لا حديث في تونس هذه الأيام سوى عن انعقاد مؤتمر «التحدي» للحزب الحاكم، الذي ينتشر أنصاره في مختلف أنحاء البلاد، يملأون المنتديات السياسية ومقاره بما في ذلك المقاهي المجاورة لها بسلسة من النقاشات التي لا تنتهي حول ما سيسفر عنه هذا المؤتمر الذي أعلن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي انعقاده نهاية هذا الشهر تحت شعار: «التحدي».

وهذا الشعار يعبر عن المرحلة الراهنة التي تمر بها تونس في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة في المنطقة، والتي ألقت بظلالها على دول مغاربية عدة لا تعتمد اقتصاداتها على النفط، من ضمنها تونس، ولا تشمل النقاشات الجوانب الاقتصادية فقط.

فالمؤتمر ينعقد أيضا في أجواء من الحراك السياسي والاجتماعي التي تشهدها الساحة التونسية في هذه المرحلة، والتي تتميز باتساع رقعة الحوار الوطني بين مختلف الأطياف السياسية، بما فيها تلك التي تختلف في توجهاتها السياسية مع الحزب الحاكم أو الأحزاب البرلمانية التي يستعد عدد هام منها لعقد مؤتمراته هذا الصيف لصياغة ملامح المرحلة المقبلة، والتي تتميز باستحقاق انتخابي هام، سيظهر في الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تشهدها البلاد السنة المقبلة.

وإذا كان الحزب الحاكم باعتباره المهيمن على الساحة السياسية في البلاد قد بدأ فعلا في التجهيز بالعدة والعتاد والبرامج لهذه المواعيد السياسية الهامة في تونس، فإن الأحزاب الأخرى التي تحاول ترسيخ أقدامها في المشهد السياسي التونسي تحاول بدورها هذا الصيف مستفيدة من انشغال التجمعين بمؤتمرهم، ترتيب بيوتها وتحديد إستراتيجياتها في ضوء التعديلات الدستورية التي تم إقراراها، والتي تركت الباب مواربا أمام قادتها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

إلا أن الحزب الحاكم الذي ينهمك هذه الأيام في انتخاب نواب المؤتمر، وهم من سيتولى تحديد السياسة العامة للحزب، قد سبق هذه الأحزاب بأشواط، فالمؤتمر ينتظر أن يعلن نهاية هذا الشهر ترشيح الرئيس زين العابدين بن علي لولاية خامسة، وهو الإعلان الذي سبقته نداءات من التجمعيين ومن مختلف التشكيلات السياسية التابعة للحزب في مختلف أنحاء البلاد.

ليضع المعارضة بأطيافها أمام امتحان صعب، فلا قدراتها التعبوية ولا برامجها السياسية ولا قياداتها يمتلكون القدرة على منافسة مرشح التجمع القوي الذي يستند وفق المراقبين إلى حزب يفوق عدد أنصاره المليونين، في بلاد تعداد سكانها لا يتجاوز العشرة ملايين نسمة.

وهو ما يعني أن خمس التونسيين ينتمون إلى حزب الرئيس بن علي، إلا أن التشريعات التي أدخلت في السنوات الأخيرة لتفعيل الحراك السياسي في تونس أتاحت للمعارضة السياسية التنافس على ما نسبته عشرين بالمئة من مقاعد البرلمان، وهو ما أفرز فعليا برلمانا تعدديا في تونس، يجلس فيه نواب المعارضة إلى جانب أغلبية التجمع في صيغة توافقية لم يعهدها الحزب الذي جلس مرتاحاً لنحو ثلاثة عقود لا يزاحمه في مقاعده أحدا.

هذا الحسم الذي سيصبح رسميا وبشكل معلن مع نهاية المؤتمر، حيث ستشمل جلسات النواب وعددهم يتجاوز الألفين نائب اختيار الرئيس بن علي للترشح، يفسح الطريق أمام المعارضة للبحث عن فضاء ثان لتحقيق المكاسب السياسية، وهو الانتخابات التشريعية التي تتيح لقوائم المعارضة المنافسة على عدد من المقاعد، وهو ما يعد مقبولا في عرف الأحزاب السياسية الصغيرة التي ما تزال في مرحلة تأسيس فروعها في مدن البلاد الكبرى.

مقابل انتشار واسع ومنظم للتجمع الدستوري الديمقراطي في مختلف أنحاء تونس، بما في ذلك الأرياف والمناطق النائية التي يلعب فيها التجمعيون دورا رئيسيا في تسيير الحياة اليومية للتونسيين ومساعدتهم في قضاء حوائجهم، وبخاصة القضايا الاجتماعية التي يوليها التجمع أولوية قصوى.

ففي المناسبات الهامة التي تمثل عبئا ثقيلا على كاهل الأسر التونسية الفقيرة أو محدودة الدخل وخاصة كل من عيد الأضحى وعيد الفطر والعودة المدرسية وشهر رمضان، يلعب الجناح الاجتماعي للتجمع دورا محوريا، فبات من المألوف في هذه المناسبات مشاهدة عناصر الحزب الحاكم وهم يطوفون في الأحياء والمناطق الشعبية والقرى.

ليقدموا للمحتاجين الخرفان وطرود المساعدات المدرسية والمواد الغذائية، ولعل هذا القرب من واقع التونسيين وهمومهم وفهم تطلعاتهم وحاجياتهم هو الذي جعل الحزب الحاكم الأقرب إلى واقع التونسيين الذين ألفوا قياداته ومنتسبيه وباتوا يشكلون لهم ملاذا للشكوى ولطلب المساعدة في كل شأن من شؤونهم. وهذا الأمر هو ما لم تتمكن أحزاب المعارضة التونسية من بلوغه بسبب اقتصار حضورها على المنتديات النخبوية وعدم نزولها إلى الميدان الذي ما يزال يشكل منذ نحو قرن من الزمن محكا للعمل السياسي في تونس.

وفي خطوة تتزامن مع انتهاء سنة الحوار مع الشباب التي كان الرئيس التونسي دعا إليها منذ شهر نوفمبر الماضي، اتخذ المكتب السياسي لحزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» وهو القيادة العليا للحزب، قرارا بقضي بوجوب ضم شاب وفتاة يمثلون مختلف المناطق أعمارهم لا تزيد عن ثلاثين سنة، وذلك لتعزيز تركيبة اللجنة المركزية للحزب، وهو ما يعني دخول خمسين شابا لقيادة التجمع، وذلك بهدف ضخ دماء جديدة في شرايين الحزب الحاكم وليفتح الطريق أمام بقية الأحزاب السياسية لإدماج الشباب ضمن هياكلها.

وتأتي هذه الخطوة التي تعد غير مسبوقة في تاريخ الحزب في محاولة لتطويق حالة عزوف الشباب التونسي عن العمل السياسي، وهي القضية التي باتت تؤرق القيادة السياسية في السنوات الأخيرة، وباتت تشكل مادة دسمة للنقاشات في المنتديات السياسية.

وذلك في أعقاب ما شهدته تونس نهاية عام 2006 من مواجهات مسلحة بين مجموعة من الشبان السلفيين وقوات الأمن، أسفرت عن مقتل عدد منهم والقبض على عشرات المتورطين الذين قدموا للمحاكمات، ومن شأن هذا القرار أن يفتح نافذة للشباب التونسي لدخول أهم مؤسسة سياسية حزبية في تونس تصاغ من خلالها القرارات المصيرية للبلاد.

وهو ما ستناقشه اللجنة المركزية لحزب التجمع التي ستنعقد بداية من 15 الجاري وتتواصل على مدى أربعة أيام، ستشكل مفصلا مهما للحياة السياسية في تونس للسنوات الخمس المقبلة.. فاللجنة المركزية في اجتماعها المرتقب والأخير قبل انعقاد المؤتمر نهاية هذا الشهر، ستعتمد الوثائق المرجعية للحزب، وهي اللوائح المنتظر إقرارها من قبل المؤتمر.

وبالتالي ستلتزم بها الحكومة خلال السنوات القادمة، ووفق ما قالته مصادر مطلعة لـ «البيان» في التجمع، فإن لجان تفكير ساهمت فيها قيادات الحزب ونخبه هي التي صاغت هذه اللوائح وفق ما تواجهه البلاد من تحديات اقتصادية في المقام الأول.

وتتوزع هذه الوثائق على قطاعات مصيرية مثل الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية والاقتصاد والتنمية الجهوية والمستديمة والشؤون الاجتماعية والتضامن وذوي الاحتياجات الخصوصية والشباب والطفولة والرياضة والتعليم العالي والتكوين ومجتمع المعرفة والثقافة والإعلام والمرأة والأسرة والتكوين السياسي.

وقد تم تصميمها لتتواكب مع دعوة الحزب رئيسه الرئيس زين العابدين بن علي للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن هنا تكمن أهمية هذا الصيف في حياة التونسيين ففيه سيتقرر مصير سياساتهم في السنوات المقبلة.

ومن خلال التركيبة القادمة لقيادة الحزب التي تشهد منافسات حامية على عضوية اللجنة المركزية ستتشكل معالم المرحلة المقبلة التي لن يستأثر فيها الحزب بالحياة السياسية لوحده، خاصة بعد الحراك الذي بدا واضحا في الأشهر الأخيرة في أوساط بعض أحزاب الوسط النشطة، مثل حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي تستعد بدورها لعقد مؤتمرها هذا الصيف، وفيه ستحدد مواقفها من الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية.

نظرة تاريخية

حزب واحد وتسميات مختلفة

في مارس 1920 تأسس أول حزب وطني تونسي تحت اسم «الحزب الحر الدستوري التونسي». وفي العام 1934 خرج من صلبه حزب ثان بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة حمل نفس الاسم عرف بحزب «الدستور الجديد» الذي استطاع أن يكون أبرز حزب سياسي وطني خلال مرحلة التحرير، ويقود البلاد إلى الاستقلال.

وتمكن بذلك من الوصول إلى السلطة في العام 1956 وأعلن النظام الجمهوري في 25 يوليو 1957 وتحول اسمه في أكتوبر 1964 إلى «الحزب الاشتراكي الدستوري»، ثم تحول ثانية إلى اسمه الحالي «التجمع الدستوري الديمقراطي» في مؤتمر الإنقاذ المنعقد في يوليو 1988 وفاز بكل مقاعد مجلس النواب في انتخابات 1989، و48,80 في المئة من الأصوات.

وفي سنوات 1994 و1999 و2004 فاز بكل المقاعد غير المخصصة لأحزاب المعارضة القانونية، وحصل على نسبة فاقت أو قاربت الـ 90 في المئة. وفي الانتخابات البلدية في العام 2005 حصل التجمع على 4098 مقعدا من أصل 4366 في المجالس البلدية. وفاز مرشحه ورئيسه زين العابدين بن علي في الانتخابات الرئاسية لسنوات: 1989 و1994 و1999 و2004 بنسبة فاقت في كل مرة 90 في المئة.

وعقد الحزب خلال العقدين الماضين خمسة مؤتمرات هي: مؤتمر الإنقاذ 1988، ومؤتمر المثابرة 1993، ومؤتمر الامتياز 1998، ومؤتمر الطموح 2003، ومؤتمر التحدي 2008.

مشهد داخلي

الناطق باسم الرئاسة يشخص التحديات

اعتبر وزير الدولة، المستشار الخاص والناطق الرسمي باسم الرئاسة في تونس عبدالعزيز بن ضياء، أن التشغيل (التوظيف) يبقى من أهم التحديات المطروحة داخلياً.

ولم يخف بن ضياء الحرص على المحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين والأجراء ودعمها، وبلهجة فيها الكثير من التفاؤل قال بن ضياء في لقاء جمعه بالقيادات التجمعية في منطقة قرطاج شمالي العاصمة إن الاقتصاد التونسي قادر على مواجهة التحديات المطروحة لكن بشروط.

وعن سياسة الدعم الحكومي التي تنتهجها الحكومة أوضح أنه في نهاية 2008 سيبلغ حجم الدعم المخصص للحبوب 861 مليارا من المليمات مقابل 167 مليارا لدعم الزيت النباتي وأكثر من 2500 مليار لدعم البترول والمحروقات بسبب ارتفاعه الجنوني في السوق العالمية، وهو ما يعني أن الدولة ستدفع في نهاية السنة الجارية حوالي 4 آلاف مليار من المليمات لصندوق التعويض بما يعنيه هذا المبلغ في مجال دعم التنمية وخلق مواطن الشغل.

ودعا بن ضياء التونسيين لتغيير بعض سلوكهم الاستهلاكي مؤكدا أن ما نسبته ما بين 30 و40 في المئة من الخبز المدعوم يلقى في سلات الفضلات، ويستعمل كعلف للحيوانات والأبقار، مشدداً على ضرورة ترشيد الاستهلاك والمحافظة على الاكتفاء الذاتي.

تأشيرة زيارة

خارج المؤلف السياسي

يشكل حزب «التجمع الحاكم» في تونس ظاهرة سياسية في حاجة إلى رصد مفاصلها، لا لكونه الكيان السياسي الأعرق في الساحة العربية من حيث تحمله لأعباء الحكم منذ 1956 تاريخ استقلال البلاد، بل لحساسية المراحل التي مر بها الحزب منذ نشأته في عشرينيات القرن الماضي على يد نخبة من التونسيين على رأسهم الشيخ عبدالعزيز الثعالبي.

وهو فقط للتذكير أول سياسي ومثقف مغاربي يزور دبي في ثلاثينات القرن الماضي، إلى تحوله في الثلاثينات إلى تنظيم يطالب بالاستقلال بزعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه، مع تغيير في السياسات العامة التي باتت تقوم على ما يعرف بالاتصال المباشر بالشعب، وهي المسيرة التي قادت إلى الاستقلال عن فرنسا منتصف الخمسينيات.

لكن هذا الحزب الذي تغير اسمه للمرة الثانية ليصبح «الحزب الدستوري الجديد»، لم يسلم من هزات السياسة الداخلية وحسابات رفاق الثورة والكفاح ليشهد العام 1955 عشية انشقاق قسم البلاد نصفين، ليعود على إثرها وقد استأثر به الزعيم الحبيب بورقيبة وحوله قادته إلى الحزب الواحد والوحيد الذي تولى قيادة مسيرة بناء الدولة في تونس.

وقد عاش الحزب هزات عنيفة وسلسلة من الانقسامات كثيرا ما كانت تعكس حالة الدولة بمختلف مؤسساتها، فحينما يضعف الحزب تضعف معه الدولة والعكس كذلك، وفي كل مرة يعتقد خصومه أنه أوشك على النهاية، فإذا به يبرز بشكل جديد.

فهو في السياسة التونسية كطائر الفينيق الذي ينهض من رماده، مستندا إلى رصيد نضالي لا يفوقه فيه سوى حزب المؤتمر في الهند، وهو ما بات عليه الحزب عشية التغيير الذي عاشته تونس في العام 1987 والذي توقع فيه كثيرون تراجع دوره، وفي أفضل الحالات انسحابه السياسي أمام المشروع الجديد، إلا أن آمال المتوقعين قد خابت أيضا.

فالحزب الذي تحول إلى ،التجمع الدستوري الديمقراطي، تبنى المشروع الجديد، وضخت فيه القيادة دماء جديدة بنفس القدر الذي شهد فيه تطويرا في خطابه السياسي وفي منطلقاته الفكرية، مع الوفاء لروح المناضلين والمؤسسين الأوائل.

وبذلك يكون التجمع امتدادا لبناء سياسي لم يخرج عن مسيرة البناء التي تعيشها تونس، وليكون مساره الزمني، وهو يستعد لمؤتمره القادم نهاية هذا الشهر، متضمنا لنحو 30 سنة من الكفاح، ومثلها من مرحلة بناء الدولة، وعشرينية كاملة وهو يضطلع بأعباء المشروع المجتمعي الجديد، أفلا تتيح هذه الحقبة الزمنية التي تشارف على التسعين حولا مجالا لدراسة «التجمع الدستوري الديمقراطي» كحالة سياسية واكبت بلداً عربياً هو تونس، في مختلف مراحله، وتختزن في مضامينها الفكرية والسياسية مسيرة قرن بانتصاراته وهزاته.

الدراسة الهادئة والمتزنة لهذا الكيان السياسي قد تتيح للدارس تفسير مواطن قوة حزب سياسي خرج عن المألوف السياسي وجنب بلاده هزات متتالية، وإن لم تخل المسيرة من هنات وضعف ينكب الحزبيون في تونس على نقاشها في منتدياتهم التي تملأ مدن البلاد وقراها وتشارك فيها مختلف ألوان الطيف التونسي.

محمد الهادي الحناشي

mohannachi@gmail.com