يشير المؤلف هنا إلى الارتباط بين تطور الرأسمالية والتوسع الاستعماري الإمبريالي، حيث ارتفعت أصوات في الولايات المتحدة مع بدايات القرن العشرين.
ومن أبرزها الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت الذي قال: إن قدر أميركا يتمثل في ممارسة هيمنتها الإمبريالية على أقطار أميركا اللاتينية، ارتفعت لتحبذ التوسع الاستعماري بحثاً عن أسواق جديدة لمنتجاتها التي تشبعت بها الأسواق المحلية وطمعاً في المزيد من الخامات والمواد الأولية. وهذا البحث المحموم أدى بدوره إلى اشتعال المنافسة بين الدول الرأسمالية في حينه وتحريك الجيوش بأساطيلها وبوارجها من أجل تأمين السيطرة على خيرات البلدان الفقيرة المغلوبة على أمرها في آسيا وإفريقيا. ولتأمين هذه السيطرة كان لا بد من إزاحة الإمبراطوريات القديمة التي عفى عليها الزمن لتفسح المجال أمام القوى الإمبراطورية الصاعدة في إنجلترا وفرنسا ثم أميركا، فكانت الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى سقوط الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية والألمانية والروسية. ومع النجاح الذي حققته الرأسمالية في زيادة الإنتاجية وتطوير وسائل الإنتاج الصناعي، برزت المؤسسات والشركات الاحتكارية التي بسطت سيطرتها على السوق وخنقت المؤسسات الصغيرة التي كانت تصارع من أجل إثبات وجودها.
ما زالت نجاحات حيتان الصناعة وعمالقة الإنتاج في أميركا، من أمثال ج. مورغان وأندرو كارنيجي وروكفلر وهنري فورد، تشكل نماذج على ثمار العمل وبذل الجهد ومواصلة المثابرة، فضلا عن تأثيرات نتائج هذه الجهود على مسار التطور البشري على امتداد عقود القرن العشرين.
وليس المهم، بالنسبة لمؤلف هذا الكتاب، وبالنسبة لنا، مقدار الثروة الطائلة التي حققها هؤلاء الرجال: المهم بالأساس هو الإضافات البنّاءة التي قدموها من أجل تطوير إنتاج السلع وتطوير تقديم الخدمات بما أضاف مزيدا من الراحة والكفاءة والاقتصاد في استخدام النفقات، ومزيدا من حسن استخدام الطاقة المادية والكفاءات البشرية. في هذا الصدد يعلق مؤلف الكتاب قائلا: كان من نتائج هذا كله أن حلقت معدلات الإنتاجية إلى عنان السماء.
وفيما كان العامل الأميركي في القرن التاسع عشر لا ينتج سوى نسبة ثلاثة من عشرة في المئة سنويا في مجال نشر البذور أو حصاد المحاصيل أو قطع الأخشاب أو الصيد أو ممارسة الحرف المختلفة باستخدام الأدوات اليدوية.. فقد جاء ختام القرن المذكور ليشهد زيادة إنتاجية هذا العامل بمقدار 6 أضعاف.
وكانت النتيجة أنه مع حلول القرن العشرين تضاعف إنتاج الحديد مرتين بينما تضاعف إنتاج الفولاذ عشرين مرة واتسعت شبكات البرق والقطارات واستفاد الناس من وسائل النقل والاتصالات أسرع وتيرة وأكفأ أداء وأكثر أمنا، وأمكن نقل الخامات من كل الأركان القصية في طول القارة الأميركية وفي عرضها، وبالتالي أمكن نقل ونشر البضائع التامة الصنع إلى المستهلكين في جميع أسواق البلاد.
وبقدر ما سبقت أميركا في هذا كله سائر بلاد العالم، سواء في أوروبا أو في القارات الأخرى، فقد سبقت أيضا أن عاشت تجربة الهجرات الكثيفة وحالات النزوح شبه الجماعية من الأرياف إلى المدن.
يوضح المؤلف هذه النقطة قائلا: يومها قرر مئات الآلاف أن ينزحوا من الحقول إلى المصانع. وفي غضون فترات قصيرة من الزمن تضاعف سكان نيويورك 4 مرات وتضاعف سكان شيكاغو نحو 10 مرات فيما ظلت تتضاعف أيضا مع بدايات القرن العشرين تدفقات المهاجرين الوافدين من خارج الحدود.
هكذا شارفت أميركا على بدايات حقبة من الإنتاج الكثيف الذي ظلت تقوم على أمره طاقات عمل بشرية متضخمة العدد وتستخدم أحدث ما توصلت إليه قدرات الابتكار البشري من أساليب وآلات.
هنالك بدأ البحث عن أسواق جديدة من أجل تصريف واستيعاب هذا الإنتاج.
وهكذا ـ يقول المؤلف (ص118) ـ دخل إلى القاموس السياسي اليومي في الولايات المتحدة مصطلح جديد هو: الإمبريالية.. التوسع الاستعماري.
يضيف المؤلف في نفس السياق ـ ارتفع صوت الرئيس الأميركي تيودور روزفلت عام 1910 ليقول: إن قدر أميركا يتمثل في ممارسة هيمنتها الإمبريالية على أقطار أميركا اللاتينية. ثم جاوبته أوساط الخارجية الأميركية في بيان قالت فيه بالحرف: إن التوسع الإقليمي يشكل بالأساس ناتجا فرعيا ناجما عن التوسع التجاري.
هذه الأصوات التي ارتفعت في أميركا لتحبّذ التوسع الاستعماري بحثا عن أسواق التصريف يجاوبها على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي أصوات من ألمانيا وفرنسا وفي انجلترا بالذات التي ارتفع فيها صوت واحد من أكبر اقتصادييها وهو «ج. هوبسون» ليطلق التحذير أو النبوءة التالية: إن المنافسة التجارية تبدأ في مجال الاقتصاد ولكنها يمكن أن تنتهي في ساحة القتال: إن رجال الأعمال يختارون الحرب (في الخارج) عندما يستنفدون أسواقهم في الداخل.
كانت هذه هي رأسمالية العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين.. دارت عجلتها.. وتكاثفت إنتاجيتها فكان أن ضاقت بها أسواقها المحلية من جهة.. وكان أن تطلعت من جانبها إلى مزيد من الخامات والمواد الأولية ـ المدخلات الصناعية الرخيصة من جهة أخرى. هذا البحث الذي ازدادت شراسته واحتدمت المنافسة بشأنه من أجل أسواق للتصريف وخامات للاقتناء والاستخدام هو الذي ولّد ظاهرة التطلع إلى المستعمرات، سواء جاء هذا التطلع على شكل أساطيل وبوارج وجيوش مسلحة تزحف على ربوع آسيا وإفريقيا.
وهو ما فعلته دول مثل انجلترا وفرنسا وألمانيا، ومن قبلها كانت أسبانيا وكانت البرتغال أو جاء هذا البحث على شكل سيطرة إمبريالية ـ بالوكالة أو بسط الهيمنة من خلال العملاء المحليين.. على نحو ما كانت أميركا تمارسه على صعيد جارتها أميركا اللاتينية إلى الجنوب.
وكان لابد أن تشتعل المنافسة بين مثل هؤلاء الفرقاء المتطلعين إلى الأسواق والخامات. وكان لابد من إزاحة الإمبراطوريات العتيقة التي تجاوزها الزمن من أجل فسح الطريق وإخلاء المسرح الدولي لقوى صاعدة.. عفية وجديدة تؤدي دورها على خشبة هذا المسرح الخطير.
وفي ضوء هذين العاملْين اندلعت الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) التي أفضت كما هو معروف إلى سقوط وزوال إمبراطورية العثمانيين في تركيا وإمبراطورية الهابسبورغ في النمسا وإمبراطورية هوهنزلرن في ألمانيا وإمبراطورية رومانوف في روسيا مع تمهيد المسرح لصالح قوى الحلفاء الثلاث: انجلترا وفرنسا ثم أميركا التي أطلت على عالمها في سنة 1918 إطلالة غاية في الإيجابية والجاذبية السياسية حين أعلن رئيسها ويلسون مبادئه الأربعة عشر مناديا بحق الشعوب في تقرير المصير.
يومها عاش العالم حلم السلام.. ولو على سبيل التعلل بالأمنيات.. في حين كان العالم يعيش في الغرب الأميركي ـ الأوروبي بالذات منجزات التطور الرأسمالي الذي جاءت به ـ على نحو ما أوضحنا مع مؤلف كتابنا ـ العقود الأولى من القرن العشرين.
يقول المؤلف: في تلك الفترة عاودت الإنتاجية صعودها، واختفت ظاهرة دكاكين التعاسة أو مشاغل الشقاء التي كانت تستغل عمل الأطفال وكدح النساء. وحلّت محلها المؤسسات الكبرى في مجال الصناعات التحويلية.. وقد استلهم القوم وقتها بزوغ علم جديد يسجل للأميركان أنهم كانوا أول من بشر به إلى حد الإتقان.. هذا النهج العلمي جسدته نظريات «فردريك ونسلو تايلور» تحت العنوان التالي: الإدارة العلمية.
كان هذا الأسلوب العلمي من الإدارة الرشيدة يقضي بتقسيم كل موقع عمل وكل مهمة للعامل إلى خطوات مدروسة ومتساوقة ومتكاملة يقوم بكل منها عنصر متخصص ومدرب على مستوى رفيع. وكان خط التجميع الذي توصل إليه هنري فورد في إنتاج السيارة هو النموذج الأمثل لهذا الأسلوب الجديد في مجال الإدارة العلمية
. وبهذا الأسلوب استطاع فورد أن ينتج 10607 سيارة في عام 1909 وزاد العدد في عام 1913 إلى 168000 سيارة ثم ارتفع إلى ربع مليون سيارة مع اندلاع الحرب العظمى الأولى في عام 1914 وهي الفترة التي شهدت أيضا نشاط المؤسسات العملاقة والاحتكارات الضخمة التي مازالت أسماؤها تتردد مقترنة بالطبع باسم أميركا في طول العالم وعرضه ما بين جنرال موتورز إلى جنرال الكتريك وما بين ناشونال بسكت (لإنتاج الحلويات) إلى روكفلر ستاندارد اويل.
المشكلة أن هذه المؤسسات العملاقة سيطرت على السوق لدرجة الاختناق حتى ظهرت معها مساوئ استشراء النظام الرأسمالي لدرجة حالت بين المشاريع الجديدة أو المؤسسات الصغيرة وبين أن تجد لنفسها موطئ قدم وسط هذه الغابة من النمور الكاسرة أو في غمار هذا المحيط الذي تمور أمواجه بالحيتان.
هكذا استشرت الرأسمالية وتوغلت في تلافيف الحياة في أميركا ومن ثم في أقطار شتى من العالم. وهنا نطرح مع سطور الكتاب السؤال البديهي الذي يقول في بساطة وبراءة أيضا: وماذا إذن عن الوجه السياسي لعملة الرأسمالية؟ وماذا عن الديمقراطية؟يقول المؤلف في هذا الخصوص: جاءت الفترات الأولى من القرن العشرين لتشهد انتصارا صاعقا للرأسمالية. لكن مع هذا الانتصار المذهل ظهر الوجه الآخر للنهج الرأسمالي.
وكان وجها كالحا وكئيبا ألحق التعاسة بأعداد غفيرة من البشر هذا الوجه ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ تجسد في الآثار الاجتماعية للرأسمالية: عشوائيات المدن، أجور متدنية وساعات عمل مطولة في المصانع، اتساع نطاق اللامساواة وحالات اللاإنصاف بين أفراد المجتمع الواحد وانهيار أو إهمال القرى والبلدات والمدن المحلية الصغيرة لصالح العواصم المزدحمة الكبيرة.وسط هذه الأحوال جميعا، بدت الديمقراطية وكأنها عاجزة عن الاستجابة لإصلاح هذه الأوضاع.. لماذا؟
لأن حجم وسطوة المؤسسات الرأسمالية العملاقة التي نشأت وترعرت في أميركا (وغيرها) جعلت هذه المؤسسات من المنعة والنفوذ السياسي بمكان.
ومن ثم زوّدتها بالحصانة إزاء أي مساءلة أو محاسبة قد يطالب بها الرأي العام.أكثر من هذا، لم يكن عمالقة الصناعة أو حيتان الرأسمالية الأميركان يشعرون بتلك المسئولية إزاء المجتمع. صحيح أن بعضهم أقاموا مؤسسات خيرية مثل كارنيجي وروكفلر، لكن أغلبهم لم يكن يعير هذه الأمور اهتماما، بل كادوا ينطقون بلسان «ويليام فاندربلت» وكان من حيتان الخطوط الحديدية الذي سأله مراسل النيويورك تايمز يوما عن موضوع الصالح العام فأجاب قائلا (ص22): في ستين داهية هذا الصالح العالم!
وبعدها انطلق «فاندربلت» يحاضر الصحافي المسكين عن معنى الرأسمالية قائلا: أنا لا أستثمر أموالي في مثل هذا الهراء الفارغ. فالقطارات لا تجري على أساس العواطف بل على أساس مبادئ البيزنس وجني الأرباح.. مفهوم؟
وهنا يعاود مؤلفنا التعليق ليقول: صحيح أن البيزنس يعني تحقيق الأرباح، وصحيح أن هذا النشاط الرأسمالي يمكن أن يتيح فرصا للعمل ويقدم خدمات لعموم الناس. لكن «فاندربرلت» تناسى أمرا مهما وهو أن هذه الاحتكارات الرأسمالية الكبرى، وبحكم الاتساع الشاسع لنطاق عملها وفي ضوء ما كان هو وأمثاله من بارونات الصناعة والإنتاج يمارسونه من أساليب تحقيق الربح بغير رحمة ولا وازع من ضمير - أفضت إلى أن مؤسساتهم سيطرت على الأسواق.
كما أن أساليبهم في الاحتكار والاستئثار خنقت أي منافسة ومن ثم بات المجال مفتوحا أمامهم على مصراعيه لكي يتقاضوا من الجمهور أسعارا مرتفعة، وفي كل ما يروق لهم أن يفعلوه.. كانوا فوق المساءلة والحساب. وبلغ الأمر أن جأر الرئيس ويلسون مع عقد العشرينات بالشكوى قائلا: مشكلتنا أن حكومة الولايات المتحدة باتت مثل الطفل المتبنيَّ الذي أصبح موضوعا تحت قوامة المصالح الخاصة.
قصص نجاح رأسماليين أميركيين
*قصة ج. مورغان الذي كان ابنا لمصرفّي متوسط الحال، يبيع الأسهم لصالح إنشاء خطوط السكك الحديدية، ولكن مورغان عمد إلى إنشاء شركة لتجميع امتيازات هذه الخطوط الحديدية لتصبح مؤسسته من بعد واحدا من أكبر بيوت التمويل في العالم.
* قصة أندرو كارنيجي الذي يتردد اسمه مقترنا بالمؤسسة الخيرية التي أوصى بإنشائها ومازالت تواصل جهودها في إقرار السلام في العالم. بدأ كارنيجي كاتبا بسيطا في مكتب الهاتف وبعدها ظل يكافح إلى أن أصبح رئيسا لشركة قطارات حديدية وبعدها دخل في مضمار صناعة الصلب ليحقق أكبر نجاح في هذا المضمار.
* قصة روكفلر الذي بدأ كاتب حسابات بسيطا واشترى أول مصفاة بترول صغيرة في عام 1862 لتشكل أول لبنة في إمبراطورية صناعة النفط التي أصبح على رأسها.
* قصة هنري فورد الذي أدت جهوده وابتكاراته إلى تطوير صناعة وإنتاج السيارات من حيث الجهد المبذول والوقت المستغرق ومن ثم تخفيض التكلفة لتصبح سيارة القرن العشرين في متناول طبقات ما كانت تحلم في تلك الفترة الباكرة باقتنائها.
الصفحات: 272
الكتاب: السوبر رأسمالية
عرض ومناقشة:محمد الخولي
الناشر: نوف ـ نيويورك-2008

