يحرص المؤلف على أن يوضح لنا على متن صفحات هذا الكتاب أن النموذج الذي نشهده حالياً للرأسمالية يختلف تماماً عن النموذج الذي دعا إليه المفكر الإنجليزي آدم سميث في سبعينات القرن الثامن عشر فيما كان يعرف بـ «رأسمالية السوق»، ويختلف كذلك عن رأسمالية «مجتمع الرفاه» التي روج لها أركان الحزب الديمقراطي في ستينات القرن الماضي تحت مسمى «المجتمع العظيم».
حيث كان في النموذجين نوع من العدل والتوازن في توزيع العائد الاستثماري بين رأس المال والعمال الذين يقومون بعملية الإنتاج. فالرأسمالية الجديدة التي تحمل وصف السوبر سادت على مستوى العالم بعد انتصارها على الشيوعية، ولكن تسيدها هذا حمل معه الكثير من السلبيات التي أبرزها اتساع هوة اللامساواة بين شرائح المجتمع الواحد وبين البلدان الصناعية والنامية. ويطرح المؤلف حلولاً للسلبيات والمشاكل التي جاءت بها السوبر رأسمالية، ويلخصها في كلمة واحدة هي: الديمقراطية. وهو يعني بها الديمقراطية الحقيقية التي لا تكون رهينة بأيدي جماعات الضغط والتي تعزز القيم الإيجابية في المجتمع وتحرص على خدمة مصالح الجماهير العريضة من الشعب وليس المصالح الفئوية الضيقة.
منذ عقود كثيرة من عمر زماننا كتب الأديب المفكر الأيرلندي - الإنجليزي برنارد شو كتابا طريفا عمد إلى توجيهه بالذات إلى المرأة. ورغم أن برنارد شو اشتهر بإبداع الأدب الساخر والرفيع أيضا، فقد آثر أن يشرح للنساء معنى الاشتراكية كمذهب عقائدي واتجاه فكري وتطبيق يحاول أن يحقق قدرا من توازن العدالة بين طبقات المجتمع، خاصة وقد كان برنارد شو، كما هو معروف، عضوا في «الجمعية الفابية» التي كانت تتبنى مذهب الاشتراكية على الطريقة الإنجليزية حيث آمنت بالتطور الوئيد بديلا عن العنف الثوري ورفضت من ثم اتباع المذاهب الشيوعية المستمدة من الفكر الماركسي. المهم أن الاشتراكية كانت بضاعة رائجة في أيام برنارد شو، ولهذا أصدر الأديب الساخر كتابه بعنوان: دليل المرأة الذكية إلى الاشتراكية. وبديهي أن الكتاب المذكور أصبح أو كاد يصبح من تراث التاريخ، ومع ذلك فقد آثر مؤلف الكتاب الذي نودّع سطوره في هذه الحلقة، وهو الأكاديمي والوزير السابق الأميركي «روبرت ريتش» أن يودّع قارئيه فإذا به يختار للفصل العاشر - الأخير من كتابنا العنوان التالي: دليل المواطن إلى السوبر - رأسمالية.
وإذا كان البروفيسور ريتش قد استغنى عن وصف الذكاء الذي خلعه برنارد شو على المرأة، فقد جاءت عبارات الكاتب الأميركي آية أكثر دلالة على مدى وعمق المتغيرات التي استجدت بين بدايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، بعد أن أصبحت الاشتراكية تاريخا يروى فيما أعلنت الرأسمالية انتصارها بانقضاء الحرب الباردة وفوز المعسكر الغربي، لكن أي رأسمالية؟
لقد حرص مؤلفنا على مدار صفحات هذا الكتاب أن يؤكد لنا كقارئين ومحللين أن العالم يشهد نمطا جديدا تماما من النهج الرأسمالي، لا هو رأسمالية السوق التي تمتد إليها اليد غير المنظورة بتعبير المفكر الإنجليزي الكلاسيكي آدم سميث (1723-1790) لكي تعدل الموازين مستخدمة قانون العرض والطلب، ولا هي رأسمالية مجتمع الرفاه الذي حاول أركان الحزب الديمقراطي الأميركي تطبيقها خلال عقد الستينات بالذات من القرن الماضي وتحت مسمى «المجتمع العظيم» حيث كان ثمة عدل - أو فلنقل قدر معقول من التوازن أو شيء من التكافؤ - في توزيع عائد الاستثمار بين مالكي رأس المال وبين عنصر العمل الذي يحول المال إلى سلعة أو خدمة بمعنى أن يُضفي على رأس المال عنصر المنفعة على مستوى الأسواق.
ولقد ظل مؤلف الكتاب يرصد ظاهرة للنوع أو الفصيل الجديد الذي بدأ يناوش عالمنا مع الربع الأخير من القرن العشرين، ثم أصبح مستشريا تحت اسم السوبر - رأسمالية في هذه المرحلة من السنوات الأوائل للقرن الحادي والعشرين.
وكل ظاهرة جديدة تحتاج عمليا وموضوعيا إلى نهج جديد بدوره من حيث الرصد والمعالجة والتحليل.
ولأن المسألة ليست مجرد ممارسة أكاديمية، بل انها في الأول والآخر تتعلق بحياة الناس ومعايش المواطنين، فقد اختار مؤلف كتابنا ألا يحصر اطروحاته ومداخلاته داخل أبراج الأكاديمية العاجية، بل آثر أن يتواصل من أجلها مع المواطن العادي وهو العنصر المستهدف من هذه التحولات الرأسمالية في الأساس سواء كان هذا المواطن مستهلكا أو مستثمرا أو كان عاملا أو موظفا، رجلا أو امرأة حيث الكل في قارب واحد تتقاذفه أنواء هذه التحولات التي لم تعرفها الإنسانية من قبل.
ماذا أصاب المجتمع؟ قبل أن نحمد للرأسمالية هذا التطور الذي ينطوي على تلك الإيجابيات، يبادرنا المؤلف في نفس الفقرة من بدايات الفصل الأخير ليضيف: لكن رويدك - عزيزي المواطن - لقد جاء انتصار السوبر - رأسمالية مصحوبا بحزمة من النتائج السلبية التي أصابت المجتمع الإنساني في الصميم ومن هذه السلبيات ما يلي:
اتساع شقة اللامساواة بين شرائح المجتمع: فبقدر الارتفاع المحلق للمكاسب والعوائد الرأسمالية الناجمة عما تشهده المجتمعات من نمو اقتصادي، بقدر ما أدى إليه هذا الارتفاع من تقليص عنصر الأمان الوظيفي، وبقدر ما أسفر عن إلحاق ضروب الأذى بالبيئة الطبيعية التي لحقتها آفة التدهور والتلوث، وبقدر ما ارتبط بذلك من انتهاكات حقوق الإنسان (ص209) هذا فضلا عن ذلك السيل المنهمر بغير هوادة من السلع والمنتجات، والخدمات التي لا تخاطب سوى أدنى الغرائز وأشد الرغبات سوقية في نفوس المستهلكين.
في السياق نفسه يدلي الوزير الأميركي السابق بما يشبه الاعتراف حين يقول: هذه العواقب (السلبية) تبدو أعمق وأوسع نطاقا في الولايات المتحدة من أي من الاقتصادات المتقدمة الأخرى. والسبب في ذلك هو أن أميركا هي التي تحركت بعمق أكثر نحو هذه السوبر - رأسمالية. ومع ذلك فإن الاقتصادات (المتقدمة) الأخرى التي اقتفت أثرها أخذت تعاني من الآثار نفسها.
هكذا عمد المؤلف - بذلك التكثيف الموجز - إلى تشخيص المشكلة، ولكنه لم يترك المسألة بالطبع عند حدود التشخيص، بل مضى إلى تصور ما يراه من مخارج أو حلول. يقول: الديمقراطية هي الوسيلة الملائمة لمعالجة هذه النتائج التي أصابت المجتمع. وهنا يأتي دور القيم (الإيجابية - الديمقراطية) التي لابد وأن يعمل المواطن (العادي) على تكريسها وتفعيلها وفي مقدمتها قيمة التعبير عن الرأي، وقيمة التمييز الموضوعي الأمين مع النفس ومع المجتمع ومع المستقبل.
ومع ذلك، فالمؤلف يعترف بأن تنفيذها لا ينبغي أن يترك نهبا للمبادرات الشخصية بل لابد من رصده عن كثب ومتابعته بدقة وأمانة حيث يقترح لهذه المهمة هيئة يطلق عليها وصف «المفتش العام المستقل» المخول بسلطة التحقيق في جميع المخالفات المرتكبة ومن ثم بفرض الجزاءات وتوقيع عقوبات صارمة بحق المخالفين.
المهم هو وقف هذه التدفقات من أموال الإغراء وكسب أصوات ممثلي الشعب لصالح الذين يتربحون من أقوات الشعب. هذه الأموال التي يطلق عليها المؤلف وصف «النقود الناعمة»، وهي التي تمول الحملات الإعلانية التي تروج للنائب الذي نريد أن نزرعه في تربة البرلمان كي يصوغ القوانين وفقا لمصالحنا، وهي نفس الحملات الإعلانية التي لا بد وأن تندد بخصومنا في المنافسة الانتخابية فإذا به مرشح ساقط لا يأمل في مواجهة الدعاية المكثفة، المدفوعة الأجر، في كسب تأييد الناخبين.
في كل حال ينبه المؤلف في هذا الدليل الذي يختم به مقولات الكتاب، إلا أن الإصلاح الحقيقي لابد وأن ينطلق من إرادة صلبة ورغبة حقيقية من جانب جموع المواطنين أو على حد تعبيره، الإصلاح الحقيقي لن يحدث إلا إذا طالب به معظم المواطنين، ولكي يطالب به هؤلاء المواطنون لابد وأن يفهموا أبعاد ما يحدث الآن وما يراد بهم في دنيا المال والأعمال.
في نفس السياق يضيف المؤلف من باب الاحتراس.
موضحا أن ليس من مقاصده تكريس الديمقراطية بوصفها مجرد ترشيحات أو مجرد انتخابات أو دعايات أو حملات أو حتى برلمانات، إنه يرى الديمقراطية بوصفها معبرا أو جسرا لتقدم الشعوب.
ويرى أن الجوهر ليس مجرد تذكرة انتخاب ولا هو أسلوب حكم نيابي بين إدارة وبرلمان بقدر ما يراه أسلوب إدارة الحكم الذي يعزز تقدم المواطن ويشجع قوى الفكر والبحث والابتكار والإبداع على مستوى مجتمع المواطنين بشكل عام. لا يهم عند المؤلف أن شركة أميركية نقلت نشاطها إلى خارج الحدود، في الصين أو الهند مثلا، ولا يهم المؤلف طنطنة الشركات التي تفخر بأنها مازالت تنشط على الأرض الأميركية ذاتها.
ليس مهما في رأي مؤلف الكتاب أن تكون الشركات الأميركية قادرة على المنافسة ولا أن تفوز في مضمار المنافسة؟ ليس المهم هو تنافسية الشركات الأميركية بل المهم هو تنافسية أميركا ذاتها.
وأثمن ميزة تنافسية لأميركا تتلخص في عبارة جوهرية واحدة هي: البحث والتطوير. فشركة مايكروسوفت قد اعتمدت مبلغ 7 .1 مليار دولار لاستثماراتها في مجال البرمجيات الحاسوبية في الهند، إلا أن الشركة أحسنت عندما أعلنت عن تخصيص نصف هذا المبلغ الطائل لصالح مركز البحث والتطوير في حيدر أباد بجنوبي الهند. بينما شيدت شركة (أو كيميتال) مركزا للبحوث في شنغهاي الصينية يستعد لتشغيل 600 مهندس.
وفي هذا السياق أوضح استقصاء جرى مؤخرا أن 38 في المئة من المؤسسات الأميركية والأوروبية الكبرى تخطط لتحويل جهودها في مجال البحث والتطوير إلى كل من الصين والهند، وهو ما يقضّ مضاجع الكثير من المفكرين والباحثين في أقطار الغرب بشكل عام، باعتبار أن من شأنه أن يؤدي إلى تناقص جهود البحث والتطوير في أميركا وأوروبا بشكل عام.
في كل حال يؤكد المؤلف حقيقة بديهية أو تكاد تكون حين يقول: إن الشركات ليست أفرادا مواطنين، بل الناس.. البشر هم وحدهم المواطنون، ومن ثم فهم دون غيرهم المسموح لهم بأن يشاركوا في عملية صنع القرار الديمقراطي وبوصفهم مواطنين ليس إلا.
أما المستهلكون والزبائن والمستثمرون والرأسماليون والمديرون ومن والاهم من عاملين وموظفين، فهؤلاء لهم الحق، كل الحق في توخّي مصالحهم في البيع أو في الشراء أو في توظيف الاستثمارات في إطار المنظومة الديمقراطية، لكن الشركات والمؤسسات ليس لها دور مشروع لا أخلاقيا ولا منطقيا في العملية الديمقراطية، على نحو ما يذهب إليه «شارلس لندبلوم» أستاذ علم السياسة المرموق في جامعة ييل بالولايات المتحدة.
المؤلف في سطور
ـ يعمل بروفسور روبرت ريتش حالياً أستاذا بجامعة برانديز الأميركية، وهو أستاذ كرسي موريس هكستر للسياسة الاجتماعية والاقتصادية في كلية هيلر للدراسات العليا في الجامعة نفسها.
ـ شغل مناصب بارزة في ثلاث إدارات أميركية، وكان أبرزها العمل وزيراً للعمل في إدارة كلينتون.
ـ قام بتأسيس مجلة «أميركان بروسبكت» المتخصصة، وتولى رئاسة تحريرها سنوات عدة.
ـ تنشر كتاباته بانتظام في عدد من أبرز الصحف والمجلات الأميركية، وفي مقدمتها نيويوركر، أتلانتك مونثلي، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنالز
ـ أصدر عدداً من الكتب ذات التأثير الكبير، ومن أهمها «مستقبل النجاح»، وهو يقيم حالياً في كامبردج بولاية ماساشوستس الأميركية.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


