يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن زيف الإدعاء الرأسمالي القائل بأن تحرير السوق سيؤدي إلى تعزيز الحريات في المجتمع وإشاعة الممارسة الديمقراطية، ويؤكد على أن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس تماماً.
فالاقتصاد العالمي الذي نشهده اليوم والقائم على حرية السوق وفتح الأبواب ورفع القيود أمام زحف الاستثمارات الكبيرة والشركات العملاقة أو ما يسمى «حيتان البيزنس» عمل ويعمل على تآكل سلطة الشعب على مستوى النظم الديمقراطية في طول العالم وعرضه. ويحاول المؤلف أن يوضح الأسباب التي جعلت الرأسمالية تنمو وتزدهر على حساب الديمقراطية، فيشير إلى أن الشركات والمؤسسات الكبرى عمدت إلى توظيف أموال طائلة في حملات موجهة للتأثير على صانعي القرار وراسمي السياسات لرشوتهم وشراء ذممهم بهدف سن قوانين تكفل لتلك الشركات والمؤسسات ميزة تنافسية على من يزاحمونها في الميدان.
وهذا ما يؤدي إلى إسكات صوت المواطن العادي وتجاهل مصلحته بينما يتم الاهتمام بمصالح جماعات الضغط التي أوصلت صانعي القرار السياسي إلى مناصبهم، والنتيجة هي فقدان الثقة الشعبية بالديمقراطية وبأسلوب الحكم الديمقراطي حتى في البلدان الديمقراطية نفسها. في عددها الصادر في أكتوبر 2007، أحالت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية إلى كتابنا الذي نستعرضه في هذه السطور وعمدت إلى اقتباس فقرات مهمة من متن الكتاب.
وصدّرت هذا الموضوع بعبارات تقول فيها: رغم أن من المفترض أن حرية السوق لابد وأن تفضي إلى حرية المجتمع، إلا أن الجديد بدلا من ذلك هو أن الاقتصاد العالمي الذي نشهده اليوم، وقد بات اقتصادا مشحونا ومفعما بشتى العوامل، هو الذي يعمل على تآكل سلطة الشعب على مستوى النظم الديمقراطية في طول العالم وعرضه: مرحبا إذن إلى عالم يرفعون فيه شعار «الصالح العام» بينما يتراجع فيه دور الحكومات لصالح حيتان البيزنس!
في نفس الدراسة المنشورة، يطرحون السؤال الجوهري الذي أدار عليه مؤلفنا محور قضايا هذا الكتاب: ترى لماذا ازدادت الرأسمالية نموا إلى درجة السوبر رأسمالية، بينما ازدادت الديمقراطية ضمورا إلى درجة الوهن والهزال؟
وفي نفس السياق يجيب المؤلف قائلا: لقد تم استضعاف الديمقراطية لأن الشركات والمؤسسات التي تخوض غمار منافسة شرسة من أجل المستهلكين والمستثمرين على المستوى العالمي - الكوكبي عمدت من جانبها إلى توظيف مبالغ طائلة في أغراض العلاقات العامة، وممارسة ضروب التأثير من خلال جهود أكثر من جماعة ضغط - لوبي - على صانعي القرار وراسمي السياسات، دع عنك الأموال التي رصدوها بليْل لأغراض الرشوة والتربح وشراء الذمم، وكلها كانت تهدف إلى سنّ قوانين تكفل لتلك الشركات والمؤسسات.
ميزة تنافسية على من يزاحمونها في الميدان. ماذا كانت النتائج؟ جاءت - ومازال الحديث لمؤلف كتابنا - على شكل سباق على النفوذ السياسي وهو سباق شرس ومحتدم يتدافعون فيه بالمناكب مما أدى إلى إغراق أو إخراس صوت المواطن العادي، وإذا أخذنا مثلا من الولايات المتحدة لطالعنا ذلك السباق المحموم من جانب أعضاء الكونغرس من أجل إعادة انتخابهم في مقاعد مجلس النواب أو مجلس الشيوخ وفي هذا السياق تشتعل المعارك التي تستهلك أسابيع بل وشهورا من وقت وجهود العاملين في الكونغرس.
وما هي في نهاية المطاف إلا سباقات بين الشركات أو الصناعات المتنافسة. ويضيف المؤلف قائلا في نفس السياق: في زماننا هناك من يحاول أن يرضي ضميره أو حتى من يحاول أن يعلل النفس بمقولة لها بريق أخاذ من الناحية الإعلامية أو الإعلانية على أقل تقدير نعم هناك من يقول مثلا: إن الشركات تتحمل - أو لابد أن تتحمل - مسؤولية اجتماعية، بمعنى أن تتصرف وهي تراعي مصالح المجتمع ومواطنيه وأبنائه ومستقبله، وإلا انطلقنا نلومها وننقدها وربما نشهر بها، الخ.
في هذا الخصوص بالذات، يرفض المؤلف مثل هذه المقولات - رغم بريقها وإغراءاتها - لأنه يحاول أن ينزل بقارئه من أعالي الأمنيات العذبة إلى أرض الواقع الحقيقي المعاش في حياة الناس. يقول ببساطة أو صراحة مباشرة إن هدف الرأسمالية هو بغير مواربة تعظيم الأرباح وزيادة عدد المستهلكين وزيادة حجم الاستثمارات والمستثمرين.
أكثر من هذا: فهم عندما يعينّون رئيسا لمجلس إدارة، وهو عندما يعين كبار المديرين التنفيذيين العاملين تحت إشرافه - لا يفكر أحد في مطالبته أو مطالبتهم بتحمّل المسؤولية تجاه المجتمع والمواطنين. إن نفس المستثمرين في الشركة يرسمون لمديرهم أو ينتظرون منه شيئا واحدا وهو: أن يحقق أقصى قدر ممكن من الأرباح. ولا يحدّث أحد منهم نفسه بأن هذا المسؤول الأكبر في الشركة أو المؤسسة من واجبه أن يحقق توازنا أيا كان بين أرباح المؤسسة وبين مقتضيات الصالح العام.
ماذا إذن عن الأغراض الخيرية؟ عن الهبات والمنح التي تقدمها الشركات والمؤسسات لأغراض البّر والخير تحت شعار خدمة الصالح العام؟
يجيب مؤلفنا قائلا:كلها تدخل في التحليل الأخير تحت لواء العلاقات العامة، وتحت بند الدعاية والترويج والتجميل والتزويق والإعلان، ولا يخفى على أحد أن المستثمرين لا يوظّفون أموالهم في هذه الشركة أو تلك من أجل المقاصد الخيرية، قصاراهم بصراحة مباشرة أن ينتظروا عوائد من الأرباح المجزية على تلك الأموال، وحتى إذا ما راودتهم .
نوازع البّر والإحسان فهم يقدمون أموالهم - إن شاءوا خارج نطاق هذا النوع من الاستثمار القاصد للربح في كل حال. والمشكلة - يحذر المؤلف - تتمثل في أن هذا الخلط بين دور الشركة بوصفها موقعا للإنتاج والاستثمار وتحقيق الأرباح، وبين إظهار الشركات في صورة المحسن الكريم.
هذا الأمر هو الذي يخلط الأوراق ويشتت تركيز الرأي العام بعيدا عن التمييز الصارم بين مؤسسات تحقيق الأرباح (النشاط الرأسمالي) ومؤسسات تفعيل الرأي والشراكة السياسية وتكريس دور المواطن العادي (الممارسة الديمقراطية).
باختصار شديد يحاول المؤلف أن يفصل في قضية العلاقة بين الرأسمالية بعد تطورها وبين الديمقراطية بكل مقتضياتها، يقول: دعونا نكون واضحين: هدف الديمقراطية هو أن نحقق الغايات كجماهير ومجتمع - وهو ما لا نستطيع تحقيقه كأفراد.
لكن المشكلة أن الديمقراطية على هذا النحو سوف تظل بعيدة المنال إذا ما تداخلت الشركات فاستخدمت السياسة لتحقيق أغراضها الرأسمالية في الربح والمنافسة. وبصراحة أكثر - يوضح المؤلف - فالأمر ليس سهلا كما قد يتبادر إلى الذهن. بل الأمر ينطوي (ص89) على حقيقة واقعية نعم ولكنها محرجة وتدعو أحيانا إلى الحيرة أو الارتباك. لماذا؟ لأن كل فرد منا في المجتمع ينطلق من عقليتين وهما: عقلية المستهلك وعقلية المواطن.
فالمستهلك (أو المستثمر) يريد أقصى الأرباح، لكن المواطن لا يريد تحمل النتائج الاجتماعية المترتبة على تحقيق هذه الأرباح. والحق أن ليس هناك حل عملي أو مقبول على المدى القصير يكفل نوعا من التوازن الرشيد بين طرفي هذه المعادلة الصعبة، بل الحق أكثر هو أن نوازعنا كمستثمرين ومستهلكين كثيرا ما تفوق وتتجاوز مسؤولياتنا كمواطنين يريدون العيش والنشاط في مجتمع المشاركة الديمقراطي.
هذا هو بالضبط السبب الذي جعل السوبر رأسمالية تتغلب على الممارسة الديمقراطية. وإلا فلماذا لا يسأل المستهلك نفسه عندما يسعده الحظ بأن يصادف في الأسواق سلعا بأسعار أرخص وشروط أيسر وأشد.
جاذبية وإغراء، لماذا لا يتساءل عن سبب هذه التيسيرات في الأسعار؟ ولو فعلها، لكانت الإجابة الغالبة هي أن هناك مئات من المواطنين هم العمال والموظفون ممن جهدوا وكدحوا في تصنيع هذه السلعة وطرحها في أسواق المنافسة الاستهلاكية - وهؤلاء لم يسعهم أيضا، وسط حمى هذه المنافسة - إلا أن يرتضوا لأنفسهم ولعائلاتهم استقطاعات في الأجر وانكماشات في مزايا الوظيفة.
بل إن منهم من فقد هذه الوظيفة من الأساس في غمار ما أصبحنا نتسامع به من تقليل عدد العاملين في هذه الشركة أو في تلك المؤسسة مهما كان اسمها أو شهرتها وبالآلاف في بعض الأحيان من أجل تخفيض التكاليف وتضخيم الأرباح.
والمعنى بداهة - من مثل هذه النماذج هو أن السوبر رأسمالية بكل تطوراتها الجذرية وبكل استخداماتها المبهرة لأحدث تكنولوجيات العصر، أدت من ناحية إيجابية إلى تمكين المستهلك من خيارات أوسع وصفقات أفضل وأسعار أقل، وهذا أمر طيب.
في كل حال، ولكنها أدت من ناحية سلبية إلى أن تتم هذه التسهيلات والايجابيات على حساب فئات شتى من العمال والموظفين الذين لم تجد مؤسساتهم مناصا، إما من خفض رواتبهم أو إلغاء وظائفهم أو تحويل النشاط كله إلى خارج الحدود، ولدرجة أن مضيفة طيران شابة اضطرت إلى استخدام البيع والشراء بالآجل لكي تحصل على أبسط أنواع الطعام.
بل أن هذه السلبيات أدت السوبر رأسمالية إلى الانتقال بها عبر الحدود، والمشكلة - وربما المأساة أن تصدير هذه السلبيات لم يقتصر على مجرد الأجور أو الوظائف بل تعدى الأمر إلى أضرار بيئية فادحة أصابت أقطار العالم الثالث التي لا ينقصها أضرار ولا مشكلات.
على صفحة (123) يوضح الكاتب كيف أن رؤوس الأموال الأميركية عمدت إلى امتلاك نصيب ضخم في شركات التعدين التي تقوم باستخراج الذهب من مناجم في جزيرة بابوا الواقعة في المحيط الهادئ، والمشكلة أن الشركة الأمريكية لم تتورع عن إلقاء نفايات هذه المناجم ذات المحتوى السام وبملايين الأطنان في مجرى الأنهار التي تعد مصدرا للمياه والغذاء بالنسبة لسكان تلك المناطق.
ويواصل مؤلفنا الحديث (ص123) قائلا:وبرغم معاناة السكان المحليين، أعلنت الشركة أن إلقاء هذه المخلفات السامة يتم بأساليب وافقت عليها السلطات المحلية. وربما تكون هذه الموافقة - يلمح المؤلف - مرتبطة بمبلغ 20 مليون دولار دفعته الشركة الأميركية ليتم إيداعه في حسابات مصرفية «شخصية» كان يملكها مسؤولون كبار في جيش وشرطة اندونيسيا بين عامي 1998 و2004 على نحو ما أفادت به جريدة «نيويورك تايمز».
ومع هذا كله فمع الارتفاع المتصاعد في أسعار الذهب العالمية، لم يكن المستثمرون الأمريكان في أي عجلة من أمر الخطر المحدق بالسكان المحليين. وقصاراهم أن كانوا في خشية من أن تصدر أحكام ضد شركتهم الأمر الذي يعرض للخطر أسعار الأسهم التي يملكونها.
نفس الظاهرة المستشرية من السوبر - رأسمالية وفي اندونيسيا أيضا ما برحت تخلّف آثارا سلبية. صحيح - يضيف المؤلف - أن العمل في مجال صناعة المنسوجات في جاكرتا أفضل ماليا من العمل في الزراعة الكفافية في أرياف اندونيسيا الفقيرة.
لكن الصحيح أيضا أن أجور عمال النسيج في ذلك البلد الآسيوي ما برحت في تدهور مطرد على مدار السنوات الأخيرة، ذلك لأن الرأسماليين والمستثمرين ومديري وأصحاب الشركات الأمريكية زادوا من حيث «شطارة» التفاوض للتوصل إلى أرخص أجور العمالة والى أفضل الشروط المريحة الملائمة.
لتعظيم عوائد ما يوظفونه من استثمارات، إن عيونهم دوما مركزة على جموع المستهلكين في أسواق أمريكا. ولأنهم حريصون على إرضاء هؤلاء المستهلكين وكسب ودّهم في غمرة المنافسة المشتعلة، فهم يعمدون إلى تخفيض الأسعار، ولا يجدون من سبيل إلى ذلك سوى بتخفيض أجور العمال في تلك الأصقاع البعيدة التي يتم على أرضها الإنتاج الرخيص والأجور الرخيصة ولكن مكتوب عليها أن تعاني آثارا بيئية فادحة الخطورة من حيث تأثيرها على صحة الإنسان والحياة بشكل عام.
اضاءة
إن السوبر - رأسمالية ما برحت تجلب قدرا من الرخاء غير المسبوق في العالم وهذا بحد ذاته إنجاز عظيم لاشك فيه. لكنها في الوقت نفسه تشكل ما يكاد يكون معمل تخمير أو تفريخ لعوامل السخط الاجتماعي لأنها جلبت أيضا تفاقما في حالة اللامساواة حيث أصبحت الوظائف أقل استقرارا، وهجر الناس مجتمعاتهم الأصلية التي شهدت نشأتهم الأولى.
وأدى تصعيد النشاط الصناعي إلى تدهور نوعية الماء والهواء ، هذا فضلا عما أصاب الثقافات العريقة من تآكل وتشويه بفعل تنامي واستشراء النزعات التجارية فضلا عن أن كثيرا من هذه العوامل السلبية جاءت بفعل المستثمرين والمستهلكين في طول العالم وعرضه ومن يخدمهم من مديرين ومخططين ورغم أن كثيرا من هؤلاء وأولئك يشعرون بعمق بوطأة هذه السلبيات الاجتماعية - فذلك أمر لا يمكن بحال أن يمحو حقيقة السلبيات ولا يخفف من وطأتها.
و أخطر تلك السلبيات هي حالة فقدان الثقة في جدوى الديمقراطية وثمارها، فمنذ 35 عاما أو نحوها كان معظم الأميركيين يتصورون أن حكومتهم الديمقراطية تعمل من أجل مصلحة الناس جميعا. ولكن في السنوات الأخيرة لوحظ أن هذه الثقة أخذت تتآكل باطراد حتى باتت الأغلبية العظمى تتصور أن أمور الحكم تدار بواسطة بضع مصالح عملاقة لا يهمها إلا نفسها.

