عاد الهدوء الحذر أمس الى مناطق الاشتباكات في مدينة طرابلس في شمال لبنان مع انتشار وحدات الجيش اللبناني بصورة مكثفة في الأحياء الداخلية، والذي توعد بدوره بالرد على مطلقي النيران من الجانبين، بعد اشتباكات عنيفة طوال يومين بين منطقتي باب التبانة ذات الغالبية من المسلمين السنة، وجبل محسن ذات الغالبية من الطائفة العلوية وأدت الى مقتل أربعة أشخاص وجرح نحو 60 آخرين.
وتوقفت الاشتباكات صباح أمس بعدما كانت تجددت طوال الليل على رغم نجاح سلسلة الاجتماعات التي عقدت في منزل مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار في التوصل الى وقف للنار بين باب التبانة وجبل محسن، لكن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ في موعده المحدد الساعة الثامنة مساء أول من أمس، إذ تواصلت الاشتباكات العنيفة بين المنطقتين واستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وأدت الى سقوط أربعة قتلى وأكثر من 60 جريحاً.
وتزامن ذلك مع وصول تعزيزات للجيش اللبناني الذي وضعت وحداته في حال تأهب، استعداداً لعملية الانتشار التي قادها قائد الجيش بالوكالة اللواء شوقي المصري بنفسه، بعدما أعلنت كل القوى السياسية في منطقة الشمال رفع الغطاء عن المخلين بالأمن. ومع صباح أمس، وصلت وحدات الجيش الى الأحياء الداخلية لمنطقتي التبانة وجبل محسن، وانتشرت في شارع سوريا الفاصل بين المنطقتين. وتقدم الجنود من ناحية ثكنة القبة في اتجاه جبل محسن بصورة بطيئة بسبب الاشتباكات المتقطعة التي كانت لا تزال دائرة هناك. كذلك تقدمت عناصر أخرى في اتجاه منطقة التبانة من ناحية دوار نهر أبوعلي.
وفيما تابع رئيس الوزراء المكلف فؤاد السنيورة تطورات الوضع في الشمال واتصل بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ومفتي الشمال مالك الشعار، أصدرت قيادة الجيش بياناً جاء فيه أنها «قامت بتعزيز وحداتها المنتشرة في أماكن التوتر، كي تواجه بحزم وقوة الطرف البادئ بإطلاق النار»، داعية «الأطراف كافة الى ضبط النفس وعدم الرد على مصادر النيران، وترك معالجة الأمر على عاتق القوة العسكرية».
في غضون ذلك، حذر رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط أمس من أن «الاقتتال المذهبي والطائفي المقيت» في شمال لبنان «لا يجر سوى الويلات». وأكد جنبلاط أن «طرابلس والشمال لطالما كانا الموقع الوطني المتقدم في الدفاع عن لبنان واستقلاله وعروبته، وقد وقفت المنطقة برمتها السنة الفائتة صفاً واحداً خلف الشرعية اللبنانية والجيش اللبناني في معركة نهر البارد في مواجهة الأصولية الرجعية».
ودعا كل الفرقاء الى أن يتداركوا «خطر الانزلاق نحو مزيد من الفرز المذهبي الذي يولد نتائج خطيرة على مختلف المستويات من شأنها أن تطيح بركائز السلم الأهلي». وأضاف: «إن هذا الوضع الخطير الذي يطفو الى السطح بين الحين والآخر يستلزم من جميع القوى الفاعلة في المنطقة المشاركة في رسم اتجاهات عامة لتغيير الواقع القائم من خلال رؤية تنموية شاملة تواكبها وتشارك فيها الحكومة المقبلة.
التي يفترض بها أن تضع في رأس أولوياتها خطة انمائية عامة لتطوير المنطقة وإخراجها من حالة البؤس والحرمان التاريخي التي طاولها لعقود، وهو ما يشكل مدخلاً للمعالجات العميقة على المدى الطويل ويقطع الطريق على محاولات العبث بتلك المنطقة العزيزة».
على صعيد آخر، ذكرت «الوكالة الوطنية للاعلام» ان قوات الاحتلال الاسرائيلي خرقت السيادة اللبنانية على محور قرية الغجر المحتلة. وأوضحت الوكالة ان سيارتين عسكريتين اسرائيليتين توغلتا من الشطر السوري المحتل من الغجر الى الشطر اللبناني المحتل من هذه القرية ومعها سيارتان مدنيتان وعدد من العمال.
ووصلت هذه القوة الى الباحة التي تقع شمال القرية حيث تفصلها عن مواقع الكتيبة الاسبانية العاملة في اطار القوة الدولية المعززة «يونيفيل» سياج من الاسلاك الشائكة فقط، وبقيت هناك لمدة ثلاث ساعات حيث قامت العناصر بتركيب مصابيح للانارة عند السياج، كما قامت بعملية صيانة لهذا السياج.
أزمة مارون الرأس
لا تزال قرية مارون الراس تدفع ثمن الحرب والخلافات الداخلية اللبنانية، فبعد أن دمرها الجيش الاسرائيلي في حربه على لبنان في العام 2006، وقفت مساعدات اعادة الاعمار بسبب الوضع غير المستقر في البلاد والخلافات حول تشكيل الحكومة. وأكد رئيس بلدية القرية مصطفى علوية على ان «غالبية منازل القرية أصيبت بأضرار بالغة» لافتا الى «ان المقاتلات الاسرائيلية سوت 159 منزلا بالأرض».
ويوضح أن «الأهالي بدأوا باعادة اعمار منازلهم بعد أن حصلوا على الدفعة الاولى من المساعدات البالغة 10 آلاف دولار». لكن الأزمة السياسية بين الأكثرية النيابية والمعارضة التي شلت البلاد أدت الى وقف الدفعات اللاحقة. وكان تعهد رئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي اعادة اعمار مارون الراس، فيما تبنت دول عدة منها دولة الإمارات العربية المتحدة إعادة اعمار قرى اخرى دمرها العدوان.
بيروت ـ علي بردى


