على جبل في الجليل الأعلى حيث تنبت الأعشاب لم يعد ثمة أثر لموقع المراقبة المرتجل الذي اعتكف فيه قائد الفرقة 91، العميد غال هيرش في الأيام الأخيرة من حرب لبنان الثانية. وقد راقب هيرش من هناك المعارك في بنت جبيل. وعبرت نظرته عن الصدمة التي أصابت الجيش الإسرائيلي.

وهذا الأسبوع، من الزاوية نفسها، بدا ميدان المعركة في لبنان هادئا ومسالما. وبدل دوي القذائف حل الصمت المطبق. أما الأرض التي كانت محروقة في نهاية الحرب، فأنبتت عشبها من جديد. من هنا نبدأ رحلتنا إلى داخل نفس الجيش الإسرائيلي، الجيش الذي مر بصدمة. وقد مرت سنتان على الحرب. إسرائيل ترممت. أما ترميم الجيش الإسرائيلي فيحتاج إلى سنوات طويلة.

الحدود الإسرائيلية اللبنانية. النقطة 105. المكان الذي ابتدأت منه الحكاية بأسرها. وكان زنين الدبابير الضجة الوحيدة المسموعة هناك في ظهيرة يوم لاهب.

وعلى سياج منخفض، قبالة البوابة التي اقتيد عبرها إلداد ريغف وإيهود غولدفيسر وهما ينزفان دما، لا توجد سوى لافتات تدعو لإعادتهما. وقريبا سيعود جنديا الاحتياط هذين، على ما يبدو في تابوتين، ضمن الصفقة مع حزب الله. أما قضية الحرب فستصل بذلك إلى نهايتها. ولكن في الجيش الإسرائيلي لن تنتهي هذه الحرب بهذه السرعة.

في الجيش الإسرائيلي يعملون بجد من أجل إصلاح العيوب التي تفجرت في وجوهنا في صيف 2006. ولكن هناك من يعتقدون أن ردود الفعل كانت بالغة التطرف. وكما في رد الفعل على حرب يوم الغفران، أقيمت مع مرور السنين فرق جديدة كثيرة، استنزفت ميزانيات هائلة، وبعد ذلك تطلب الأمر عشرين عاما من أجل تفكيكها.

ويحوم فوق الجميع إحساس مزعج بأن الجيش الإسرائيلي هو جيش يحتاج إلى أن يثبت نفسه من جديد، وأن يسترد هيبته. والمهمة لن تكون سهلة. فالعدو عاظم قوته، والجمهور خائب الأمل من الجيش والجيش محبط من الشعب. وقد بدأ الأمر قبل خمس سنوات، حينما ظنت إسرائيل نفسها أنها قوة عظمى تكنولوجية. وقال الإحساس العام بأن الاستثمار في الأمن هو أولا وقبل كل شيء تبذير للأموال.

والأبراج المقامة في قلب معسكر هيئة الأركان العامة في تل أبيب هي رمز لفترة الغرور تلك. فهي المأثرة الهندسية التي رسمها الحائز على جائزة إسرائيل أبراهام يوسكي. وهما بنايتان. كل واحدة منهما تتكون من 16 طابقا. ويرتبط المبنيان بجسور على ارتفاعات كبيرة. وفي أحد المكاتب هناك يمكن مؤخرا أن تسمع تقديرا عن أزمة الثقة التي تعرقل أداء الجيش الإسرائيلي.

وقال ضابط كبير إن «المشكلة الكبرى التي خلقتها حرب لبنان الثانية هي نقض العقد غير المكتوب بين الجيش والمجتمع الإسرائيلي. ويقول هذا العقد إن المجتمع يمنح الجيش إحدى الحصص الأكبر في ميزانية الدولة، وكذلك أن يؤدي أبناؤه وبناته الخدمة الإلزامية، وأن يوفر له أدمغة خيرة العلماء. وبالمقابل يتوقع المواطنون من الجيش في يوم المعركة ألا يخيب أملهم. وأن يسحق العدو. أن يحقق الحسم. ولكن ذلك لم يحدث».

إثر تعيين غابي أشكنازي رئيسا للأركان تحسنت جدا الأجواء المحبطة التي شاعت في الجيش الإسرائيلي بعد الحرب. وأشكنازي يشيع تجاه كل المستويات الخاضعة له التزاما بعمل سيزيفي لدرجة الاستحواذ، وكانت الرسالة هذه مطلوبة من أجل رفع الجيش الإسرائيلي عن الحلبة.

فالأحاديث عن «تدريبات ـ تدريبات ـ تدريبات» تحولت في الجيش إلى قيمة جديدة، كوزن مضاد لواقع أن القوات البرية وصلت إلى لبنان من دون تدريب أو أهلية.

ومع ذلك فإن الإشارات تشهد على أن المزاج في الجيش الإسرائيلي لا يزال بعيدا عن أن يكون عاليا. وحسب ضابط كبير فإن «الضربة الأولى وقعت على الجيش تقريبا في العام 2004، عندما اتخذ القرار بإقالة الآلاف من أفراد الخدمة الدائمة. وقد أضرت تلك الإقالات بالإحساس الأساسي بأن الجيش هو مكان عمل مستقر».

وبعد ذلك بدأ الجيش بعملية تغيير بنيوية هائلة، ألغيت في إطارها وظائف كثيرة. وبعد عامين من الحرب ألغى أشكنازي كل التغييرات التي أدخلها حلوتس.

وعادت هيئة الأركان للعمل بالصيغة القديمة والمعهودة. وعاد إلى مواقعهم في الشعب الأصلية الآلاف ممن يخدمون في الأسلحة وتشردوا فيها من شعبة إلى أخرى. ومن سلسلة طويلة من التغييرات الهائلة بقي فقط تغيير طفيف، هامشي، وحدة تكنولوجية لتطوير الوسائل القتالية والتي كانت في الماضي تتبع لشعبة الإمداد، وصارت اليوم بإمرة قيادة القوات البرية.

عمير ربابورات (معاريف)

(صفحة تنشر بترتيب خاص مع «السفير» اللبنانية