عاد مفاعل ديمونة الإسرائيلي إلى واجهة الأحداث خلال الأيام الماضية، وذلك مع التصعيد الغربي الصهيوني ضد المنشآت النووية الإيرانية، فقد نشر مؤخراً أن إيران قامت بتوجيه صواريخها باتجاه ديمونة، تمهيدا لقصفه، إذا ما أقدمت إسرائيل على تهديداتها بقصف إيران.
وكانت المناسبة الثانية قيام ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي بزيارة لديمونة تفقد فيها المفاعل النووي. وكأنها رد على إيران.ويعتبر مفاعل ديمونة عماد البرنامج النووي الإسرائيلي، وبه ارتبط امتلاكها لهذا السلاح، وبه أيضاً ارتبط تاريخ التواطؤ الغربي والتساهل العربي معها، وبه أيضاً ارتبط تساهل المؤسسات الدولية إزاء امتلاك إسرائيل للسلاح النووي. وهكذا يمكن اختصار التاريخ النووي الإسرائيلي بمجمله في ديمونة، رغم انه لم يعد الإسرائيلي الوحيد. وعلى الرغم من هذا الدور البارز الذي لعبه مفاعل ديمونة في تاريخ إسرائيل، وفي المنطقة العربية والعالم، إلا أن المفاعل لا يزال مجهولا، ليس للعالم فحسب، بل للإسرائيليين أنفسهم، فالمفاعل أقيم وعمل ـ ولا يزال ـ وسط سرية كاملة، فهو كالشبح، لا يظهر منه سوى قبته الشهيرة.
أما الجزء الأعظم منه فهو كجبل الجليد، يمتد تحت الأرض في غموض حكم السياسة النووية الإسرائيلية على مدى نحو ستين عاما. هذا الغموض لم يخل أحيانا من اختراقات داخلية ودولية، لكن هذه الاختراقات لم تنجح في إجبار إسرائيل على الكشف عن مكنوناتها النووية المرة الوحيد التي سمع فيها العالم وشاهد ما يجرب في ديمونة كانت عام 1986، عندما صدمت صحيفة ال«صنداي تايمز» البريطانية العالم بشهادة مصورة قدمها موردخاي فعنونو ويومذاك فقط تأكد العالم أن إسرائيل صارت دولة نووية، تمتلك كما قال مابين مئة إلى مائتي سلاح نووي.
ما كشفه فعنونو، أكده مؤخراً الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، ما يعني أن الغموض النووي الإسرائيلي صار يتكشف تدريجيا رغم أنف إسرائيل، حتى ولو كان ذلك يحدث على يد سياسي عجوز ومتقاعد، لأن هذا السياسي كان يوما رئيسا للولايات المتحدة، وكانت إسرائيل مفتوحة أمامه يقرأ أسرارها وخفاياها كل يوم.
وهو ما يعطي لتصريحاته مصداقية ودقة تستدعي من العرب البحث عن سبل مواجهة النووي الإسرائيلي وكشف المستور فيه. وليس كما جرت العادة باتباع طريق المناشدات الدولية، وإنما باتخاذ خطوات غير تقليدية أقلها الانسحاب من اتفاقية حظر الانتشار النووي، وأعظمها امتلاك السلاح النووي فعلا.
وبأي وسيلة ممكنة، حتى ولو كانت غير مشروعة دوليا، فهكذا امتلكت إسرائيل سلاحها النووي المسلط فوق رقابنا، وكأننا خراف تنتظر الذبح، في معركة قادمة يسميها اليهود هرمجدون، أما نحن فلم نخترع لها اسما بعد.
من وقت لآخر تتعرض سياسة الغموض النووي الإسرائيلي لضربات داخلية وخارجية. داخليا مثلما حدث على يد الخبير الفني موردخاي فعنونو، وعلى لسان رئيس الوزراء إيهود أولمرت. وخارجيا مثلما جرى مؤخرا من جانب الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، ووزير الدفاع الأميركي الحالي روبرت غيتس.
لكن على الرغم من ذلك لم تتزحزح إسرائيل عنها كاستراتيجية ثابتة لسلاحها النووي، إذ لم يتدخل أحد عربيا أو دوليا لإجبارها على غير ذلك. ارتبطت سياسة الغموض النووي ببدايات المشروع الإسرائيلي، أي منذ إنشاء مفاعل ديمونة، ذلك المفاعل الذي أنشئ في صفقة سرية بين فرنسا وإسرائيل، كمكافأة فرنسية لتل أبيب على مشاركتها في العدوان الثلاثي ضد مصر. فعند إنشاء المفاعل ادعت إسرائيل أنها تقيم مصنعا للنسيج، ولكن أمام تصاعد الشكوك والضغوط الداخلية اضطر ديفيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل في نهاية العام 1960، أن يعترف أمام الكنيست بأن الحكومة تقيم مشروعا نوويا للأغراض السلمية. وكان هذا أول إعلان بتوجه إسرائيل نحو الطاقة النووية، من دون الكشف عن أبعاده الحقيقية.
ومنذ ذلك الحين صارت سياسة الغموض النووي استراتيجية إسرائيلية ثابتة تبنتها كافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لكنها تبلورت عمليا على يد شمعون بيريز ثم ليفي أشكول. ففي العام 1963 كان شمعون بيريز يزور الولايات المتحدة الأميركية بصفته المدير العام لوزارة الدفاع. وفوجئ باستدعاء إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس جون كينيدي، وخلال اللقاء عاجله كينيدي بالسؤال عن مدى التزام إسرائيل بحظر الانتشار النووي، فرد بيريز تلقائيا: (إن إسرائيل لن تكون الأولى في إدخال السلاح النووي إلى المنطقة)، وصار اعتماد هذه العبارة بندا ثابتا في السياسة الإسرائيلية. إلا أن ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (1963-1969) أضاف إلى هذه الجملة (ولن تكون أيضا الثانية). ما يعني أن كافة الخيارات مفتوحة أمامها.
وتعتمد سياسة الغموض النووي على عدم الإعلان وعدم النفي في آن واحد، بشأن امتلاك أو عدم امتلاك السلاح النووي. وتمثل هذه السياسة حالة مثلى لكل القوى الدولية، وهي تتعامل مع السلاح النووي الإسرائيلي، خاصة الولايات المتحدة، فالتعهد الذي قدمه بيريز إلى كينيدي مثّل التزاما إسرائيليا أميركيا حتى اليوم، تقوم إسرائيل بمقتضاه بتحقيق طموحاتها النووية دون الإعلان عن ذلك رسميا، لأن الإعلان من شأنه ان يدفع الدول العربية إلى سباق تسلح نووي.
وهذا الالتزام بسياسة الغموض ـ يراه بعض المحللين ـ موجها للولايات المتحدة بشكل أساسي، وليس للعرب. لأن التزام هذه السياسة يمثل عامل استقرار إلى جانب كونه عامل ابتزاز، كلما واجهت إسرائيل موقفا عسكريا أو سياسيا معقدا، وذلك لإجبار الولايات المتحدة على التحرك من أجلها.
ومن ذلك تحريك قنابلها النووية وتحميلها على الطائرات بشكل معلن ومكشوف يسهل رصده، ابان حرب أكتوبر 1973، بعدما تأكدت من عدم قدرتها العسكرية على صد الهجمات المصرية والسورية. وهنا تحركت واشنطن سريعا بحجة إنقاذ الموقف، وقامت بإمداد إسرائيل بجسر جوي سريع محمل بأحدث ما في الترسانة العسكرية الأميركية.
واليوم يتكرر نفس السيناريو مع البرنامج النووي الإيراني. فإسرائيل تجري المناورات وتهدد بضرب إيران، وبأنها سوف تمحوها من الوجود، كل ذلك للضغط على واشنطن لتبني الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية ضد إيران.
وما ينطبق على العلاقات الإسرائيلية الأميركية يحدث أيضا تجاه الدول الغربية بصيغ متفاوتة، حسب درجة القوة وأولوية المصالح، خاصة وأن البرنامج النووي الإسرائيلي رغم ما حققه من انجازات على صعيد امتلاك السلاح النووي (مابين مئة وخمسين إلى مئتي قنبلة) لا يزال بحاجة مستديمة إلى الدعم العلمي والتكنولوجي الخارجي، فيما يتعلق بالأسلحة الناقلة من طائرات وصواريخ وغواصات.
وترتكز سياسة الغموض النووي، على عدة آليات متنوعة عسكريا ودبلوماسيا وسياسيا وإعلاميا:
على الصعيد العسكري: لم تعلن إسرائيل عن إدخال السلاح النووي إلى الخدمة العسكرية، على غرار ما قامت به الدول النووية الخمس الكبرى ومعهما باكستان والهند.
ولم تهدد رسميا وبشكل معلن بأنها سوف تلجأ إلى هذا السلاح. لكن ذلك لم يمنع صدور بعض تهديدات منفردة، ومن ذلك تهديدات افيغدور ليبرمان الوزير السابق ورئيس حزب إسرائيل بيتنا، الذي دعا إلى ضرب السد العالي بقنبلة نووية. وهذه التصريحات لم تقابل باستنكار رسمي في إسرائيل، إذ تم توظيفها في سياق سياسة الغموض. وحتى عندما اتهمت إسرائيل إعلاميا بالاشتراك مع جنوب افريقيا العنصرية في إجراء تجربة نووية لم تؤكد ولم تنف.
لكن هذه السياسة لم تمنع إسرائيل من تطوير قدراتها التسليحية بالتركيز على الأسلحة القادرة على حمل الرؤوس النووية، كالغواصات والطائرات والصواريخ المتوسطة، وهي أسلحة تستورد معظمها من الخارج وتحديدا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ويحمل اقتناء هذه الأسلحة رسالة بامتلاكها للنووي. وإلا فما الحاجة لاقتناء مثل هذه الأسلحة؟
وعلى الصعيد الدبلوماسي: انضمت إسرائيل إلى عضوية الوكالة الدولية للطاقة النووية شأنها في ذلك شأن أي دولة، للإيحاء بأن عضويتها تأتي في إطار الاستفادة من المجالات السلمية للطاقة النووية، لكن حينما تعلق الأمر بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، رفضت التوقيع، كما رفضت الكشف عن برامجها النووية. أو السماح للوكالة الدولية بتفتيش منشآتها.
وساعدها على ذلك مساندة الولايات المتحدة والقوى الكبرى. وفي المقابل مارست هذه القوى ضغوطا على الدول العربية لإجبارها على التوقيع، بل وإخضاعها للتفتيش الدوري. وهو ما يكشف حجم التواطؤ الدولي، والتراخي العربي، أمام النووي الإسرائيلي. ولهذا كان ما فعله موردخاي فعنونو أكبر وأقسى لطمة توجه إلى إسرائيل، فقد استطاع هذا التقني الإسرائيلي أن يفضح أسرار الوحش الغامض من داخله.
وعلى الصعيد السياسي: كان ايهود أولمرت رئيس الوزراء أول مسؤول إسرائيلي يعترف ضمنا بامتلاك السلاح النووي، وذلك خلال زيارة له إلى برلين، ففي حديث للتلفزيون الألماني أجرى معه يوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2006 أكد أولمرت «أن لا خوف من الدول الديمقراطية التي تمتلك السلاح النووي وعدّ إسرائيل من بين هذه الدول».
هذا التصريح على النحو الذي أعلن به اعتبر داخل إسرائيل نفسها خرقا لسياسة الغموض. وظهرت مطالب تدعوه إلى الاستقالة، لكن الأمر فسر بعد ذلك على انه زلة لسان لا أكثر، لكن الرسالة وصلت إلى الأطراف المعنية، فقد جاءت لمحاولة استرداد هيبة إسرائيل المهدورة في حرب لبنان في يوليو 2006. والمؤسف أن الغرب تعمد التغاضي عن التصريحات، بينما ابتلع العرب الأمر بسلام.
على الصعيد الإعلامي: لا تتوقف إسرائيل كثيرا أمام ما يتردد سياسيا وإعلاميا عن سلاحها النووي، بل توظفه لحسابها. وهذا ما فعلته مع تصريحات الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في 26 مايو الماضي، والتي أدلى بها في ويلز.
وكشف عن امتلاك إسرائيل لنحو مئة وخمسين سلاحا نوويا. حاولت إسرائيل التقليل من الأمر وتصويره على انه انتقام شخصي بسبب المعاملة التي لقيها في إسرائيل لموقفه من حركة حماس. رغم خطورة تصريحات كارتر، فهو رئيس أميركي سابق أهله موقعه من الاطلاع على هذه المعلومات.
ولم يكن كارتر أول مسؤول أميركي يعترف صراحة بامتلاك إسرائيل للنووي، فقد سبقه روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي، عندما تحدث أمام إحدى لجان الكونغرس في ديسمبر 2006. موضحا أن إيران تسعى للنووي، لأنها محاطة بدول تمتلكه. وذكر إسرائيل من بينها.
ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسة لوقت طويل رغم ما تتعرض له من تآكل عاما بعد عام، ذلك انه لم تحدث متغيرات تجبر إسرائيل على غير ذلك، فحتى الآن لم تتمكن دولة عربية من تهديد إسرائيل نوويا. كما أن السياسة العربية المعتمدة الآن تسقط خيار الحرب.
إلى جانب ذلك يرفع العرب في عمومهم شعار إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي، وهو ما يريح أعصاب إسرائيل ويطمئنها. وفي ذات الوقت لم يضغط العرب بالشكل الكافي لإخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش الدولي. ولكل هذه الأسباب ليس هناك ما يقلق إسرائيل بشأن تغيير سياساتها النووية المعتمدة منذ نصف قرن وأكثر.
ومن هذا المنطلق فإن الدعوات التي تصدر من داخل إسرائيل بين الحين والآخر، بشأن التخلي عن سياسة الغموض النووي لا تجد من يعيرها اهتماما، لأن لا جديد في الأفق يحمل إسرائيل على فعل غير ما تريد، فسياسة الغموض تحقق لها كل أهدافها، من حيث تخويف العرب، ومن حيث الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها أمام الولايات المتحدة، فغير ذلك يعني إطلاق سباق تسلح نووي، لن يقدر احد على إيقافه. ومن هنا يتبين ان الغموض سياسة تحظى برضى عربي وعالمي.
فعنونو
يوم شعر العالم بالصدمة
موردخاي فعنونو ولد في عام 1954، لأسرة مغربية يهودية. هاجرت إلى إسرائيل سنة 1963. والتحق بالعمل في مفاعل ديمونة في قسم إنتاج المواد اللازمة لصناعة القنابل النووية. وخلال مرحلة متأخرة من حياته درس الفلسفة وصار من المتعاطفين مع المعاناة الفلسطينية.
ومن خلال عمله في ديمونة اطلع على كثير من الأسرار، وتبين له أن إسرائيل تمتلك أكثر من مئة رأس نووي. فجمع العديد من المعلومات والصور وتوجه بها إلى صحيفة الـ (صنداي تايمز) التي صدمت العالم بما حملته من معلومات.
بعد أيام اختطف الموساد فعنونو من ايطاليا، وتم ترحيله إلى تل ابيب، حيث حوكم بالسجن ثمانية عشر عاما. قضى منها احد عشر عاما في زنزانة انفرادية، ورغم قضائه العقوبة ترفض إسرائيل السماح له بالسفر خارجها.
هكذا يتحدث الغرب
استئساد أوروبي وتراخ عربي
عندما تحدث اولمرت عن السلاح النووي الإسرائيلي، جاءت ردود الفعل الدولية باهتة جدا، فقد دعت أوروبا على لسان خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية بإخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي دون ذكر إسرائيل بالاسم. الآن يصول سولانا ويجول ضد إيران، ويحمل إليها حوافز ويفرض مع شركائه الأوروبيين عقوبات ضد مصارفها ومؤسساتها وعلمائها.
وليته فعل بعضا من ذلك ضد إسرائيل، ولكن لماذا يفعل والعرب صامتون، فهل يكون سولانا عربيا أكثر من العرب؟
ولقد كان رد الجامعة العربية على أولمرت، الاكتفاء بدعوة الأسرة الدولية ومجلس الأمن الدولي إلى ممارسة الضغط على إسرائيل، من خلال فتح منشآتها النووية أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش عليها. ورغم أن هذه الدعوة صدرت منذ ما يزيد على العام والنصف، إلا أن شيئا لم يتغير، فلا مجلس الأمن اجتمع ولا المنشآت الإسرائيلية فتحت للتفتيش.
أحمد الكناني


