مع التحسن الجزئي في الظرف الأمني، والانفراج الذي طرأ على الشارع العراقي، عادت الرغبة في الترفيه لتصبح حاجة ضرورية، وصار بالإمكان من جديد رؤية حدائق ومتنزهات فيها الكثير من العوائل، وكذلك العشاق.
قبل أكثر من عام، أطلق يحيى الصغير حسرة طويلة وهو يتفرج على برنامج عربي منوع للأطفال، وأخيرا تجرأ على إطلاق سراح أمنيته في وجه عمته التي تفرغت لمراعاته مع أشقائه، بعد مصرع والده على أيدي مسلحين مجهولين، وانهيار والدته نفسياً واستسلامها لحالة كآبة وعزلة.
قال يحيى انه يتمنى زيارة مدينة الألعاب ففكرت عمته في تحقيق أمنيته، رغم سوء الظروف الأمنية. وهكذا خاضت المجازفة، وأخذت أولاد شقيقها إلى متنزه الزوراء الذي كان قد افتتح لتوه.
ونسيت العمة الخوف مؤقتا، وهي تستمع إلى كركرات الصغار، وتراقب استمتاعهم باللعب، لكنها عادت لتتذكر ما تحمله الشوارع من مخاطر، فسارعت إلى إنهاء نزهتهم والعودة بهم إلى المنزل.
تقول يسرى جاسم عمة الطفل يحيى، إنها لم تعد تشعر بالمجازفة الآن وهي تصطحب الأطفال إلى حديقة الزوراء، التي قاومت الظرف الأمني، وواصلت استقبالها للزوار، خاصة في أيام العطل والأعياد، كما تشهد عناية واضحة من قبل أمانة بغداد، تشمل تنظيفها وتطوير مرافقها الحيوية والعناية بها.
وحسب تقرير أعده المركز الإعلامي التابع لأمانة بغداد فان عدد زوار المتنزه بلغ خلال الشهر الماضي 600 ألف زائر، كما ان حديقة الزوراء التي تعد أكبر متنزه في العراق، تشهد اهتماما كبيراً من قبل أمانة بغداد يتضمن قيام الكوادر الزراعية بأعمال السقي وتشذيب وتنظيف وتعويض التالف من النباتات.
وإضافة الأسمدة للمزروعات، إضافة إلى اهتمام الكوادر المتخصصة المسؤولة عن حديقة الحيوان بتنظيف أقفاص الحيوانات والطيور والعناية الصحية بها..
وينتهز العشاق فرصة الهدوء الأمني ليلتقوا في المتنزه، بعد أن أحكمت الظروف السيئة «حصارا حول الحب في العراق»، وما عاد لقاء الأحبة يسيرا. فوائل وميادة مخطوبان منذ شهرين، ويقصدان المتنزه كل أسبوع، ليتعرفا أكثر على بعضهما ويخططان لمستقبلهما.
وتعترف ميادة أنها تشعر براحة أكبر حين تلتقي خطيبها خارج المنزل، لأن فترة الخطوبة لا يمكن تعويضها، ولأنها تُخلص حبيبها من الحرج بوجود أهلها فيتصرف أمامها على سجيته.
ومكان آخر للترفيه عادت إليه الروح في بغداد مؤخرا، فصار يستقبل العوائل العراقية حتى المساء، متفوقاً بذلك على متنزه الزوراء الذي يغلق أبوابه مبكرا، ويرتبط ذلك بالتأكيد بحجم الأمان في تلك الأماكن. فشارع أبي نواس يمثل احد المعالم المهمة في بغداد، وكان يستقبل السياح من كل مكان ليستمتعوا بتأمل نهر دجلة، وتناول «السمك المسكوف»، الذي ينفرد العراق بإعداده.
ويقول حيدر كاظم من سكان منطقة الكرادة، انه اصطحب عائلته أكثر من مرة لتناول وجباتهم المفضلة من «السمك المسكوف» في شارع أبي نواس، مستعيداً بذلك طقسا قديما مارسه مع أهله من قبل.ويقول ابو خالد الذي يدير مقهى في شارع أبي نواس: كان الشارع مضيفاً للسياح، وملاذا لعشاق السهر والسمر وللمحبين من الشباب والصبايا..
وعقب سقوط النظام السابق، أهمل بشكل مؤلم وقسمته الكتل الكونكريتية إلى أجزاء، لكنه حظي كبعض المناطق الأخرى في بغداد، بالاهتمام في الفترة الأخيرة، فجرت إعادة تأهيله وصيانته، وتم تنظيفه والاهتمام بأشجاره وزهوره، كما وضعت فيه مصطبات ومظلات ملونة وسلال كبيرة للنفايات.
كما تواصلت عمليات الحفر لتطهير نهر دجلة من الرواسب الطينية المتراكمة على مدى السنين الماضية، بهدف عودة الزوارق النهرية لاستقبال زبائنها الراغبين بالقيام برحلات في نهر دجلة.
