غالباً ما تبرز خلافات هؤلاء المؤرخين واختلافات اجتهاداتهم، وفق ما تمليه عليهم مرجعياتهم الفكرية والسياسية، أو وفق ما تقودهم إليه أهواؤهم وأمزجتهم. أما الذين اصطلح، في الأدبيات السياسية عند أهل اليسار، خصوصاً، قديماً وحديثاً، أعني الشعوب، بأنها صانعة التاريخ، فهم المغيبون دائماً، رأياً ودوراً، في تقويم تلك الأحداث، حتى حين يكونون قد دفعوا في تلك الأحداث أبهظ الأثمان من حياتهم، ومن أرزاقهم، ومن مستقبلهم.
وتشير الوقائع التاريخية، القديمة والحديثة، إلى أن الشعوب، الملقبة بصانعة التاريخ، كانت دائماً تدفع تلك الأثمان الباهظة، من دون أن يكون لها رأي فيما تدفع إليه، وفيما تقوم به، وفيما يلحق بها من كوارث. إذ كان يحصد نتائج تضحياتها، في الإيجاب خصوصاً، وفي السلب في بعض الأحيان، سادة تلك الشعوب وقادتها، العظام منهم والصغار، والمغامرون منهم، على وجه الخصوص. ما قصدت إليه في هذا الاستطراد حول الأحداث لا يرمي، فقط، إلى تبرئة الشعر من دور الحكم في الأحداث. فالشعر، في كل الأحوال، بريء من تلك التهمة. بل قصدت، في الأساس، التذكير، مجرد التفكير، بما ارتبط بأسماء كبار شعراء العصور القديمة والحديثة، من ملاحم، وما يشبهها، قدم فيها هؤلاء الكبار، بلغة الشعر وبصيغه المتعددة، كل منهم على طريقته، وفي عصره، ما رآه، من وجهة نظره الشعرية، صورته هو لأحداث زمانه، وتعبيره هو عن ذاته، وعن الذات العامة لشعبه.
فمجدوا أحداثاً كانوا يرون، في قراءتهم لها، أنها تستحق التمجيد والتخليد بالشعر. وطعنوا بشرعية أحداث أخرى، وأبرزوا كل عناصر القبح والزيف فيها، وجعلوها عارية، خالدة في عريها، على امتداد التاريخ. ولا أدعي المعرفة بالآثار العظيمة لهؤلاء الكبار الخالدين من شعراء العصور القديمة والحديثة، بمن فيهم كبار شعرائنا العرب. وهم كثر.
وأعمالهم خالدة، محصنة بعظمتها ضد النسيان. لكنني أود أن أذكر من بين هؤلاء الكبار في العصور القديمة، على سبيل المثال لا الحصر، أسماء: هوميروس ودانتي وغوتة وهيغو ورامبو وبوشكين وشيلي وشيلر وطاغور وماياكوفسكي ولوركا وأراغون ونيرودا وحكمت وحمزاتوف وسنغور.
وأذكر من بين كبار هؤلاء في العصور العربية القديمة والحديثة، على سبيل المثال لا الحصر: امرؤ القيس والمتنبي وأبو العلاء المعري وأحمد شوقي وشاكر الجواهري متنبي القرن العشرين، كما يحب أن يصف نفسه، سيرة شخصية، وشعراً، ومركزاً له في عالم الشعر المعاصر.
لقد اخترت من بين هؤلاء الكبار، لغرض في النفس، يتصل بذاكرتي وبذاكرة آخرين من أبناء جيلي، اخترت الجواهري، بالذات، صاحب ثلاث قصائد متصلة بأحداث ثلاثة، لها في ذاكرتي مكان قائم يستعصي على النسيان.
ولاختياري الجواهري بالتحديد، ولاختيار تلك الأحداث المتقاربة فيما بينها في الزمن، صلة بما اتصف به الجواهري، في كونه شاهداً بالشعر على عصر امتدت فيه حياته مائة عام. فوصل، في عمره المديد هذا، بين قرنين، بين نهاية الأول ونهاية الثاني، هما القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إذ حفلت مجموعته الشعرية الكاملة بملاحم تشكل، في نظري، شاهداً وشهادة على عصر بكامله.
للقصائد الثلاث التي هي موضوع حديثي تواريخ ثلاثة: التاريخ الأول، المتصل بالحدث الأول، هو عام 1948. وهو العام الذي انتفض فيه الشعب العراقي ليسقط معاهدة «بورتسماوث»، المعاهدة التي كانت بريطانيا تريد تكبيل العراق بها. فما أشبه اليوم بالبارحة! وسقطت تلك المعاهدة. وانتصر الشعب على المستعمرين القدامى، وعلى الذين كانوا يحكمون بلده باسمهم، وباسم مصالحهم المتعارضة مع مصالح الوطن والشعب.
وسقط العديد من الشهداء في تلك الانتفاضة التي أعطاها الشعب العراقي صفة واسم «الوثبة». التاريخ الثاني، المتصل بالحدث الثاني، هو العام 1949. وهو العام الذي انتكست فيه وثبة الشعب العراقي المشار إليها، وغصت فيه سجون العراق بالديمقراطيين والوطنيين.
التاريخ الثالث، المتصل بالحدث الثالث، هو العام 1950. وهو العام الذي شهد انتكاسة عهد الاستقلال في لبنان. وهو العام الذي ساد فيه الاستبداد والفساد، في أعقاب التمديد لرئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري لولاية ثانية، ضد الدستور، وبواسطة برلمان كانت قد زورت الانتخابات للإتيان به مطواعاً من أجل تنفيذ تلك المهمة السوداء في تاريخ لبنان الحديث.
ماذا تقول تلك الأحداث؟ وماذا يقول الجواهري فيها؟ وما هي مادة القول الشعري، موقفاً سياسياً وتعبيراً شعرياً، باللغة وبالموسيقى وبالصور وبالمشاعر، في كل من تلك الأحداث المشار إليها، في تواريخها المحددة؟
عنوان الحدث الأول هو انتفاضة الشعب العراقي، أو ما صار يعرف بالـ «وثبة». انتصر الشعب على جلاديه، وسقطت المعاهدة. لكن الثمن كان باهظاً. وكان من بين شهداء «الوثبة» شقيق الجواهري، جعفر، لذلك كان عنوان القصيدة هو «أخي جعفر»، كان ذلك في شهر فبراير (شباط) 1948.
وكان الحشد في منطقة «الحيدرخانة» في وسط بغداد، كبيراً، وغير مسبوق في تاريخ العراق السابق على ذلك التاريخ. وكان على الجواهري أن يقف في شرفة جامع «الحيدرخانه» ليلقي قصيدته. وكنت، برفقة حسين مروة ومحمد شرارة ومع بعض الوجوه الوطنية العراقية، ممن اختيروا ليكونوا مستمعين للجواهري داخل الجامع، أي خارج صفوف ذلك الحشد الشعبي الكبير.
وما أن أطل الجواهري لإلقاء قصيدته حتى هبت عاصفة من التصفيق والهتاف، لا يزال رنينها قوياً في مسامعي، وفي العميق من مشاعري، وفي ذاكرتي التي لا تزال تحتفظ بالأساسي من شبابها. وللجواهري في إلقائه نمط يدخل في نسيج شعره. لنقرأ بعض الأبيات من تلك القصيدة، الشاهد بالشعر وبالشاعر، على ذلك الحدث:
أتعلم أم أنت لا تعلم
بأن جراح الضحايا فم
فم ليس كالمدعي قولة
وليس كآخر يسترحم
يصيح على المدقعين الجياع
أريقوا دماءكم تطعموا
أتعلم أن رقاب الطغاة
أثقلها الغنم والمأثم
وأن بطون العتاة التي
من السحت تهضم ما تهضم
وأن البغيّ الذي يدعي
من المجد ما لم تحز «مريم»
ستنهدّ إن فار هذا الدم
وصوّت هذا الفم الأعجم
أخي «جعفراً» لا أقول الخيال
وذو الثأر يقظان لا يحلم
ولكن بما ألهم الصابرون
وقد يقرأ الغيب مستلهم
أرى أفقاً بنجيع الدماء
تنوّر، واختفت الأنجم
وحبلاً من الأرض يرقى به
كما قذف الصاعد السلّم
أما عنوان الحدث الثاني فهو نقيض، في الوقائع، للحدث الأول. إذ هو يؤرخ للانتكاسة التي لحقت بالوثبة، وبالانتصار الكبير الذي حققته، الانتكاسة التي جعلت كل تلك التضحيات تذهب هباء. إذ عاد القمع والاستبداد إلى سابق عهدهما. وعادت رموزهما إلى مواقعها القديمة. وغصت السجون بالمناضلين، من دون تفريق بين يسار ويمين، وبين سياسي ومثقف. سيق الجميع إلى السجون. وسيق آخرون إلى أعواد المشانق.
في تلك الفترة السوداء بالذات دعي الجواهري إلى المشاركة بتكريم صديقه د. هاشم الوتري عميد كلية الطب. وهو الاحتفال الذي أقيم في شهر يوليو من العام 1949 في نادي المسبح، في الكرادة الشرقية، الضاحية الجنوبية الشرقية للعاصمة بغداد في ذلك الزمان.
وكان الحضور يجمع كل أهل الحكم.. وكان في مقدمتهم الملك الشاب فيصل الثاني، وخاله عبد الإله، الوصي على العرش، والحاشية الملكية من كل المستويات والمواقع. ذهبت برفقة الجواهري إلى ذلك الاحتفال مع صديقين لي وله هما عزيز جعفر أبوالتمّن وناجي جواد الساعاتي. وجلسنا معاً حول طاولة كانت مخصصة للجواهري.
وحين جاء موعد إلقاء القصيدة هبّ الجواهري حاملاً معه قصيدته ومشاعره ومواقفه ودمه على كفه. ألقى قصيدته بجرأة نادرة، وعاد إلى حيث كنا بانتظاره.. عاد متوتراً، ومزق الأوراق التي ضمت القصيدة، ورمى الممزق تحت طاولتنا المشتركة. وساد صمت بيننا. وساد وجوم في الساحة، ثم تابع الاحتفال مراسيمه. لنقرأ بعض الأبيات من تلك القصيدة، الشاهد، بالشعر وبالشاعر، على الحدث الثاني:
حدّث «عميد الدار» كيف تبدلت
بؤراً قباب كن أمس مَحاربا
كيف استحال المجد عاراً يتقى
والمكرمات من الرجال معايباً
ولم استباح «الوغد» حرمة من سقى
هذي الديار دماً زكياً ساربا
رحلة مع السجون
استقبلنا، نحن الثلاثة، الجواهري وهو عائد إلى موقعه حول طاولتنا المشتركة، استقبلناه بفرح واعتزاز غير معلنين. ثم انتظرت قليلاً، وانحنيت، كمن يريد معالجة ألم في ساقه، وجمعت الأوراق الممزقة، ووضعتها في جيبي. ثم غادرنا الاحتفال بالطريقة التي جئنا بها إليه.
وقادنا عزيز أبو التمن كلاً منا إلى منزله. وانتظرنا ما سيأتي به صباح اليوم التالي. ولم يفاجئنا خبر اعتقال الجواهري. فذهبنا إلى زيارته نحن الثلاثة، في الغرفة التي كانت مخصصة له في السجن. ثم غادرت العراق، بعد ذلك الحدث بأيام معدودات، إلى لبنان، قبل أن يخرج الجواهري من سجنه. لكن الجواهري سرعان ما خرج من السجن لعدم وجود نص مكتوب يدينه.
غير أن الجواهري لم ينتظر طويلاً ليعود إلى السجن من جديد. ذلك أنني، كنت قد أعدت، مع نسيبي حسين مروة في بيروت، القصيدة إلى وضعها الطبيعي، ونشرناها في الصفحة الأولى من صحيفة لبنانية مقروءة جداً، هي «التلغراف». فوصل النص الذي يدين الجواهري إلى السلطات العراقية عبر سفارة العراق في لبنان. وأعيد الشاعر إلى السجن.
وكنت أنا السبب في ذلك. لكن الجواهري لم يقض في السجن فترة طويلة. فحكم ذلك الزمان برغم قسوته كان أكثر احتراماً للشعر، وللشعراء، من أولئك الحكام الذين ادعوا، في الأزمنة اللاحقة، أنهم الناطقون، من دون سواهم، باسم الحرية والاشتراكية والتقدم. وكانوا طغاة مستبدين، قاهرين لشعوبهم بأسوأ ما عرف في التاريخ من أشكال للقهر وللإذلال ولتدمير الحياة.
كان الحدثان الأولان حدثين عراقيين. لكن الحدث الثالث كان هذه المرة لبنانياً. ولم تكن تربطه بالعراق صلة، إلا ما كان يعتبره الجواهري تذكيراً، ولو بصورة غير مباشرة، بما كان قد حدث في العامين السابقين في بلده العراق. يومها دعي الجواهري للمشاركة في احتفال تكريمي للزعيم الوطني اللبناني أحد أبطال الاستقلال، عبدالحميد كرامي، في الذكرى الأولى لوفاته.
وكان ذلك في ربيع عام 1950. أقيم الاحتفال في «سينما روكسي» في العاصمة بيروت، السينما التي كانت تقع في المنطقة الجنوبية العليا من ساحة الشهداء، التي صارت تحمل اليوم اسم وصفة ساحة الحرية، بعد انتفاضة الاستقلال في عام 2005، التي جاءت استنكاراً لاغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، وإعلاناً عن بدء المعركة من أجل استعادة لبنان استقلاله وحريته وسيادته وسلامه الأهلي.
صعد الجواهري ليلقي قصيدته وسط استقبال استثنائي. وكان في مقدمة ذلك الحضور أهل الحكم جميعاً. وكنت، للمرة الثالثة، شاهداً على حدث يتصل بدور أساسي للجواهري في جعله دائم الحضور في الذاكرة. لنقرأ بعض الأبيات من تلك القصيدة، الشاهد، بالشعر وبالشاعر، على ذلك الحدث:
باق - وأعمار الطغاة قصار -
من سفر مجدك عاطر موّار
عبد الحميد وكل مجد كاذب
إن لم يصن للشعب فيه دمار
والمجد أن تهدي حياتك كلها
للناس لا برم ولا إقتار
والمجد أن يحميك مجدك وحده
في الناس.. لا شرط ولا أنصار
والمجد إشعاع الضمير لضوئه
تهفو القلوب وتشخص الأبصار
والمجد جبار على أعتابه
تهوي الرؤوس..ويسقط الجبار
لم يستطع أهل الحكم أن يغفروا للجواهري جرأته في قول ما كان يؤمن به، وما كان يعبر عن مشاعره هو كعراقي، وعن مشاعر أشقائه في لبنان. وكان الجواهري من محبي لبنان إلى حد العبادة. وقال في لبنان بعضاً من أجمل شعره. اتخذت السلطات على الفور قراراً بإبعاده إلى خارج الحدود، فذهب حزيناً.. وظل حزنه ذاك يرافقه على امتداد عمره.
وظل يعتب عليّ، وعلى أصدقائي ورفاقي في الحزب الشيوعي اللبناني وفي الحركة الوطنية اللبنانية، لأننا لم نكن قادرين على حمايته من ذلك القرار التعسفي، رغم أنه عاد إلى لبنان مرات عديدة، وشارك في احتفالات، وحل ضيفاً على أهل الثقافة، وكبار الشعراء، الذين احتفوا به كما يحب هو، وكما يستحق.
وكان آخر احتفاء به في الذكرى الأولى لوفاته في العام 1998، عندما أقمنا له احتفالاً كبيراً شارك فيه كبار مثقفي لبنان والعالم العربي، كان في مقدمتهم شاعر لبنان الكبير سعيد عقل. تلك هي القصائد الثلاث، وتلك هي الأحداث الثلاثة المتصلة بها، وذلك هو الشاعر الكبير صاحب تلك القصائد الملحمية محمد مهدي الجواهري، متنبي القرن العشرين.
الشاعر يقرأ الحدث بكل حواسه
في تاريخنا العربي، وفي تاريخ جميع الشعوب، منذ أن صار للبشرية تاريخ، أحداث كبيرة وصغيرة، استمدت قوة بقائها حية في الذاكرة الفردية والجماعية، من خلال دخول الشعر فيها، تمجيداً لبعضها، وسخرية واستهزاء وطعناً بشرعية بعضها الآخر.
لكن الشعر، بهذا المعنى وبهذا الدور، لم يكن يحمل، ولا هو حمّل، صفة ودور الحكم، درساً وتقويماً وحكماً على تلك الأحداث، في الإيجاب أوفي السلب. كلا. فليست تلك مهنة الشعر. ذلك أن مهنته، أو حرفته، هي أرقى من ذلك، وأجمل، وأقرب إلى طبيعته.
فالشاعر يرى إلى الحدث بعيون مختلفة. ويستخدم، في قراءته للحدث كل حواسه، التي يشترك فيها مع الناس جميعاً، مضافة إليها حواس أخرى غير مرئية وغير محسوسة يتميز عن الآخرين بامتلاكها وباستدعائها عندما تقتضي ذلك الضرورة الشعرية.
فيقول في الحدث الذي ينجذب إليه ما لا يقوله فيه سواه. يقوله بلغة الشعر السرية، التي هي وحدها لغته، حتى وإن جاءت في بعض نماذج منها، شبيهة بما يقوله وينطق به أصحاب المهنة الأساسية في قراءة الأحداث.
وهؤلاء هم أهل السياسة، سادة الشعوب وقادتها، المختارون لذلك الموقع، طوعاً ومن دون وعي من قبل من يساقون إلى لعبة الانتخابات، حين تكون ضرورية، والسادة المفروضون بالقهر وبالعسف لاحتلال ذلك الموقع.
هؤلاء القادة والسادة، من أصحاب الأفكار والمشاريع والمصالح، الصحيح منها والمزيف، الكبير منها والصغير، الراهن منها والمستقبلي، إذ يتصدون لتقويم تلك الأحداث في راهنتها فور وقوعها، فإنهم يعطونها الصفة التي تمليها عليهم في تحديدها مصالحهم والمشاريع والأفكار التي ينتمون إليها.
لكن أصحاب المهنة الأصليين في تقويم أحداث التاريخ هم الذين يطلق عليهم اسم المؤرخين، الذين تمتلئ كتب التاريخ باجتهاداتهم في قراءة الأحداث، حين تدخل تلك الأحداث في الزمن، وتصبح، أو تكاد، نسياً منسياً.

