في مركز التدريب المديني في تساليم تتراءى سرية احتياط مع نور الشروق الأول، وكان المقصد قرية أقيمت في قلب الصحراء لتمثيل القتال في بلدة عربية في لبنان أو سوريا.
وقد بدا الجنود شبانا وكحد أقصى أبناء 26-27 سنة، قسم منهم من المسرحين الجدد من الخدمة النظامية، فالخوذات جيدة التمويه والصدريات الواقية جديدة مع حماية على الركبتين. أعتدة من أنواع لم يهتم الجيش في الماضي بتزويد الجنود بها. وبالتأكيد ليس قبل حرب لبنان الثانية التي خرج إليها الكثير من الجنود بعتاد من حرب الأيام الستة. هكذا يريد الجيش أن يظهر في نظر الجمهور، جهاز استخلص جيدا دروس الحرب وعاد إلى أسس الاحتراف العسكري، جيش يصل إليه رجال الاحتياط من أجل أن يتدربوا، لا يضيع وقتهم في بيروقراطيات لا فائدة منها. ليس هناك في الجيش الإسرائيلي إجماع حول ما إذا كانت التغييرات التي أدخلت منذ الحرب كانت في الاتجاه الصائب.
وفي أوساط ضباط في الخدمة العملية تسمع انتقادات خافتة، وعدد غير قليل من الضباط الذين تركوا الخدمة منذ وقت غير بعيد يشعرون بحرية أكبر في الإدعاء بأن «الجيش اقترف الخطأ التقليدي لكل جيش يفشل في الحرب، فهو يشطب كل ما يمكن أن يرى فيه تذاكيا، ويعود إلى التدريبات الأساسية والقواعد المعروفة، وكأنها هي الحل».
ويقول هؤلاء إن المشكلة هي أن كل التحديات المقبلة التي سيكون مطلوبا من الجيش مواجهتها لن تشبه الحروب التي مرت. «فالعدو بأغلبيته يتحول إلى جيوش عصابات، في حين أن الجيش الإسرائيلي ينتقل من تطرف الإفراط في نظريات قتالية بعيدة عن الواقع، إلى تطرف مضاد من التفكير المحافظ والقديم».
والسؤال حول ما إذا كان الجيش الإسرائيلي جاهزا لمهمته المقبلة في إيران وسوريا، في لبنان أو في غزة، هو أولا وقبل كل شيء سؤال اقتصادي. الرجلان المسيطران على ميزانية المؤسسة العسكرية، كلاهما يقيم في الطابق الرابع عشر من برجي هكرياه في تل أبيب. أحدهما هو المدير العام لوزارة الدفاع بنحاس بوخريس، يدير الاتصالات مع وزارة المالية.
وفي البرج التوأم هناك المسؤول عن النشاط الجاري للجيش الإسرائيلي وهو نائب رئيس الأركان الجنرال دان هارئيل. والمبلغ الذي يشرف عليه هارئيل وبوخريس هو 5,50 مليار شيكل (أكثر من 15 مليار دولار) للعام 2008، بما في ذلك أموال المساعدة الأميركية المحولة إلى شواقل، وهذا مبلغ هائل يصعب استيعاب معناه.
بعد الحرب تقررت للمرة الأولى ميزانية دفاع لسنوات متعددة، تسمح بتخطيط طويل الأجل على قاعدة توصيات لجنة ترأسها دافيد برودوت، ويفترض بالمبلغ الوارد في الميزانية الدفاعية أن يزداد في كل عام، وميزانية وزارة الدفاع اليوم بعيدة عن الوفاء بكل احتياجات إسرائيل الأمنية المتصاعدة، بقدر ما تغدو الغيوم من حولنا أشد قتامة، ومن جهة ثانية فإن شياطين التبذير في المؤسسة العسكرية تعربد.
فرضية العمل الأساسية في الجيش الإسرائيلي لصيف 2008 تقرر أن «نافذة الفرص أغلقت». فالحرب لم تكن تظهر في الأفق في التسعينات، ولذلك كان بالوسع المجازفة والمساس بالجاهزية الفورية للحرب، من أجل توظيف الأموال في تعظيم القوة المستقبلية.
لكن الكثير من الضباط في الجيش يؤمنون أن السبب الحقيقي للفشل في الحرب لم يكن الجاهزية العملياتية المتدنية للوحدات البرية، ولا حتى العتاد الناقص، وإنما أولا وقبل كل شيء في الإصرار طوال أكثر من شهر على هزيمة «حزب الله» عن طريق القصف الجوي فقط. نظريات التفعيل التي كانت في الجيش الإسرائيلي عشية الحرب جرى رميها في حاويات القمامة.
وعلى سبيل المثال فإن كتيب نظرية القتال «توجيه الآثار»، التي صودق عليها من جانب رئيس الأركان السابق دان حلوتس فقط قبل شهرين من نشوب الحرب، سحبت تماما من التداول. ففكرة الآثار التي رأت أنه لا أهمية لعدد الإصابات التي تلحق بالعدو ماديا وإنما أثر ذلك عليه، حتى من دون استخدام للنار أحيانا، غدت حتى نشوب الحرب موضة هيستيرية في الجيش الإسرائيلي وهي الآن منبوذة لدرجة المقت. وعاد الجيش الإسرائيلي إلى المصطلحات العسكرية الأساسية المعروفة من فجر التاريخ العسكري.
غير أن ضابطا كبيرا يرى أن «المشكلة الكبرى هي أن البندول يتحرك كما في كل مجال من تطرف الكلام الفارغ إلى المبالغة في المحافظة، لدرجة أنه يكاد اليوم يكون محظور التفكير». ويواصل الضابط الكبير إدعاءه ب«أننا لم نشطب كل النظريات التي كانت في العام 2006. والواقع أن هناك أكثر من 160 ضابطا كبيرا يعملون على وضع الاستراتيجية في الجيش، وقد تم إرسالهم لدورة تعليمية جديدة تسمى (فنون المعركة)».
ورغم التخفيض الحاد في ميزانية القوات البرية في الأعوام 2003-2006، فإن الجيش الإسرائيلي لا يعوض عن ذلك حاليا بتوظيفات مالية ضخمة. كما أن الاستثمارين الأكبرين لا يزالان موضع خلاف عميق. وحول الاستثمار الأول، بقيمة تزيد عن أربعة مليارات شيكل لتمويل مشروع الجيش البري الرقمي، جرى نقاش في المجلس الوزاري الأمني السياسي لمدة ربع ساعة فقط قبل الحرب.
ومنذ ذلك الحين والجيش يعيش داخل هذا المشروع، المفترض فيه أن يربط بين كل المقرات القيادية وبين كل وسائل جمع المعلومات الاستخبارية في شبكة واحدة من الروابط البصرية وشاشات البلازما. والقرار الآخر الذي يثير سجالا عميقا هو التزود بمئات من ناقلات الجند المدرعة من طراز ميركافا والتي تسمى «النمور» في إطار خطة التسلح القريبة المسماة «تيفن».
وقد أعدت النمور هذه لنقل قوات مشاة من مكان إلى آخر بسرعة وأمان. وفي العام الذي سبق الحرب ظهرت في هيئة الأركان العامة معارضة شديدة للتزود بالنمور، ولكن الجيش الإسرائيلي قرر مؤخرا إنشاء خط إنتاج للمدرعة الجديدة التي تستند إلى تكنولوجيا وتصفيح دبابة ميركافا سيمان أربع في الولايات المتحدة أيضا بموازاة انتاجها في إسرائيل، من أجل زيادة وتيرة الإنتاج.
ويزعم ضابط كبير لا يستخدم تعابير دبلوماسية أن «الاستثمار في النمور ليس سوى حماقة. ففي حرب لبنان الثانية تبين أن الصواريخ المتطورة لدى حزب الله تخترق الدبابات الأكثر تطورا في الجيش الإسرائيلي. والآن، بدلا من الاستثمار في الصفائح الغليظة للمدرعات كان من الواجب الاستثمار في الآليات الخفيفة وفي التحصين الفعال الذي يهاجم صواريخ العدو ويعترضها».
وعلى بعد أقل من أربعين كيلومترا من قاعدة التدريبات في تساليم تقع قاعدة سلاح الجو في حتسيريم. ورغم أن قاعدة تساليم تحظى في السنوات الأخيرة بالثناء على النجاعة، فإنه لا أساس للمقارنة، فسلاح الجو هو جيش آخر، إنه جزيرة من المهنية والاحتراف في جيش شبه هاو، وليس هناك انتقادات للقرار بمواصلة منح الأفضلية في موارد الجيش الإسرائيلي حتى بعد حرب لبنان الثانية.
وتنبع الأفضلية التي يتمتع بها سلاح الجو في التسليح من المهمة الأساسية التي قد توكل إليه وهي إحباط المشروع النووي الإيراني بعملية عسكرية، وتشكك جهات عسكرية بقدرة سلاح الجو في وقت قريب على تنفيذ المهمة في إيران البعيدة، إذا أوكلت إليه. ويواصل سلاح الجو خطته للتسلح. ومن الجائز أنه قد يحصل حتى منتصف العقد المقبل على السرب الأول من الطائرات الحربية الحديثة من طراز إف 35، ذات القدرات التملصية من شاشات الرادار.
وفي كل الأحوال فإن السؤال الكبير هو: «هل أن الجيش الإسرائيلي يكيف نفسه للنموذج الجديد من الحروب والتي لن يكون فيها حسم تام؟»، كما تساءل بارتياب ضابط كبير. وقال رئيس شعبة التخطيط الأسبق ورئيس مجلس الأمن القومي سابقا الجنرال غيورا آيلاند قبل بضعة أيام في محاضرة أن «الحرب المقبلة مع سوريا، إذا وقعت، لن تظهر بشكل أفضل مما بدت الحرب السابقة مع حزب الله».
وأضاف أن هذه قد تغدو حربا موازية «حيث في الوقت الذي ننتصر فيه في الجبهة، يلحقون بنا الضرر في الجبهة الخلفية». ويقول ضابط كبير آخر يخدم في القوات الاحتياطية إن «كل من يستعد للحرب ضدنا استوعب الاستثمار الكبير في تحسين قدرات المناورة وهم يستعدون لذلك بشراء آلاف الصواريخ المضادة للدبابات والتي ستجبرنا مرة أخرى على التراجع». غير أن هذا الضابط يعرف أن لكل جيش، في أي مكان في العالم، اختبارا واحدا مثاليا فقط: الأداء في الحرب.(عمير ربابورات- معاريف 12-7-2008)
فشل بلا مسؤولية
يذهب كبير المعلقين في «يديعوت أحرنوت» ناحوم بارنيع إلى القول بأن الحكومة الإسرائيلية التي أظهرت أن استصدار القرار 1701 كان ذروة إنجازات حرب لبنان الثانية، عمدت إلى الحديث عن فشله من دون أن تتحمل أي مسؤولية عن ذلك وكتب أن «الشيء نفسه يقال في القضية الإيرانية. إسرائيل وإيران تتبادلان التهديدات بالحرب.
هناك شك إن كانت لإسرائيل قدرة على مهاجمة إيران، وهناك شك أيضا إن كانت إيران قادرة على الرد وفقا لسلوك اولمرت السياسي وباراك وليفني، إذ لا يعد أي منهم عملية عسكرية ضد إيران، وثلاثتهم يعرفون أنها ستقلب الشرق الأوسط رأساً على عقب، وتؤجل الانتخابات التمهيدية وتلغي صفقة تبادل الأسرى، وتحدث هزة أرضية أمنية واقتصادية. وان كانت هذه المؤامرة فلماذا يقدمون على ذلك».
وخلص بارنيع إلى أن «صواريخ صدام في حرب الخليج الأولى أصابت بضعة نقاط في إسرائيل. وزير الدفاع حينئذ موشيه أرنز طالب بعملية معتقداً أن من واجب من يتعرض للضربة أن يرد عليها، ولم يسأل إن كانت لدى الجيش الإسرائيلي قدرات حقيقية على إسكان مصادر النيران، ربما آن الأوان حتى يطرح ذلك السؤال بصدد العملية الإسرائيلية ضد إيران».

