 10 شخص من أصل هندي، أي نفس العدد الذي كان موجودا فيها قبل نصف قرن في عام 1900. بعد عام 1965 وصلت موجات من المهندسين والأطباء والباحثين العلميين والكوادر العليا أو الطالبين للتأهيل في هذه المشارب، إلى الولايات المتحدة.
تزايدت كثيرا أعداد الهنود من الطلبة والعاملين والمقيمين في الولايات المتحدة خلال سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات. وكانت الهند قد أرسلت في السنوات الأخيرة عددا من الطلبة إلى الولايات المتحدة يفوق ما ترسله أية دولة أخرى. ففي عام 2005 وحده، توجه أكثر من 000 80 طالب هندي للدراسات العليا في أميركا. وهذا يزيد بنسبة حوالي 30 بالمائة عن مجموع ال000 62 طالب الذين أرسلتهم الصين للدراسة في أميركا خلال تلك السنة.
وفي المحصلة العامة كان هناك 2 .1 مليون شخص من أصل هندي يعيشون في الولايات المتحدة عام 2000. وقد وصل هذا العدد حاليا إلى حوالي 2 .2 مليون. هذه الزيادة تعود إلى استمرار تدفق الهجرة وإلى «النمو الديموغرافي» للهنود في أميركا. ويتوقع أن يتضاعف عدد ذوي الأصول الهندية في الولايات المتحدة كل 10 سنوات، أي ما يجعل الهنود المجموعة ذات النمو الأكثر سرعة بين المهاجرين القادمين من آسيا.
يشكّل الهنود إحدى جماعات المهاجرين الأفضل تأهيلا في الولايات المتحدة. إن نسبة 64 بالمائة من الأميركيين ذوي الأصول الهندية يملكون شهادة جامعية مقابل 27 بالمائة فقط بالنسبة لمجموع الأميركيين. ويبلغ متوسط الدخل السنوي لأسرة أميركية من أصل هندي 000 65 دولار أميركي مقابل 000 50 دولار كمتوسط أميركي عام.
ويتم تقدير المداخيل الشخصية للهنود في أميركا بـ 76 مليار دولار. إن قسما كبيرا من هذه النتائج الباهرة يعود للقوانين الأميركية للهجرة التي شجّعت قدوم المهاجرين الأكثر تأهيلا، وهكذا حصل الهنود على فرص عمل جيّدة المردود.
ويحظى الأميركيون من أصل هندي بتواجد هام في بعض القطاعات مثل الطب وتكنولوجيا المعلومات والبحث العلمي والتسيير الإداري. وتنقل المؤلفة عن الجمعية الأميركية للأطباء ذوي الأصول الهندية أنهم يبلغون 000 42 طبيب وهناك 000 15 طالب يدرسون الطب من أصل هندي في الولايات المتحدة.
أما قيمة الممتلكات العقارية التابعة لأعضاء في جمعية المالكين الأميركيين-الآسيويين للفنادق فتبلغ 9 .29 مليار دولار. هذه الجمعية أسسها مهاجرون هنود تعود أصولهم إلى منطقة «جوجارات» الهندية.
وتذكر المؤلفة في هذا السياق أسماء عدد من الأميركيين من أصل هندي الذين وصلوا إلى مراتب عليا، والذين ليس أقلهم شأنا السيدة انديرا نواي التي أصبحت رئيسة ومديرة عامة لشركة بيبسي كولا. وتُعيد أسباب نجاح هؤلاء إلى الشهرة الكبيرة التي تحظى بها المعاهد الهندية للتكنولوجيا والمعاهد الهندية للإدارة ذات الكفاءة العالية والتي تقبل مرشحا واحدا فقط من أصل كل 60 مرشحا وتوفر لطلابها تأهيلا ممتازا يجعل الشركات الكبرى العالمية تتنازع على الخرّيجين من هذه المؤسسات.
ولا تتردد المؤلفة في القول أن مساهمة الهنود في وادي السيليكون بكاليفورنيا من أجل تعزيز التفوّق التكنولوجي للولايات المتحدة وتأمين الانطلاق للهند كانت مساهمة كبيرة. وتنقل عن الصحفي الأميركي المعروف مايكل لويس في دراسته الشهيرة عن «وادي السيليكون» تأكيده على أن «رائحة الكاري الهندي» كانت حاضرة وفاعلة في الازدهار التكنولوجي لسنوات 1980-1990.
وفي عام 2000 كان الأميركيون من أصل هندي مالكين أو يشغلون مناصب عليا في 40 بالمائة من الشركات الجديدة في وادي السيليكون وبما تبلغ قيمته الإجمالية 62 مليار دولار.
وتتم الإشارة إلى أن خريجي المعاهد المختصة الهندية يتقاضون أجورا عالية جدا بحيث يبلغ الراتب الذي يبدؤون فيه مسيرتهم المهنية 000 .90 دولار كحد أدنى، وكان العرض الأكبر الذي عرفه عام 2006 هو راتب 000 .193 دولار اقترحه بنك بيركلي في لندن على أحد الخريجين.
هذا الرقم القياسي جرى تجاوزه بعد فترة قصيرة عندما كشف «المعهد الهندي للإدارة» أن أحد خريجيه تلقّى عرضا للعمل في شركة هندية براتب قيمته 000 233 دولار. وما تتم الإشارة إليه هو أن مثل هذا المبلغ ما كان لأحد أن يتصوّره قبل عدة سنوات فقط، خاصة أنه صدر عن شركة هندية.
وتتمتع المواهب الشابة الهندية اليوم بشهرة كبيرة في مدارس التجارة الأميركية والتي تتواجد فيها أيضا نخبة من الأساتذة الذين يرفعون صورة الهند عاليا. الفلسفة التي أقام الجميع شهرتهم عليها هي «الجديّة في العمل». وهناك أساتذة مشهورون من أصل هندي في جامعات ميتشغان وهارفارد وغيرهما من الجامعات الأميركية.
أدرك الأميركيون من أصل هندي، على خلفية تزايد وزنهم الاقتصادي وأعدادهم، إنهم يمثلون قوة سياسية هامة. كان المهاجرون الهنود من الجيل الأول يرون أن مشاركتهم في الحياة السياسية الأميركية مرتبطة بنجاحهم الاقتصادي. أما الجيل الثاني من الأميركيين ذوي الأصول الهندية الذين وُلدوا في الولايات المتحدة، فإنهم ترعرعوا دون الإحساس بأية عقد.
وشيئا فشيئا تزايد عدد الأميركيين - الهنود المنتخبين في المناصب العامة، مثل بوبي جينرال، عضو الكونغرس عن الحزب الجمهوري في لويزيانا والذي جرى انتخابه في أكتوبر من عام 2007 حاكما لهذه الولاية وعمره 36 عاما. وقائمة الأسماء التي يتم ذكرها هنا طويلة.
وتفتح المؤلفة هنا قوسين كي تشير إلى أن الحكومة الهندية وإدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وفي إطار بحثهما عن إمكانية التأثير إيجابيا على الكونجرس الأميركي فيما يخص الملف النووي الهندي، وجدتا حليفا ممتازا لدى جماعات الضغط الهندية-الأميركية وعلى رأسها «لجنة العمل السياسي للولايات المتحدة-الهند» والتي تضم أكثر من 000 .27 عضو اليوم، رغم أنها قد تشكلت في عام 2002.
وتشير المؤلفة إلى أن الهنود-الأميركيين رأوا في جماعات الضغط اليهودية (نموذجا) للاستفادة منه في نشاطهم السياسي. وذلك على خلفية القول أن الكثير من الأميركيين على قناعة أن «دعم إسرائيل يشكل المصلحة الأفضل بالنسبة للولايات المتحدة». بالتالي عملت جماعات الضغط الهندية-الأميركية لإقناع الأميركيين أن الأمر هو كذلك أيضا بالنسبة للهنود من أجل «مصلحة أميركا».
كانت الموافقة على تبنّي «اتفاقية التعاون النووي» الأميركي مع الهند تتطلب تعديل التشريعات الأميركية وإجراء تغيير في سياسة استمرت عقودا كاملة في تأييد الحد من الانتشار النووي. كان لا بد إذن من بذل الجهود لإيجاد «التطابق» بين مفهوم الأمن الأميركي وبيع التكنولوجيا النووية للهند.
وفي عام 2006 أنشئت مجموعة ضغط جديدة حملت تسمية: «مجلس التوجيه الهندي-الأميركي للأمن». وهدفها هو «حشد جماعات من قدامى المحاربين الأميركيين للدفع نحو تغييرات في التشريعات تسمح ببيع التكنولوجيا النووية للهند، رغم أنها ليست من البلدان الموقّعة على معاهدة الحد من الانتشار النووي».
ساهم أثرياء أميركيون وهنود في تمويل «مجلس التوجيه الهندي-الأميركي للأمن». وتم التوصل عام 2004 إلى إنشاء مجموعة «أصدقاء الهند» في مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة كل من السناتور الجمهوري عن تكساس جون كورنن والسناتور الديمقراطي عن نيويورك هيلاري كلينتون.
الكاتب في سطور
ــ ولدت ميرا كامدار في سياتل بواشنطن وحصلت على شهادة البكالوريوس من كلية ريد وعلى الماجستير والدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
ــ تشغل كرسي الزمالة الخاص ببرنارد شوارتز في الجمعية الآسيوية في نيويورك وكرسي الزمالة في معهد السياسة الدولية.
ــ تظهر كتاباتها في كبرى الصحف والمجلات الأميركية والعالمية مثل واشنطن بوست وانترناشيونال هيرالد تربيون ولوس أنجلوس تايمز وغيرها.
ــ حصلت على جائزة واشنطن للكتاب لعام 2002 عن كتاب مذكراتها: أوشام موتيبا: رحلة حفيدة من أميركا إلى ماضي عائلتها الهندية.
ــ عاشت في فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتتقن الانجليزية والفرنسية والهندية.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



