ابنتها تالة «4 أشهر» على يدها، وابنة أختها ندى تغزل من حولها، وتتحدث عن المقاومة وعن الشيوعية وعن علاقة المواطن بوطنه، سهى بشارة في زيارة إلى بيروت، هي المقيمة وزوجها في سويسرا لعدم توفّر وظيفة لأي منهما هنا.
المقاومة التي تربّى الشباب على اسمها ونقاء صورتها، تعود لتخبر، في عيد تحرير جديد، عن المعنى. معنى أن تطلق النار، وتؤسر وتستشهد من أجل أرض من تراب، وحياة مَن يسكنونها. معنى أن يحرص الحريص على إعادتك إلى بيتك، حراً أو شهيداً، كحدث اليوم في لبنان.
تخبر عن الكلمة الوحيدة التي تفوه بها أنطوان لحد بعد تلقيه الرصاصة الأولى قبل أن توافيه بالثانية، وتخبر عن ندمها على رومانسية أبقت في جعبتها خمس طلقات لم ترَ النار. تصف صورة رسمتها لنفسها في أعين جيش لحد كي «تخش» في صفوفه، فتتحول إلى راقصة ترفع الكأس وتضحك، وفي يدها خنجر.
ترفض «المثاليات»، ولا تجدها إلا في اكتمال الشهادة، ثم تُرضع ابنتها وتلاعبها، بينما تثور ضد نظريات «حب الحياة» و«حب الموت».
تقول أنها تعشق الحياة، ولأجلها قاومت، تبسّط المسألة، تخطفها من حواري الطوائف والمصالح، وتروي القصة بكلام مفهوم وواضح.
هي من جيل وفرت له «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» مساحة لبنانية للمقاومة. قبل إعلان الجبهة، كانت المقاومة تتم عن طريق الفصائل الفلسطينية، كأنما لبنان لم يجتح، «كأنو مش إنت اللي تهجّرت».
كانت في الحادية والعشرين من عمرها عندما ذهبت إلى الجنوب، وفرضت على «الجبهة» تكليفها بعملية. في صندوق السيارة التي أقلّتها بعد تنفيذ العملية من مركز التحقيق التابع لجيش لحد إلى مركز الاستجواب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، غنّت لنفسها أغنية اسمها «مشايتي». وهي اليوم تنصت لأصدقائها المنقسمين بين معسكرين كي لا تخسر رفقتهم.
صورة الفتاة بالأحمر، يُعاد رسمها في يوم تحرير أسرى وشهداء متعددي الألوان والانتماءات. العلم الذي يلوح إلى جانب العلم اللبناني اليوم، أصفر اللون، ولقد تعددت ألوانه على مر الصراع، وستتعدد مع استمراره، طالما أن للأرض أبناء أحبوها كونها تحتضن حياتهم.
ترى في عملية تحرير الأسرى عملية عظيمة، تصنع لحظات يجب أن تكون هامة جداً في تاريخ اللبنانيين. فرضت أهميتها منذ عملية الأسر، ولولا عملية الأسر لما كان تحرير الأسرى ممكناً. ومن الهام جداً أن تشمل تلك الصفقة أجساد شهداء سقطوا في السبعينات، مثل دلال المغربي وغيرها، لأن الشعوب التي لا تقدّر شهداءها ولا تطالب بجثثهم، لا تقدّر أحياءها. ومن لا يكرّم أسراه باسترجاعهم بعد الاستشهاد، يكون عاجزاً عن أن يكرّم نفسه بوطنه.
سحر مندور
