يرصد المؤلف، بحكم خبرته وهي خبرة جمعت بين موقعه كوزير في حكومة الرئيس الأميركي السابق كلينتون وبين موقعه كباحث كبير وأستاذ متخصص في علم الاقتصاد، يرصد في الفصل الثاني من الكتاب، الذي يكاد يشكل محور البحث الذي تحتويه السطور، ويستدل على ذلك من عنوانه وهو: الطريق إلى السوبر رأسمالية، التطور الذي طرأ على مسيرة الرأسمالية وخاصة منذ عقد السبعينات من القرن الماضي.
والمقصود هنا التطور التكنولوجي الهائل الذي فتح المجال أمام تطوير أساليب الإنتاج وتقليص التكاليف وأشاع في الوقت نفسه أجواء المنافسة بين الشركات التي ظهرت بأعداد كبيرة لتقدم خدماتها وسلعها لجمهور المستهلكين الذي تخلص من احتكار العدد القليل من الشركات الذي كان مهيمناً على السوق. ويربط المؤلف بين هذا التطور المذهل ووزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» والشركات والمؤسسات التي تدور في فلكها التي كانت السباقة إلى الكثير من الاختراعات التكنولوجية لأغراض عسكرية سرعان ما تحولت إلى الميدان المدني ويخص بالذكر جهاز الحاسوب الذي أحدث ثورة حقيقية في عملية الإنتاج ومناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية أيضاً.
طالما رفع دعاة الاقتصاد الرأسمالي أصواتهم حيث كان يتوجهون بالدعوة إلى أقطار العالم الثالث قائلين: أيها السادة: إن أردتم الديمقراطية فعليكم بالرأسمالية. والمعنى أن التحول الديمقراطي ينطوي على حرية اختيار المواطن بالانتخاب لممثليه إلى البرلمان، وبنفس المقياس فهو ينطوي بالضرورة أيضا على حرية اختيار المستثمر للمجال الذي يريد أن يوظف فيه ما يحتكم عليه من أموال.الربط كان إذن بين حرية السوق وبين حرية بطاقة الانتخاب. والهدف كان إذن هو المزيد من استبعاد الدولة عن تنظيم السوق أو تنظيم الحياة السياسية على السواء.
كأنما عاد العالم وفق تلك الدعوة إلى ما سبق ونادوا به قبيل اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789، عاد إلى المبدأ الرأسمالي العتيد الذي يقول: دعه يعمل، دعه يمر. هنا يرصد مؤلف الكتاب ملاحظة نراها بالغة الأهمية يقول فيها: صحيح أن الرأسمالية انتصرت مع العقود الأخيرة من القرن العشرين، لكنها لم تحقق انتصارها هذا بوصفها عقيدة أيديولوجية.
ويضيف المؤلف موضحاً: لقد طرأ تطور ملموس على هيكل الاقتصاد الأميركي وعلى هيكل اقتصادات أخرى عديدة، وأدى هذا التغيير إلى جعل الأسواق أكثر تنافسية (تأمل مثلا حمى التنافس المشتعلة سوقيا بين أميركا والصين)، لكن تغييرا طرأ في نفس الوقت وجاء متمثلا في حقيقة مستجدة تماما على دنيا الاقتصاد وهي تحول القوة إلى أيدي المستهلكين وأيدي المستثمرين على السواء، وفي الوقت نفسه ظلت الجوانب الديمقراطية من الرأسمالية تذبل وتشحب وتتبدد، لدرجة تنذر بالزوال.
ما الذي أعطى للمستهلكين والمستثمرين كل هذا النفوذ؟ إنها التكنولوجيا، ذلك التطور الجذري الخطير الذي شهدته أواخر القرن العشرين وأمكن في ظله استخدام أحدث منجزات العلم من أجل تطوير أساليب الإنتاج.
هذه التكنولوجيا جاءت لتطرح منتجات جديدة وسلعاً مبتكرة، مما أتاح مساحات واسعة من الخيارات أمام جماهير المستهلكين، وفي هذا الإطار دخلت إلى مضمار الإنتاج مؤسسات وشركات جديدة . في الستينات لم يكن أمام المستهلك سوى 3 شركات عملاقة في أميركا كانت هي السيد المطاع، بل الطاغية المسيطر على صناعة السيارات.
ومع الثمانينات والتسعينات اتسع الخيار أمام المستهلك المسكين وهو الذي لم يعد مسكينا حين دخلت السيارات اليابانية والكورية ومن بعدها الصينية كي تنافس في الميدان. في الستينات كان الأثير الأميركي محتكراً ومقصوراً على 3 شبكات للتلفزة ظلت تمارس هيمنتها وتقديمها أعمالا درامية متهافتة المضمون ـ مسلسلات كانت تعرف منذ ذلك الحين باسم «أوبرات الصابون» إذ كان همها يقتصر على إعلانات المنظفات الصناعية.
ولكن الأمر ما لبث مع التحولات أن انطوى كما هو معروف على المئات من القنوات والشبكات التي احتدمت المنافسة بينها فإذا بها تجهد في تطوير مادتها، صحيح أنها قدمت مسلسلات الصابون الخفيفة أحيانا والركيكة أحيانا، لكنها قدمت أيضا كوميديات ودرامات راقية ومعلومات ثقافية ومواد إخبارية كانت من الرصانة والعمق بمكان.
ويصدق الشيء نفسه ـ على نحو ما يسهب المؤلف ـ على شركات الطيران التي تحولت من حفنة قليلة إلى منظومة وافرة من حيث العدد ومتنافسة على كسب اهتمام المسافرين من حيث السعر والامتيازات وأساليب التدليل أيضا. المكالمات الهاتفية كانت حكرا على شركات عملاقة ظلت تتحكم طويلا في السوق والمستهلكين الأميركيين، فإذا بالتسعينات تشهد ما يشبه الانفجار في عدد شركات الخدمات الهاتفية من كل لون وصنف.
واحتدمت المنافسة بينها إلى حد أن يكاد المستهلك أو الزبون يجري مخابرته مقابل مبالغ لا تذكر وربما دون أن يدفع شيئا على الإطلاق فما بالك وسط هذا التنافس الرهيب على جذب المستهلكين، وقد دخل إلى حلبة هذه المنافسة ساحر جديد اسمه الحاسوب الذي كان قد بشر به نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور، ومعه أسلوب وافد في تاريخ سوق الاستهلاك وهو الشراء عن طريق الانترنت.في غمار هذه الظروف، كادت تنمحي كما يوضح مؤلف الكتاب الخطوط والحدود التي كانت تتمايز بها الصناعات والأنشطة الإنتاجية المختلفة وكانت تفرّق بينها.
أصبح بإمكان المستهلك العادي أن يخلد في بيته إلى جهاز الحاسوب وحين تضاء الشاشة يمكن أن يتجول بحرّية بين مختلف الأجهزة. وبين أروقة المؤسسات وفي داخل عنابر الصناعات وصالات المعامل والمشاغل.
ويكفي ـ يضيف المؤلف ـ أن مؤسسة عملاقة مثل ديزني للإنتاج السينمائي ظلت تتصور أنها الملكة المتوجة على عرش إنتاج الصور المتحركة، إلى أن ظهر لها منافس اسمه «بيكسار» يسحب سجادة الاحتكار من تحت أقدامها بعد أن أنتج للعرض أعمالا سينمائية باستخدام الأسلوب الرقمي ديجيتال وجاءت هذه الأعمال ـ حسب تعريف المؤلف ـ أقرب إلى الأعاجيب فما بالك حين أصبح ممكنا ببساطة مذهلة تقديم أي إعلان عن أي سلعة على شاشة الحاسوب دون كلفة تذكر.
مما أحدث ما يشبه الانفجار في توسيع الخيارات المتاحة أمام جماهير الزبائن وجموع المستهلكين.من بين هذه التحولات الخطيرة بالفعل ما جاء متعلقا بإحدى النظريات الراسخة أو التي كانت كذلك على مدار السنوات، والأكيد أن كان مؤلفنا «البروفيسور ريتش» يعلمها لطلابه في مقررات إدارة الأعمال وعلم الاقتصاد على السواء.
إنها نظرية «اقتصادات الحجم» أو وفورات الحجم الكبير كما يعرفها الاقتصاديون: فحواها ببساطة أن المشروع الأكبر هو الأكثر توفيرا من حيث النفقات بقدر ما أنه الأكثر عائدا من حيث الإيرادات مقارنة بالطبع مع المشاريع المتعددة الصغيرة الحجم.ومن ثم ظل أهل الاقتصاد والإدارة ودهاقنة البيزنس يحضّون على تكبير حجم المشروع الاقتصادي أو الإنتاجي، وعلى أساس أن الحجم هو أحد المعايير الأساسية في نجاح (أو فشل) أي مشروع.
ها هو مؤلف كتابنا ـ في معرض رصده للمتغيرات التي اختتم بها القرن العشرين ـ يراجع مثل هذه المقولات، الكلية الاحترام كما قد نصفها حين يقول: لم يعد الحجم عائقا يذكر في بدء المشروع الاقتصادي، كيف؟
في الماضي، كان تعدد فروع المشروع الضخم معناه إمكانية توزيع التكاليف على تلك الفروع مما يؤدي إلى تقليل النفقات والى تعظيم العائدات والأرباح. أما اليوم فلا مشكلة في تقليل النفقات، فحتى المشروع الصغير يستطيع أن يخفض تكاليفه حين يستخدم خط الحاسوب الالكتروني في حساب الفواتير وإعداد طلبات الشراء وتجهيز قوائم الجرد وكشوف حسابات التكاليف.
بل يستطيع بداهة أن يدير خدمة للعملاء تجمع بين دفء التواصل وكفاءة الأداء المهني، وكله، كله باستخدام أحدث شبكات الهواتف وسبل التواصل الالكتروني وأكفأ الحواسيب التي لا تحتاج مساحات للمكاتب والسكرتارية وساحات صف لسيارات الموظفين، بل لا تحتاج إلى دوام جمهرة العاملين في المحل الأول، فضلا عن إمكاناتها في المشاركة بالمناقصات وفعاليات المزاد العلني بأقل التكاليف.
يضيف المؤلف مستطردا على سبيل المثال: أصبح الإنتاج رخيصا في أغلب الأحيان، حيث بات بالإمكان مثلا إنتاج أفضل نوعيات من الأفلام المصورة والتسجيلات الموسيقية باستخدام معدات وأجهزة وبرامجيات حاسوبية (سوفت وير) لا تكلف سوى بضعة آلاف من الدولارات بدلا من مئات الآلاف من الدولارات على نحو ما كان عليه الحال من عقود قليلة خلت في عمر الزمن.
والنتيجة هي أنه لم يعد ثمة مبرر معقول، من الناحية الاقتصادية بالذات. لاستمرار وجود الاحتكارات الضخمة أو المؤسسات العاتية العملاقة، فغربت شمسها أو تكاد، وتقلصت الحاجة من ثم إلى تلك الأساليب التي شهدها الماضي القريب في التخطيط الشامل لهذه النوعية من المؤسسات.
ثم سؤال جوهري آخر: كيف تم هذا التقدم الباهر ـ المذهل في بعض الأحيان، بالنسبة لتطوير تكنولوجيا الإنتاج إلى حيث باتت الحواسيب وأساليب البرمجة تهدد بقاء الشركات العملاقة بل وتحيل إلى التقاعد بعض النظريات الاقتصادية التي ظلت راسخة على مر الزمن؟ الجواب الذي يورده كتابنا (ص56 وما بعدها) تلخصه عبارة واحدة هي: فتش ـ من فضلك ـ عن البنتاجون!يقول المؤلف:
بصراحة، بدأت معظم هذه التكنولوجيات الجديدة في دوائر وزارة الحربية الأميركية ـ
البنتاجون منذ عقد السبعينات، وإن كان الأمر لم يقتصر على هذه الدائرة المعنية في الحكومة الأميركية بالشؤون العسكرية بل ازدهرت تلك التكنولوجيات أيضا على يد الشركات والمؤسسات المرتبطة بدوائر البنتاجون وهي شركات الإنتاج الحربي وتطوير المعدات العسكرية.
يضيف الكتاب في هذا السياق ما يلي: لقد كانت الحرب الباردة (وبالذات الصراع مع الخصم السوفييتي) هي محور الابتكار للرأسمالية الأميركية. وفيما كانت الاحتكارات العملاقة التي شكلت فعاليات القطاع الخاص في أميركا غير مهتمة بطرح أو معالجة أو تطوير أي أفكار جذرية جديدة أو مبتكرة.
فإن حقيقة المنافسة مع الاتحاد السوفييتي كانت من الجانب الآخر عامل الإلهام للبنتاجون ووكالة «ناسا» الفضائية مما دفع المؤسستين إلى الإقدام بكل جسارة على ارتياد آفاق التجديدات والابتكارات التكنولوجية، وهي الابتكارات التي قُيضّ لها أن تجد طريقها بعد ذلك إلى دنيا التجارة وأسواق الاستهلاك.
نلاحظ في هذا الصدد بالذات ما يلي: أن التقدم التكنولوجي بالذات لا يأتي عفوا ولا بوصفه مجرد ناتج عابر أو فرعي للجهود التقليدية المبذولة خلال الأعمال اليومية.. التقدم يأتي من خلال عقليات إبداعية تحلم وتتخيل بغير انقطاع شريطة أن تكفل لها الإدارات والدوائر المسؤولة فضاء يتيح لها أن تحلم وتتخيل وترسم وتخطط بغير عائق أو تعقيد. ولابد أن تنتقل مثل هذه الخبرة في مجال التطور التكنولوجي إلى حياتنا في الوطن العربي مع التأكيد على أهمية مجال «البحث والتطوير» كما يصفه الاختصاصيون.
المؤلف في سطور
ـ يعمل بروفسور روبرت ريتش حالياً أستاذا بجامعة برانديز الأميركية، وهو أستاذ كرسي موريس هكستر للسياسة الاجتماعية والاقتصادية في كلية هيلر للدراسات العليا في الجامعة نفسها.
ـ شغل مناصب بارزة في ثلاث إدارات أميركية، وكان أبرزها العمل وزيراً للعمل في إدارة كلينتون.
ـ قام بتأسيس مجلة «أميركان بروسبكت» المتخصصة، وتولى رئاسة تحريرها سنوات عدة.
ـ تنشر كتاباته بانتظام في عدد من أبرز الصحف والمجلات الأميركية، وفي مقدمتها نيويوركر، أتلانتك مونثلي، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنالز
ـ أصدر عدداً من الكتب ذات التأثير الكبير، ومن أهمها «مستقبل النجاح»، وهو يقيم حالياً في كامبردج بولاية ماساشوستس الأميركية


