تصاعدت موجة التأييد الداخلي والعربي للرئيس السوداني عمر البشير، ضد التهديد باعتقاله من جانب المحكمة الجنائية الدولية، حيث تواصلت المسيرات الشعبية، وأعلن المجلس الوطني (البرلمان) رفضه التعامل مع المحكمة، متهما واشنطن ولندن وباريس بالوقوف خلف القرار.

وشدد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي سيزور الخرطوم الأحد المقبل على ضرورة احترام مبدأ حصانة رؤساء الدول، في وقت تتواصل عملية سحب موظفي الأمم المتحدة غير الضروريين. وأعلن المجلس الوطني السوداني (البرلمان) في جلسته الطارئة رفضه التام للتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية وطالب مجلس الوزراء بإصدار قرار بهذا الخصوص. وطالب المجلس الحكومة بمضاعفة الجهود لحل الأزمة في إقليم دارفور بوصفها سببا فيما يواجهه السودان حاليا والعمل علي تنفيذ كل اتفاقيات السلام التي تم توقعيها في ابوجا والقاهرة وغيرهما وإزالة كل العقبات التي تعترض تنفيذها.

ودعا المجلس الأمم المتحدة إلى عدم تمكين الآخرين من استغلال أجهزتها في الحرب ضد أعضائها من الدول كما يحدث للسودان الآن، مناشدا كل المنظمات الدولية والإقليمية والإسلامية وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بضرورة الإسراع بالإيفاء بالتزاماتها تجاه عملية السلام في السودان وتجاه إقليم دارفور.

وأجمع البرلمانيون السودانيون الذين حضروا الجلسة (516 عضوا و16 وزيرا) على أن الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون أولى بالمحكمة الجنائية الدولية وليس الرئيس البشير.

ودعا الأعضاء جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لعقد اجتماع طارئ للتصدي للمؤامرات الأجنبية وإدانة المساعي الهادفة لاتهام القيادات العربية الإسلامية بالباطل.

وطالب الأعضاء كافة شرائح الشعب السوداني وأطيافه للوقوف صفا واحدا والتعالي على المصالح الفئوية والجهوية.

ورأى الأعضاء أن تسريب خبر إدراج اسم البشير ضمن أسماء المطلوبين لمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية من قبل وزارة الخارجية الأميركية أكبر دليل على أن الإدارة الاميركية هي التي تحرك هذه المحكمة وفق أهوائها وتديرها للجهة التي تريد.

بدوره وصف إبراهيم أحمد الطاهر رئيس المجلس الذي ترأس الجلسة قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو ب(المسيس) متهما فرنسا وبريطانيا بالوقوف وراء هذه الخطوة.

وقال «هذه قضية سياسية وهي سلسلة من سلاسل الصراع بيننا وبين العالم الخارجي».

ونفى وزير العدل عبد الباسط سبدرات في مستهل الجلسة التهم التي نسبتها المحكمة الجنائية للرئيس البشير وقال إن «مهمتنا ستكون هي تفنيد ادعاءات اوكامبو قانونيا».

من جهته أكد الأمين العام للجامعة العربية أن التعامل مع الأزمة الناجمة عن طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية ينبغي أن يرتكز إلى المبدأ القانوني المتعلق بـ «حصانة رؤساء الدول» والى اعتبارات سياسية تتعلق بالأزمة في دارفور.

وقال موسى في تصريحات للصحافيين بعد اجتماع مع وزير الدولة السوداني للشؤون

الخارجية السماني الوسيلة إن «الموقف العربي في التعامل مع الأزمة ينطلق من عدة اعتبارات تتعلق بحصانة رؤساء الدول ومعالجة أزمة دارفور».

وأكد موسى أن وزراء الخارجية العرب سيناقشون في اجتماعهم الطارئ المخصص للأزمة السودانية السبت المقبل «الموقف على ضوء هذه الاعتبارات السياسية والقانونية وعدم عضوية السودان في المحكمة الجنائية الدولية».

يذكر أن القانون الدولي يقر بحصانة رؤساء الدول وعدم جواز محاكمتهم جنائيا أمام أي دولة أجنبية أو أمام أي هيئة قضائية أجنبية ليست دولهم أعضاء فيها. واعتبر موسى أن الجامعة العربية تجري «مشاورات حاليا مع الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن والسلم الإفريقي للتعامل مع هذا الوضع الخطير الناجم عن الاتهام الموجه من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية».

وأكد موسى انه سيزور الخرطوم الأحد بعد اجتماع الوزراء العرب للتباحث مع المسؤولين السودانيين «حول كيفية التعامل مع هذا الاتهام في ضوء القرار الذي يتفق عليه الوزراء العرب».

واعتبر موسى ردا على سؤال عن استهداف الرؤساء العرب بداية من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أن «الوضع خطير والمنطقة عربية تواجه تحديات كثيرة ويجب التعامل معها بحذر ورصانة».

ومن جانبه وفي رده على سؤال حول الخطوات التي ستقوم بها الحكومة السودانية تجاه قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قال وزير الدولة السوداني للشؤون الخارجية السماني الوسيلة «إن المدعي العام للمحكمة حصل على شهادات من عدة دول ليس من بينها السودان وستظل ادعاءات، ونحن موقفنا منها واضح».

ونبه إلى أن قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية سيعطل مسيرة السلام في السودان والتي يمكن أن تجعل منه نقطة استقرار في الإقليم.

وأضاف الوسيلة ان من يرغب في عدم الاستقرار في السودان واستخدام موارده الاستخدام الصحيح هو وراء قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

بدوره شدد كمال عبيد وزير الدولة بوزارة الإعلام والاتصالات السودانية على أن توقيت إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو عن قائمة جديدة في لائحة المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور يؤكد أن المحكمة منطلقاتها سياسية وليست قانونية، كما يؤكد أنها لا ترغب في تحقيق السلام والنماء والاستقرار في السودان».

وقال عبيد في تصريح، عبر الهاتف، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) أمس إن «المحكمة بهذه الخطوة تريد صرف الأنظار عن محاكمات المخربين الذين اعتدوا على أم درمان والتي تجاهلتها المحكمة ولم تعلق عليها كما ترمي إلى صرف الأنظار عن إجازة قانون الانتخابات العامة الذي تم بتوافق من جانب كافة القوى السياسية بجانب صرف الأنظار عن اجتماعات لجان التحكيم في قضية أبيي».

وأكد عبيد أن هذه الخطوة «تأتي والأنظار تتجه نحو السودان للإسهام في حل أزمة الغذاء العالمي نظرا للإمكانات والموارد التي يتمتع بها السودان».

واختتم وزير الدولة للإعلام تصريحاته بالقول إن السودان هو «الذي سيطالب بمحاكمة أوكامبو لخروجه عن الخط القانوني حيث برهن تسلسل الأحداث أن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة سياسية لا علاقة لها بالقانون والعدالة».

وعلى صعيد متصل، قال أمين حسن عمر وزير الدولة بالثقافة والشباب والرياضة القيادي بالمؤتمر الوطني السوداني إن ما يقدم عليه أوكامبو من مذكرات توقيف للرؤساء هو «سيف مسلط من الدول الغنية على الدول الفقيرة».

وفي تطور لافت وزعت بريطانيا أمس على أعضاء مجلس الأمن الدولي مشروع بيان يدين الهجوم الذي تعرضت له القوة المهجنة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (اليوناميد) في دارفور الأسبوع الماضي ويصفه بأنه «عمل غير مقبول». ويؤكد مشروع البيان الذي تأمل بريطانيا في إقراره أن مجلس الأمن «يدين بأشد العبارات» الهجوم الذي وقع على قوات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في الثامن من يوليو الجاري وأوقع سبعة قتلى و22 جريحا.

ويضيف مشروع البيان وهو نص غير ملزم يتطلب صدوره موافقة بالإجماع من أعضاء المجلس ان «هذا العمل بالغ العنف وغير المقبول هو أكبر هجوم تتعرض له المينواد منذ أن نقلت إليها صلاحيات القوة الإفريقية في دارفور في 31 ديسمبر 2007».

ويتابع المشروع أن «الهجوم كان متعمدا ويهدف إلى إسقاط ضحايا» ويحذر النص البريطاني من ان «الهجمات على جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة خلال نزاع مسلح تشكل جرائم حرب وفق القوانين الدولية».

ويدعو البيان الحكومة السودانية إلى «بذل قصارى جهدها للتأكد من انه سيتم تحديد هوية منفذي الاعتداء على وجه السرعة ومحاكمتهم أمام القضاء».

ميدانيا واصلت الأمم المتحدة لليوم الثاني على التوالي سحب موظفيها من دارفور حيث قوات حفظ السلام في حال تأهب على خلفية التحرك باتجاه اتهام الرئيس السوداني بارتكاب جرائم حرب.

وتأخرت عملية سحب الموظفين غير الأساسيين الثلاثاء عندما تعذر سفر 50 موظفا نقلوا بالحافلات إلى المطار في الفاشر كبرى مدن دارفور التي تتمركز فيها بعثة الأمم المتحدة وذلك لأسباب تقنية.

وقالت الناطقة باسم القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لحفظ السلام (يوناميد) أمس «أقلعت رحلة صباح اليوم ناقلة من كان يفترض نقلهم بالأمس. ومن المقرر اقلاع رحلتين إضافيتين».

إعلان حرب

اتهمت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية المجتمع الدولي وأميركا بإعلان الحرب على السلام والاستقرار في السودان بقرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية اتهام الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب.

ورأت ان تحقيق السلام في دارفور أهم من العدالة التي يتحدث عنها العالم.

أضافت الصحيفة إن إصدار مذكرة دولية لاعتقال الرئيس السوداني وهو أول رئيس يقاضى خلال ولايته الرئاسية لم يؤد سوى إلى جعل الرئيس السوداني يزداد تصميما على مقاومة الضغوط الخارجية.

وقالت الصحيفة إن ما يحاول المجتمع الدولي القيام به في دارفور ما هو إلا السماح بإعلان حرب على الحكومة السودانية من قبل الجماعات الأخرى التي لم توجه لها أي تهم.

من جهتها قالت مصادر بالاتحاد الأوروبي ل«البيان» إن لجنة استشارية بالاتحاد الأوروبي طالبت الاتحاد بعدم الضلوع في هذه القضية بشكل مباشر لما سيكون له من تأثير سلبي على العلاقات الأوروبية العربية.

وحسب المصدر فإن الخوف الأساسي يكمن في تأثير ملف دارفور على الاقتصاد العالمي في حالة لجوء دول مجلس التعاون الخليجي لرفض القرار واتخاذ إجراءات قوية لإجبار العالم على التراجع.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم والوكالات